أخبار

بلانك يرسم الكون الوليد

تليسكوب فضائي يغربل نظريات الخلق العجيبة بخريطة ميكروويف فائقة الدقة.

مارك بيبلو
  • Published online:

<p>كشف بلانك عن أكثر الصور حدة للضوء الصادر من الكون عندما كان عمره 380 ألف عام.</p>

كشف بلانك عن أكثر الصور حدة للضوء الصادر من الكون عندما كان عمره 380 ألف عام.

Planck Collaboration/ESA


إنها خريطة الكنز الأقصى بالنسبة إلى الفلكيين. ففي 21 مارس، أفرج فريق تليسكوب بلانك الفضائي عن الخريطة الأعلى دقةً حتى الآن لخلفية إشعاع الميكروويف الكونية (CMB)، أو الوميض الخافت المنتشر في كل أرجاء الكون عقب الانفجار العظيم. وتتويجًا لما يناهز الخمسين سنة من دراسة «خلفية المايكروويف الكونية»، تسجل الخريطةُ الملامحَ الدقيقة للكون الوليد. وبذلك.. تُثبِّت معامِلات، هي مفاتيح الكون الآن.

وتكشف التقلبات الدقيقة المبثوثة بالخريطة عن كونٍ آخذ في الاتساع، لكن أبطأ قليلًا مما كان يُعتقد. ويخفض ذاك مقدارَ «الطاقة المظلمة» المقاومة للجاذبية إلى %68.3 من الكون، كما يضيف قليلاً من المادة المظلمة غير المرئية للخليط. ويعني ذلك أيضًا أن الكون أقدم قليلاً: فعمره 13.82 مليار سنة، مع إضافة بضع عشرات من ملايين السنين إلى القيمة المحسوبة سابقًا. وتبين الخريطة أن عدد «نكهات» النيوترينو المتغلغة في الكون ربما يقف عند ثلاث. ولو كانت هناك رابعة؛ لَتمدَّد الكون بسرعة أكبر أثناء لحظاته الأولى.

وتمثل هذه النتائج تنقيحًا لأرقام تم الحصول عليها بواسطة البعثات السابقة، مثل مسبار ولكنسون لقياس تباين موجات الميكروويف (WMAP). وحيث ترقب مركبة بلانك الفضائية السماء من نقطة مراقبة بأفضلية مسافة تبعد 1.5 مليون كيلومتر، فإنها ترتاد أرضًا جديدة في دعمها للنظرية السائدة التي تصف لحظة ما بعد الانفجار العظيم. إن النظرية المعروفة بالتضخم الكوني ترى أن التوسع السريع الذي لا يمكن تصوره انتهى بعد -3210 من الثانية، أو نحو ذلك، وأن الكون قد تعاظم من نقطة دون الذرة حجمًا إلى شيء في حجم ثمرة الليمون الهندي (الجريب فروت) التي استمرت في التمدد بعد ذلك بوتيرة مهيبة. وهذا النمو الطافر من شأنه أن يساعد في تفسير سبب تجانس الكون الذي نراه اليوم على أكبر المقاييس، والذي ما زال مليئًا بكتل وخيوط وألواح من المجرات.

يقول جو دنكلي، عالم الفيزياء الفلكية بجامعة أكسفورد البريطانية: «قد يكون بلانك عثر على خطأ فاحش فيما يتصل بتضخم الكون»، ويضيف دنكلي، الذي درس البيانات الواردة من بلانك ومسبار وولكنسون: «بدلًا من ذلك، حصلنا على دليل جديد أن هذا التمدد قد حدث بالفعل».

وفي الدقائق التي تلت انفجار التضخم، تشكلت الجسيمات، مثل الإلكترونات والبروتونات من مرجل المادة الأولى، وبدأت الفوتونات تتواثب وترتد في المحيط ككرات ألعاب القمار، ثم مضت 380 ألف سنة قبل أن تبرد البلازما المشحونة إلى ذرات متعادلة، وبذا.. أمكن لتلك الفوتوتونات الانطلاق بِحُرّية. واليوم، تشكل الفوتونات «خلفية المايكروويف الكونية»، وتحمل معها بصمة التقلبات الكمية التي كدرت الكون المتضخم.

وبينما تُرى على الخريطة كتغايرات متناهية الصغر، تتراوح حول متوسط درجة حرارة قدره 2.7 كلفن، فقد تعاظمت التقلبات التي أدت إلى تغيرات في كثافة المادة بنهاية الأمر لتصير مجرات تُرى اليوم. يقول بول شلَرد عالم كونيات بلانك بجامعة كمبريدج البريطانية: «كل البِنَى التي نراها اليوم في الكون تأتي من هذه القلاقل الصغيرة».

