أخبار

فَكّ جِينُوم حَفْرِيَّة حَيَّة

تكشف جينات سمكة سيلكانث العتيقة الكثير عن ماضينا البعيد.

كريس وولستُون
  • Published online:

<p>سمكة السيلكانث الأفريقية هي قريب وثيق للسمك الذي غزا اليابسة مبكرًا. </p>

سمكة السيلكانث الأفريقية هي قريب وثيق للسمك الذي غزا اليابسة مبكرًا.

Laurent Ballesta/andromede Oceanologie


أتاح صياد سمك بجنوب أفريقيا، استخرج في عام 1938 من شبكته مخلوقًا أزرق اللون، يشبه كائنات عصور ما قبل التاريخ ـ وبدون قصد ـ أحد اكتشافات علم الحيوان لذلك القرن: سمكة سيلكانث، طولها متر ونصف المتر، وهي نوع من السمك الذي كان يُعتقد أنه انقرض منذ 70 مليون سنة.

منذ ذلك الحين، تعرّف العلماء على نوعين من سمك السيلكانث: النوع الأفريقي، والنوع الإندونيسي. بزعانف فصّيّة مكتنزة باللحم، ومكتملة العظام والمفاصل، وبذيل دائري يشبه المجداف، تشبه هذه السمكة ـ إلى حد كبير ـ سمكة السيلكانث التي عاشت في العصر الطباشيري، حين كانت الديناصورات لا تزال تجوب الأرض.

ومؤخرًا، تمكّن فريق دولي من فكّ متتابعات جينوم سمك السيلكانث الأفريقي، وتحليله Latimeria chalumnae؛ ونُشرت حصيلة ذلك بدَوْرِيّة «نيتشر» الدولية.

وسمكة السيلكانث الشبيهة بالسمكة الرئوية ـ السلالة الأخرى الباقية من السمك فصّيّ الزعانف ـ هي في الواقع أقرب صلة بالبشر والثدييات الأخرى من السمك شعاعيّ الزعانف، كالتونة والسلمون المرقط. وكان السمك فصِّيِّ الزعانف القديم أول فقاريات تقدم على غزو اليابسة. ومن المتوقع أن يكشف جينوم السيلكانث الكثير عن أصول رباعيات الأرجل، وهي الخط التطوري الذي قاد إلى البرمائيات والزواحف والطيور والثدييات، حسب قول قائد فريق البحث، كريس أميمِيا، عالِم الأحياء بجامعة واشنطن، سياتل. ويضيف: «إن سمكة السيلكانث هي حجر الزاوية في محاولتنا لفهم تطور رباعيات الأرجل».

أظهر تحليل جينوم سمكة السيلكانث بوضوح ـ مُنْهِيًا جدلًا طويلًا، ـ أنها ليست أقرب قريب لرباعيات الأرجل من السمك، إذ يقول أميمِيا: «إن السمكة الرئوية هي الحائزة على هذا الشرف. ولا يُرجَّح استكمال تتابعات جينوم السمكة الرئوية قريبًا، لأنها أكبر وأكثر تعقيدًا بكثير من سمكة السيلكانث».

وبرغم أن سمك السيلكانث غالبًا ما يُسمَّى «الأحافير الحَيَّة»، إلاّ أن هذا السمك لم يتجمد عبر الزمن، كما تقول الباحثة المشاركة، كيرستين ليندبلاد–توه، عالِمة الوراثة المقارنة بجامعة أوبسالا في السويد، إذ تُظْهِر مقارنة الجينات المرمِّزة للبروتين في سمك السيلكانث بمثيلاتها في السمك الغضروفي أن سمك السيلكانث تعرَّض لتغيّرات مطّردة في الحمض النووي، لكن وتيرة التغيُّر كانت بطيئة بشكل ملحوظ.. فالتحليل الأخير يُظْهِر أن جينات سمك السيلكانث الحديثة يمكن اعتبارها ـ في حد ذاتها ـ أحافير حيّة، حسب قول جيمس نونان، عالِم الوراثة بجامعة ييل، نيوهيفن، كونيتيكت.

