تأبين

روبـرت ريتشـاردسـون (1937–2013)

مكتشف فــرط ســـيولة الهيليــوم-3

دوجلاس د. أوشيروف
  • Published online:

اكتشف روبرت ريتشاردسون ـ بمشاركتى والفيزيائي ديفيد لي ـ أن الهيليوم3- (وهو نظير مستقر نادر الوجود لعنصر الهيليوم) يصيرُ على درجة فائقة من السيولة عند تبريده إلى جزء ضئيل من الدرجة الواحدة، فوق الصفر المطلق. وكان المعتقَـد ـ في وقت مبكر من سبعينات القرن الماضي ـ قبل هذا الاكتشاف أنَّ حدوث السيولة المفرطة ـ التي تعني تدفق السائل بغير مقاومة ناتجة عن الاحتكاك ـ مقتصر على الهيليوم-4، المعروف بأن ذراته هي بوزونات؛ كما أن أحدًا لم يتمكن من إنتاج هذه الظاهرة باستخدام الفيرميونات، التي تتميز أنويتها بالحركة المغزلية ذات الخواص المختلفة عن تلك المعروفة للبوزونات.

CORNELL UNIVERSITY PHOTOGRAPHY

وقد أذهل الاكتشاف مجتمعَ المشتغلين بالفيزياء، الذين كانوا قد انقطع أملهم في تحقيق الظاهرة في حالة الهيليوم-3. كان لفهم السيولة المفرطة لهذا النظير تأثيره على تطور كل أنواع الموصلات الفائقة، بتطبيقاتها التي بدأت بشبكات نقل القوى الكهربية، وانتهت بأجهزة الرنين النووي المغناطيسي (NMR)، وذلك فيما تلا من عقود. كما استفاد منه علماء الفيزياء الفلكية، حيث أعانهم على تحسين مفهومهم للنجوم النيوترونية، بما لها من أنوية فائقة السيولة.

وكان ريتشاردسون ـ الذي توفي في التاسع عشر من شهر فبراير 2013 ـ قد وُلـد في العاصمة الأمريكية واشنطن في عام 1937؛ وكانت نشأتُه في أرلينجتون، بولاية فيرجينيا، حيث كان والده يعمل في إحدى شركات الهاتف المحلية. وكان في صباه جوّالاً متمرسًا، مولَعَا بالتخييم، ورَصْد الطيور، كما كان عضوًا بجمعية الكشّافة الأمريكية، وحصل على رتبة (نسر الكشّافة)، بعد أن أمضى أقصرَ وقت ممكن يسمحُ بنيل هذه الرتبة، التي تُعدُّ الأعلى في برنامج الجمعية.

وقد تخرَّجَ ريتشاردسون في معهد فرجينيا للبوليتِكْنيك في بلاكسبورج، ومنه حصلَ على درجة الماجستير في علوم الفيزياء، قبل أن يمضي ستة أشهر مجندًا كضابط في جيش الولايات المتحدة الأمريكية؛ وكان قد فكر في الحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، قبل فترة الخدمة العسكرية، غير أنه لم يستحسِن ما تَلَقّاه في الجيش من مقررات دراسية في الإدارة، وقرر - بدلاً من ذلك - أن يسعى للحصول على درجة دكتوراة الفلسفة في العلوم الفيزيائية.

بدأ ريتشاردسون العملَ من أجل درجة دكتوراة الفلسفة في مختبر هورست ماير، التابع لجامعة (ديوك)، بولاية كارولينا الشمالية، في عام 1960. وفي ديوك أيضًا كان لقاؤه ببيتي مكارثي، التي كانت هي الأخرى طالبة دراسات عليا في مجال الفيزياء؛ وتزوجا في عام 1962، ورُزِقا بابنتيهما جينيفر، وباميلا في عامي 1965، و1966. وقد تعلم ريتشاردسون في مختبر ماير كيف يصنع الجهاز الذي كان بحاجة إليه ليدقق في الكيفية التي يكون عليها سلوك مجموعات الذرات عند درجات الحرارة شديدة الانخفاض.

انتقل ريتشاردسون وعائلته الشابة إلى إيثاكا، بنيويورك، وذلك بعد وقت قصير من حصوله على درجة الدكتوراة في عام 1966، حيث عمل مع ديفيد لي كباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة، في فريق أبحاث درجات الحرارة المنخفضة بجامعة كورنيل. وفي عام 1968، التحقَ ريتشاردسون بكلية كورنيل، كأستاذ مساعد بقسم الفيزياء، حيث انتهى به المطاف أستاذًا عاملاً بالقسم. وكنت أنا أحد طلاب ديفيد لي بمرحلة الدراسات العليا، عندما أصبح ريتشاردسون أستاذًا؛ وكان في أغلب الأحيان يعمل لوقت متأخر، حتى يحلَّ الليل. فقد كان موجودًا طول الوقت، مستعدًا لإسداء النُصح عن طِيب نفس، دون تمييز بين طلابه وطلاب غيره من الأساتذة.