إن التضخم الذي طرحه في عام 1980 ألَن جوث، الفيزيائي حاليًا بمعهد تكنولوجيا ماساتشوستس في كمبريدج، يتنبأ بأن نطاقًا من الاختلافات في درجة الحرارة يجب أن يتبع منحنى يشبه الناقوس ـ توزيع جاوسي Gaussian سلس. ووجد علماء الكونيات في البعثات السابقة تلميحات إلى أن التوزيع ليس بهذه السلاسة، ما يوحي بأن عمليات أخرى ضالعة في تضخم الكون (انظر: «نيتشر»:http://doi.org/bgjd86 ). وحتى الآن، تبدو بيانات درجات الحرارة الواردة من بلانك بمعظمها جاوسية تمامًا، والنظريات القياسية للتضخم الكوني تبدو آمنة أكثر من أي وقت.

«لقد ولى زمن كثير من نماذج الباروك التضخمية»، بحسب بول ستاينهارت؛ عالم الفيزياء النظرية بجامعة برنستُن، نيوجيرسي، الذي حاول إيجاد ثغرات في نظرية التضخم، بطرح نظريات مثل «نظرية الأجيج»، التي تتذرع بكَوْن حلقي يموت ويُبْعَث في سلسلة ارتدادات كبيرة.

إنّ المسألة الكونية لم تُغلق بعد. وبعض تفاصيل خريطة بلانك تبدو شاذة؛ فهناك «رقعة باردة»، مثلاً، وقسم أكبر من البقع الساخنة في جانب واحد من السماء. كذلك، فإن قيمة ثابت هابل المعينة بواسطة تليسكوب بلانك، التي تصف معدل تمدد الكون، جاءت بشكل مدهش، أقل مقارنة بتقديرات أُجْريَت بواسطة تقنيات فلكية أخرى، ربما كإشارة إلى فيزياء جديدة أخذت سبيلها.

أما التأكيد التام للتضخم ـ ومفاتيح حول ما يدفعه قدمًا ـ فسيعول على الخصائص المُفَصَّلة لفوتونات «خلفية المايكروويف الكونية». إن لحظة انفطار التضخم لا بد أنها زعزعت نسيج الزمان والمكان ذاته، مما يستتبع موجات جاذبية. وهذه بدورها ربما تركت نمطًا في استقطاب الفوتونات. ويتوقع فريق بلانك الإفراج عن بيانات الاستقطاب في مطلع العام المقبل. يقول جورج إفستاثيو، مدير معهد كافلي للكونيات في كامبريدج، المملكة المتحدة، وأحد قادة الباحثين في معطيات تليسكوب بلانك: «إنْ وجدنا موجات جاذبية، فكأننا قد حصلنا على جائزة نوبل. إنه شأن عظيم».

إن إشارة الاستقطاب الخافتة للغاية قد تكون بعيدة عن متناول مجسات بلانك. وتليسكوبات الميكروويف الأرضية، مثل تليسكوب «مصفوفة كيك» Keck Array بالقارة القطبية الجنوبية، التي تتعقبها أيضًا، رغم أنها حسيرة النظر، إذ تقتصر على رصد أحد نصفي الكرة السماوية فقط، ومحدودة بترددات ميكروويف معينة، لأن أكسجين الغلاف الجوي للأرض يمكنه حجب بعض فوتونات خلفية المايكروويف الكونية. وبحسب قول تشارلز لورنس، من مختبر «ناسا» للدفع النفاث في باسادينا، كاليفورنيا، وأبرز علماء تليسكوب بلانك بالولايات المتحدة، قد يستلزم الأمر تليسكوبًا فضائيًّا آخر لإنهاء المهمة، أو ربما بعثة فضائية، أو عقودًا بعيدة، لرصد موجات الجاذبية مباشرة.

وفيما يتصل بتغايرات درجات الحرارة، يقول لورنس إن الفلكيين سيضطرون للرضا ببلانك، الذي «يستخلص تقريبا كل العصير الذي يمكن استخلاصه من خلفية المايكروويف الكونية». وهو يجد هذا العصير حلوًا جدًّا، حتى لو ترك بضعة أسئلة بعيدة المنال. يقول لورنس: «لدينا فكرة جيدة عن ماهية الكون، ولكننا لا نملك أدنى فكرة عن سبب وجوده»، ويضيف بمرح ظاهر: «إن الأمر ممتع، أليس كذلك؟».