أخبار

دراسـة تكشف صيـدًا جائــرًا للسَّمَك

يهدد الصيـــد المفرط للسمك من قِبَل السفـن الصينيــة سبل المعيشة والأنظمة البيئيـة بغرب أفريقيـا.

كريستوفر بالا
  • Published online:

إنه صيد هائل بأكثر من طريقة.. فالصين تقوم بتقليل أرقام حجم صيدها عبر البحار في تقاريرها الرسمية بعدة أضعاف، حسب دراسة1 نُشرت في 23 مارس الماضي. تُعتبَر المشكلة حادة وخطيرة بشكل خاص في مصائد السمك الغنية بغرب أفريقيا، حيث يهدد غيابُ الشفافية في الإبلاغ عن كميات الصيد الجهودَ الرامية إلى تقييم الصحة البيئية للمسطحات المائية.

يقول دانيال بولي، عالِم مصائد السمك بجامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر، كندا، وقائد الفريق الذي أعد الدراسة: «لا نستطيع أن نقيّم حالة المحيطات، بدون معرفة ما الذي يتم صيده منها». وتؤدي غلة الصيد التي لا يُعلَن عنها إلى تعطيل مهنة الصيد التقليدية التي تساعد في إطعام مجتمعات غرب أفريقيا، حسب ما قاله بولي.

ولطالما شكك علماء مصائد السمك في صدق أرقام كميات الصيد التي تقدمها الصين في تقارير رسمية إلى منظمة الأغذية والزراعة العالمية بروما، التي يعتبرونها أدنى من الحجم الحقيقي.. فبين عامي 2000 و2011، أوردت الصين في تقاريرها معدلات صيد في البحار الدولية تقدَّر بحوالي 380 ألف طن سنويًّا. ومع ذلك تدَّعي الصين أن لديها أكبر أسطول عالمي للصيد في البحار البعيدة، مما يعني كميات أكبر من حصيلة صيد السمك، كما تشير الدراسة التي موّلها الاتحاد الأوروبي. ويقدِّر بولي وزملاؤه أن معدل الغلة للفترة 2000-2011 هو 4.6 مليون طن سنويًّا، أي أكثر باثني عشر ضعفًا من الرقم المُبَلَّغ عنه رسميًّا (انظر: «حصيلة ضخمة»). من هذا الإجمالي، يتم صيد حوالي 2.9 مليون طن من غرب أفريقيا التي تضم أحد أثرى مصائد السمك في العالم.

وفي كلمة ألقاها أمام الاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي، أشار ليو زياوبنج، مدير قسم التعاون الدولي بمكتب مصائد السمك في الصين إلى أن كمية الصيد السنوية التي تقوم بها الصين هي 1.15 مليون طن. ويقول بولي إن هذا الرقم قد يكون صحيحًا في حال أنه اقتصر على الكميات التي يتم العودة بها إلى الصين، وليس إجمالي الصيد. ولم يُجِبْ ليو على طلبات للتعليق أُرسلت إليه عبر البريد الإلكتروني.

كبر الصورة

SOURCE: PEW Charitable trusts

ويجد علماء المصائد أن التقديرات الأخيرة مذهلة. «من هنا عرفتُ أين كان يذهب سمكي!»، حسب ديدييه جاسكويل من جامعة بريتاني الأوروبية في الرين، فرنسا، وعضو اللجنة العلمية التي تقدم المشورة إلى موريتانيا والاتحاد الأوروبي حول اتفاقيات صيد السمك. وعامًا بعد آخر، بقيت الأنواع البحرية في موريتانيا، القريبة من قاع البحر ـ كالأخطبوط والهامور والشبوط ـ قليلة باستمرار، وهذا مؤشر لوجود صيد جائر من قِبَل سفن الصيد التي تمسح قيعان البحر بشبكات الصيد، حسب قول جاسكويل، الذي يضيف: «لم تكن لدينا فكرة أن حصيلة الصيد من قِبَل السفن الصينية بهذا الحجم الكبير، وبالتالي لم يتم إدخال هذه البيانات في نماذج المحاكاة التي استخدمناها».