ظل الكيميائيون والمتخصصون في علوم المواد ـ في مفتتح سبعينات القرن العشرين، وعلى مدى عقود ـ يسبرون أغـوار سلوكيات المواد، مستخدمين ظاهرة الرنين النووي المغناطيسي، وفيها تمتص الأنويةُ الواقعةُ تحت تأثير مجال مغناطيسي إشعاعًا كهرومغناطيسيًّا، ليعودَ فينبعث منها، وذلك عند تردد محدد. ويعتمدُ ذلك على خواص الذرات، وعلى قوة المجال المغناطيسي. فلما جاء ريتشاردسون، اضطلع بدور مهم، باستخدامه لهذا «التكنيك» في الدراسات المتصلة بدرجات الحرارة المنخفضة للغاية. وكان السؤال الذي تعيـَّن علينا نحن الثلاثة (ريتشاردسون، وديفيد لي، وأنا) أن نجد إجابة له، هو: إذا كان اتجاه العزم المغزلي النووي للهيليوم3-، في حالته الصلبة، فهل يمكن أن ينتظم من تلقاء نفسه عند درجات حرارة منخفضة إلى حـدٍّ كافٍ؟.

وكان علينا، لكي نحصل على درجات حرارة شديدة الانخفاض، أنْ نضغط الهيليوم-3 في حالته السائلة؛ حتى يبدأ في التحول إلى الحالة الصلبة، منتهيًا إلى تبريد خليط مكون من حالتيه، السائلة والصلبة. وكان قد وَقَـَر في أذهاننا ـ في بداية الأمر، ســهوًا ـ أننا قد أوجدنا نظامًا مغناطيسيًّا في الحالة الصلبة من الهيليوم3-، عند نحو 0.002 كلفن؛ لكنْ حقيقة الأمر هي أننا كنا أمام حالة فيزيائية جديدة، هي فرط السيولة في الهيليوم3- السائل. وقد تقاسم ثلاثتُنا جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1996 عن هذا الاكتشاف.

وقد استحق ريتشاردسون ـ سواء منفرداً، أم مشاركًا ـ عديدًا من الجوائز والأوسمة، غير جائزة نوبل، منها جائزة السير فرانسيس سيمون التذكارية في عام 1976؛ وجائزة أوليفر إ. باكلي للمواد المضغوطة في عام 1981؛ وفي العام ذاته صار زميـلاً للجمعية الأمريكية لتقدم العلوم؛ وأصبح عضوًا بالأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم في عام 1986.

خلال عمله في جامعة كورنيل، بل وفي مجتمع الفيزياء الأوسع، كان ريتشاردسون مواطنًا استثنائيًّا؛ شغلَ في الفترة من 1990 إلى 1996 موقع مدير مختبر فيزياء الحالة الذرية بجامعة كورنيل؛ وفي الفترة من 1988 إلى 2007، نُصِّـبَ أول نائب لرئيس الجامعة لشؤون البحوث؛ كما كان ريتشاردسون عضو المجلس الوطني الأمريكي للعلوم، الذي يقوم بالإشراف على قضايا السياسة ذات الصلة بالبحوث والتعليم في مجالات العلوم والهندسة.

لقد اتصفَ ريتشاردسون ـ أو «بوب»، كما كان يناديه المقرَّبون منه ـ بالروح التنافسية والعاطفية، كان خلاَّقًا، لكنه كان متواضعًا كذلك، ولا يعتدي على حقوق الآخرين. وأشد ما أحزنه في حياته هو وفاة ابنته الصغرى (باميلا) بصورة مأساوية في عام 1994، نتيجة هبوط في عضلة القلب. وقد عمد بوب وبيتي إلى طريقة لمعالجة حزنهما، بأن اجتمعا مع ألان جيامباتيستا ـ وهو فيزيائي في كورنيل ـ على العمل في وضع مرجع في الفيزياء، أعطوه عنوان «الفيزياء للمرحلة الجامعية» College Physics.

لقد كان بوب يحاول جاهدًا مساعدة وتوجيه شباب العلماء؛ وكان مشاركًا شديد الحماس في لعبة (الإطاحة بالبنسات)، التي صارت ممارستُها طقسًا بمختبر درجات الحرارة المنخفضة لسنوات عديدة، وفيها تُقذفُ قطعُ النقود المعدنية من فئة البنس باتجاه حائط، لمعرفة مَنْ الذي ستستقر قطعة العملة التي قذف بها عند أقرب نقطة من الحائط؛ وكثيرًا ما كان يستضيفُ في منزله مباريات الكروكيه. وقد حدثَ أنْ تحدَّى، ذات مرة، واحدًا من طلاب الدراسات العليا ـ كان يتدرب ليخوض سباق الماراثون ـ أنْ يتسابقا في قفز عدة درجات من سُلَّم؛ فاعتذر الطالب، حرصًا على سلامة بوب.