رؤية كونية

فيروس إنفلونـزا الطيـور H7N9 يستحق القلق حِيَالَه

يُنبِّه بيتر هُورْبِي إلى أنّ التحذيرات حول ظهور فيروس إنفلونزا جديد قد تُثير الشكوكَ، ولذلك.. يجب أن نلتزم الحرص.

بيتر هُورْبِي
  • Published online:

ظهر مؤخرًا نوع جديد من فيروس الإنفلونزا (أ) الذي يصيب الحيوانات، وسرعان ما عَبَرَ حدود إصابته للحيوانات؛ ليُصيب عددًا من البشر. وحاليًا، بعد مرور شهرين من تسجيل أوّل إصابة بشريّة بفيروس إنفلونزا الطيور H7N9، يثار السؤال التالي: ما هي المسارات الّتي ستنتقيها الأنواع الجديدة؛ لتسلكها من بين المسارات السّابقة؟

لقد دَقَّ أحد أسلاف فيروس H5N1 ناقوس الخطر، نظرًا إلى قدرته العالية على إصابة الجنس البشري. كما ثبت أنّه خصم عنيد؛ حيث ظلّ مستوطنًا في أوساط الدواجن عبر مساحات كبيرة في آسيا، لكنه ـ لحسن الحظ ـ لم يصل إلى درجة التكيُّف؛ للانتقال إلى الجنس البشري، ومن شخص إلى آخر. هناك أيضًا الفيروس الثاني H7N7، الّذي تَسَبَّب في عدد من الإصابات البشريّة الطفيفة في هولندا عام 2003، مع توافر أدلّة على انتشار محدود بين أفراد الجنس البشري، ولكن سرعان ما ساعد الإعدام المكثَّف للحيوانات على السيطرة الكاملة عليه، وتلاهما فيروس إنفلونزا الخنازير H1N1 الّذي ظهر في عام 2009، ونجح في التكيّف على إصابة الجنس البشري؛ مسبِّبًا بذلك تفشيًا وبائيًّا.

هل سيُثْبِت فيروس إنفلونزا الطيور H7N9 أنّه قابل للخضوع للسيطرة؟ وهل سيظل الفيروس محصورًا في أوساط الحيوانات؟ أم سيكون مثل فيروس إنفلونزا الخنازير H1N1 قادرًا على التكيف مع الجنس البشري بسهولة، مسبِّبًا تفشيًا وبائيًّا؟... لا يمكن رسم الخط الرفيع بين التنبؤ والإنذار سوى بأثر رجعي، ومع ذلك.. أعتبِرُ أنا وزملائي أنّ فيروس إنفلونزا الطيور H7N9 له العديد من السمات الّتي تجعله من فيروسات الإنفلونزا الجديدة المثيرة للقلق.

يُشبه بروتين الهيماجلوتينين الخاص بفيروس إنفلونزا الطيور H7N9 ـ الذي يرتبط بالخلايا المُستهدفة ـ مثيله في فيروسات إنفلونزا الطيور الأُخرى، الذي يسبّب مرضًا طفيفًا في الطيور، ويعني هذا أنّ الفيروس قادر على الانتشار بصمت في أوساط الحيوانات، وربّما في أوساط الطيور البريّة، وهو ما جعل من الإصابات البشريّة أحداثًا فرديّة، ولكن يُثير عدد الإصابات في الجنس البشري والامتداد الجغرافي لها ـ جميعها حتّى الآن وقعت في الصين ـ التخوّفَ من حدوث تَفَشٍّ مستتر عن قريب في أوساط الحيوانات الأخرى.

ويُمثّل العدد الصغير للإصابات الّتي تمّ اكتشافها بفيروس H7N9 في أوساط الدواجن أمرًا محيِّرًا؛ فعشرون في المئة من الأشخاص المُصابين بالفيروس لم يُسجّلوا تعرّضهم للدواجن من قبل. ومع ذلك.. تظل الطيور الداجنة هي المصدر الرئيس للإصابات البشريّة، كما أنّ هذا الفيروس أكثر قدرةً على التفشّي الوبائي في أوساط الحيوانات، وبخاصّة مع العدد الكبير من الموزّعين الذين يقومون بتوزيع الدواجن في أرجاء الصين. وتُمثّل الطيور البريّة طريقًا آخر لانتشار الإصابة. ومع غياب احتمالات تسبّب الفيروس في إصابات شديدة في الطيور، فإن الشكوك المُحيطة بالمصدر الحيواني للفيروس ـ الذي يسبب التفشّي الوبائي في أوساط الحيوانات ـ تمثل تحدّيًا هائلًا.