إنّ اتفاقيات الصيد بين الشركات الصينية والحكومات الأفريقية سرية. ولتقدير حصيلة الصيد، كان على بولي وفريقه القيام ببعض مهام الترصد. كانت الصورة أكثر غموضًا، لأن الشركات الصينية تقوم بتسيير سفن تحمل أعلامًا محلية. ولهذا.. قام عشرة باحثين ـ على الأقل ـ بتجميع الأدلة من مقابلات ميدانية وأبحاث محكمة، ومن الصحف والأخبار والمقالات المنشورة عبر الإنترنت بأربع عشرة لغة مختلفة؛ لتقدير عدد سفن الصيد الصينية العاملة في 93 دولة ومنطقة في العالم. وَثَّقَ الباحثون وجود سفن صينية عديدة بمناطق سجلت الصين أنها لم تقم بالصيد فيها. وتَمّ أخذ متوسط التقديرات؛ للوصول إلى استنتاج: الصين امتلكت حوالي 900 سفينة صيد في المحيطات المفتوحة، منها 345 سفينة بغرب أفريقيا، تتضمن 256 سفينة تصيد من قاع البحر.

قام الباحثون بتقدير كميات الصيد البحري لكل دولة بناءً على المعدل المفترض للحصيلة التي يمكن حفظها حسب نوع السفينة. يقول بوريس وورم، عالِم البيئة البحرية بجامعة دَلويز في هاليفاكس، كندا، الذي لم يكن ضمن فريق الدراسة: «ربما لا تكون هذه الأرقام دقيقة جدًّا، لكنها تمنحنا ملامح أولية حول حجم المشكلة». وهناك خبراء متشككون.. يقول رتشارد جرينجر، رئيس خدمات إحصائيات ومعلومات مصائد السمك بمنظمة الأغذية والزراعة العالمية (FAO): «تبدو التقديرات الجديدة أكبر من المعقول بكثير». ويلاحظ جرينجر أنّ في تقييم سابق2 تم تقدير مجمل الحصيلة غير المعلَنة بغرب أفريقيا (من قِبَل كافة الدول) بين 300 ألف و560 ألف طن سنويًّا. وقد اعتمدت هذه الدراسة على مراجعة الدراسات العلمية المنشورة باللغة الإنجليزية؛ لتحديد الأرقام المفقودة من البلاغات الرسمية للصيد.

وفي حال صمود الأرقام الجديدة أمام المراجعة والتدقيق، فقد تتأثر عملية تجديد اتفاقيات الصيد مع دول غرب أفريقيا. ففي العقد الأول من القرن الحالي، وتحت الضغط الشعبي، اضطرت الأساطيل الأوروبية لوقف الصيد في المياه الساحلية لمعظم دول غرب أفريقيا، باستثناء موريتانيا والمغرب. وحلَّت محلها سفن الصيد الصينية، ومعظمها من السفن الكبيرة التي تصطاد من قاع البحر، وأدت انتهاكاتها للمناطق الساحلية المحظورة للصيد إلى احتجاجات عديدة.

يقول جاسكويل ـ الذي يحاول تحديد كميات السمك التي يمكن صيدها، دون التسبب في انهيار تجمعات السمك ـ إن أعداد أنواع الأخطبوط والروبيان (الجمبري) المسموح بصيدها عن طريق العقود الموقعة بين موريتانيا ودول الاتحاد الأوروبي ـ بواسطة السفن الإسبانية بشكل أساسي ـ قليلة أساسًا. وبإدخال كميات الصيد الصينية الحقيقية في المعادلة؛ يجب «حذف الصيد الإسباني من الحساب».

والمفارقة أن فريق بولي نفسه هو الذي وجد منذ 12 عامًا أن الصين تبالغ في أرقام الصيد داخل حدودها الإقليمية بستة ملايين طن على الأقل. ويفسِّر بولي ذلك بأن بيروقراطيين من المستويات الوسطى في الصين يقومون عادة بتضخيم إنجازاتهم3. ويقول إنّ المشكلة الأكبر والأهم هي قيام الصين بتقليل كميات صيدها الفعلي في البحار البعيدة (الدولية). «وهذا يُظْهِر مدى النهب الذي تتعرض له أفريقيا، حيث يعتمد أناس كثيرون على الغذاء البحري؛ للحصول على البروتين الأساسي الذي يتناولونه».

  1. Pauly, D. et al. Fish Fish. http://dx.doi.org/10.1111/faf.12032 (2013).

  2. Agnew, D. J. et al. PLoS ONE 4, e4570 (2009).

  3. Watson, R. & Pauly, D. Nature 414, 534536 (2001).