كان لدى العلماء بالفعل بعض الإشارات عن التطور البطيء لسمك السيلكانث. ففي دراسة نُشرت في عام 2012، قارن باحثون من اليابان وتنزانيا الحمض النووي لسمك السيلكانث الأفريقي والإندونيسي. وتحديدًا، نظروا في جينات HOX، التي تساعد في توجيه التطور الجنيني (K. Higasa et al. Gene 505, 324–332; 2012). وبرغم أن هذين النوعين ربما انفصلا عن بعضهما البعض ـ حسب أحد التقديرات ـ قبل 6 ملايين سنة، إلاّ أن جيناتهما متشابهة إلى حد مدهش. وبالنسبة إلى تلك الجينات بالذات، كان الفرق بين هذين النوعين من سمك السيلكانث أصغر بحوالي 11 مرة من الفرق بين جينات HOX الموجودة في البشر، والشمبانزي، وهما نوعان ربما افترقا عن بعضهما منذ ما يقرب من 6 ملايين سنة، إلى 8 ملايين سنة.


تغيُّر بطيء

تقول ليندبلاد توه: «هناك شبه استحالة للتَّيَقُّن من مراحل تطور سمك السيلكانث، لكن بطء وتيرة تطوره قد تكون ناشئة عن عدم وجود ضغط انتخاب طبيعي». وتشير إلى أن سمك السيلكانث الحديث كأسلافه «يعيش في أعماق قاع المحيط، حيث الحياة مستقرة جدًّا فيه». وتتابع قائلة: «يمكننا افتراض أنه كانت هناك أسباب قليلة للتغيير»، وقد يُفسِّر التغيُّر الجيني البطيء لماذا تُظْهِر هذه السمكة شبهًا واضحًا بأسلافها الأحفورية.

وقد أظهر التحليل أن جميع أجزاء جينوم سمك السيلكانث لم تكن بطيئة في التطور، إذ يحتوي الجينوم على عدد كبير من العناصر المتنقلة ـ وهي أجزاء غير ترميزية من الجينوم، تؤدي دورًا مهمًّا في تنظيم الجينات ـ تتحرك عبر الجينوم بوتيرة سريعة نسبيًّا. وقد يكون الحمض النووي غير الترميزي مصدرًا مهمًّا من مصادر التغيُّر التطوري، كما تشير ليندبلاد توه. ويضيف أميميا أنه ـ في الوقت الراهن ـ يظل الدور الذي يؤديه الحمض النووي غير الترميزي في تطوّر الأنواع الجديدة مجرد «تخمين»، ولا تزال دلالة مثل هذا الأجزاء من الحمض النووي في تطور سمك السيلكانث غير واضحة.

وكما هو متوقع، يحمل الجينوم أدلة على التغيرات الجينية وراء تحول الزعنفة الفصّيّة إلى أحد أطراف الكائن رباعي الأرجل، كما يقول أميميا. فقد وجد التحليل اشتراك كلٍّ من سمك السيلكانث ورباعيات الأرجل في تتابعات مُنَظِّمة للجينات، تساعد على تعزيز نمو الأطراف، لكن النتائج الأخرى كانت بمثابة مفاجأة.. فلأول مرة في الفقاريات يُكتشَف أن هذه السمكة تفتقد جينات «البروتين المناعي–M»، وهو بروتين مناعي بكل الكائنات الحيّة. وعوضًا عن ذلك.. يشير أميمِيا إلى أن هذه السمكة تحتوي على جينَيْن لبروتين مناعي بعيد الصلة، يبدو أنه يقوم بالدور المطلوب.

يقول نونان: «إن التحاليل الجينومية التالية سوف تكشف بالتأكيد كثيرًا من ماضينا البعيد. وسوف تسمح لنا بتحديد المحركات الوراثية لتطور رباعيات الأرجل، أي الجينات والعناصر التنظيمية المسؤولة عن انتقال الفقاريات إلى اليابسة».