ولم تتمكّن المراقبة المشدّدة إلى الآن من إيجاد دليل على انتشار الفيروس بصورة فعّالة بين أفراد الجنس البشري، ولكن حدث بالفعل انتشار محدود بين أفراد الجنس البشري، وهو ما لا يُمثّل بالضرورة مراحل مبكّرةً من التحوّل نحو التكيّف الكامل على الجنس البشري، إذا ما قورن بما حدث مع الفيروسين H5N1، وH7N7. وعلى أي حال، فإنّ فيروسات H7N9 الّتي تمّ فصلها من المرضى تتميّز ببعض التوقيعات الجينيّة المرتبطة بالقدرة على النسخ والانتقال والعدوى المرتفعة في الثدييات. وتتميّز المناطق التي يبدو أنّ الفيروس H7N9 يدور في أرجائها في الصين بأعداد كبيرة من الخنازير، وكثافة سكّانيّة عالية؛ وهو ما يوفّر فرصًا للمزيد من التكيّف في الثدييات، ولإعادة التصنيف مع الفيروسات التي تكيّفت على إصابة الأصناف البشريّة أو الخنازير.

هذا.. وأعراض فيروس H7N9 لديها بعض أوجه الشبه بالإنفلونزا الموسميّة البشرية. وعلى النقيض من فيروس H7N7 ـ الذي ظهر في عام 2003، متّخذًا التهاب الملتحمة صورةً له ـ فإنّ فيروس H7N9 تَسَبَّب في إصابات للجهاز التنفّسي في مختلف الأعمار، لكنّه كان أكثر شدةً في كبار السن، وأولئك الذين يُعانون من أمراض أخرى. وحقيقة ارتفاع متوسّط أعمار المُصابين ـ حوالي سن الستين ـ وأنّ معظم الإصابات المسجّلة كانت شديدةً، ترجِّح أنّ الفيروس لم يتمكّن من التكيّف جيدًا على الجنس البشري. ومن ثمّ، فلن يكون هناك ما هو أقدر على إظهار ورَسْم الطيف الكامل للعدوى ومدى شدّتها، سوى المزيد من البيانات الإكلينيكية والوبائيّة عن تفشِّي الفيروس.

وسوف يُساعد التجميع القياسي ومشاركة البيانات الإكلينيكية في تقييم كل من الخطر، والعلاج. ويُمكن الاطّلاع على البروتوكول الإكلينيكي، وسجلّ الحالات، ونماذج الإفادات المُبَلَّغ عنها من قِبَل الجمعية الدوليّة للعدوى التنفسيّة الحادّة، ومنظّمة الصحّة العالميّة عبر شبكة الإنترنت (انظر: go.nature.com/fpsiog).

وإذا تمكّن فيروس H7N9 من التكيّف على الجنس البشري، فربّما تقف في مواجهته مناعة بشريّة ضعيفة، أو ربما لا تواجهه على الإطلاق؛ فاكتشاف وتتبُّع فيروس تكيَّفَ جزئيًّا على الجنس البشري ـ كفيروس H7N9 ـ في مدينة كبيرة، كشنجهاي، أو بكين، يُعدّ أمرًا صعبًا، بينما يكون تتبُّع فيروس تكيَّفَ بشكل كُلِّي ضربًا من المستحيل، بل وربّما يكون قد تمكَّنَ من الانتشار محليًّا وعالميًّا؛ فشرق الصين قد أصبح أحد أكثر المراكز السكّانيّة "ارتباطًا" بالعالم؛ حيث يعيش %70 من سكّان العالم خارج الصين، على بعد ساعتين من مطار يرتبط بمنطقة الوباء برحلة جويّة مباشرة (انظر: go.nature.com/tvfev8). ولذا.. لن تُجدي القيود على السفر، أو لن يستمر طويلًا عملُ المسح الحدودي؛ من أجل احتواء الانتشار الوبائي للإنفلونزا.

إذا كان رد الفعل تجاه فيروس H1N1 مبالغًا فيه، فمن غير المعقول زيادة تعقيد الخطأ بالتقاعس تجاه مواجهة الفيروس الجديد H7N9. ورغم وجود الآمال بأنْ يظلّ هذا الفيروس فيروسًا حيوانيًّا، وربما كانت حقيقةُ أنه قد انتشر لمدة شهرين ـ على الأقل ـ بدون تكيُّف ثابت على الإنسان مؤشرًا إلى أنّ الاختلافات القائمة بين أنواع الكائنات الحية كبيرة جدًّا.. وربما لا تكون كذلك بالضبط. وربّما كانت الإصابة البشريّة الأولى بفيروس H7N9 خارج الصين مجرّد مسألة وقت. وهذا يُوجِب على القائمين على الصحّة العامّة والمجتمع الإكلينيكي إجراءَ تقييم سريع ودقيق؛ لمعرفة ما إذا كان هذا الفيروس يُمثِّل حالة منفردة من الانتشار بين الحيوان والإنسان، أَمْ حالة انتشار عالمية لفيروس مكيَّف جزئيًّا أو كليًّا لإصابة الجنس البشري.