رؤية كونية

هندسة فيروس إنفلونزا الطيور لن تختفي

«يجب على الحكومات والمُموِّلين والسُلطات التنظيمية أنْ يعالجوا ـ على وجه السرعة ـ المخاطر التي تتشكَّل من جرّاء اكتساب الفيروسات لوظائفها» سايمون وِين هوبسون.

سايمون وِين هوبسون
  • Published online:

لم يمض شهران على إعلان مجموعة صغيرة من عُلماء فيروس الإنفلونزا عن وَقْف نشاط العمل على تعديل فيروس إنفلونزا الطيور H5N1؛ ليصبح قابلًا للانتقال بين البشر كالإنفلونزا الموسميّة، وها هم رهنٌ لتعليق نشاط العمل في هذا المجال مُجدَّدًا.

في وقت سابق من شهر مارس الماضي، عرض عالِمٌ هولندي تجارب مُشابهة على فيروسات أخرى من إنفلونزا الطيور، وكذلك على الفيروس التّاجي «سارس». كما قدّم علماء من ألمانيا وسويسرا ـ قبل أسبوعين ـ تقريرًا يبيّن كيفيّة قيامهم بتطويع فيروس سُل الكلاب «canine distemper»؛ لِجَعْله ينمو في الخلايا البشريّة.

ويهدف المنطق من وراء مثل هذه التّجارب ـ التي تُعرف بتجارب «اكتساب الوظائف» gain-of-function ـ إلى تمييز تراكيب لطفرات قد تُمكِّن فيروس حيواني من الانتقال إلى البشر الذين ليس لديهم استعداد لذلك. وبالتّعرّف على مثل هذه الطّفرات ـ وفق هذا التفكير ـ بمقدورنا التحضير بشكل أفضل، وتهيئة دفاعاتنا العلمية؛ للتصدِّي لخطر التهديد الذي تحمله هذه الفيروسات للبشر.

أثارت الأبحاث الجارية على إنفلونزا الطيور ـ المتعلقة بـ«اكتساب الفيروسات لوظائفها» ـ جدلًا حادًّا، سبق تغطيتة معظمه في هذه الدورية. ولم يهدأ الجدل بإنهاء تجميد نشاط البحث في هذا المجال، بل على النقيض.. أصبح الجدل أكثر احتدامًا. وفي الوقت الحالي، يقوم مسؤولون رسميّون من واشنطن بوَضْع اللّمسات الأخيرة لخطوط توجيهية جديدة، تهدف إلى مراجعة تنظيم ومراقبة هذه النّوعية من الأبحاث. ونتوقع ـ كباحثين في علم الفيروسات والأمراض ـ أنْ تؤثر هذه الإشكاليات ـ التي سيثيرها صانعو السياسة في هذا الصدد ـ على نشاطنا. ولتجنّب ذلك.. على الباحثين أنْ يستخلصوا العبر من دروس الماضي.

بدلاً من استخدام التعليق الذي حدث لنشاط البحث على إنفلونزا الطيور، من أجل البحث عن المشورة، والإنصات، وتعزيز النّقاش، شَغَلَ عديد من علماء الفيروسات أنفسهم بالتبرير الذاتي. وقد تم عقد اجتماع علني كبير في الجمعيّة الملكيّة في لندن، أتيحت فيه الفرصة لإشراك جمهور كبير، من بينهم المختصون في أخلاقيات علم الأحياء. والدعوة الراهنة لإلغاء وقف نشاط البحث من قِبَل 40 باحثًا - دون الممولين، والحكومات، أو الهيئات الدولية - توضِّح وحدها الأمرَ برمته. وببساطة، لم يفهم مجتمع المهتمين بالإنفلونزا ببساطة أنّ هذه القضية مثار جدل ساخن، وأنها لن تختفي بعيدًا.

يشبه هذا في بعض الأمور ما هو صحيح أيضًا بالنّسبة إلى موضوع مختصِّي فيروس نقص المناعة البشري، فعندما كان البحث العلمي في بداياته في هذا المجال، دُعِّم الباحثون بأموال ضخمة، خُصِّصَت للبحث، ولكنْ غلبت عليهم العجرفة، وأطلقوا الوعود بتطوير لقاح في غضون عامين، إضافةً إلى الكثير من الأمور الأخرى. وقد استحوذ عليهم الخمول بمجرّد أنْ بدأوا يَعُون أنَّ عليهم العمل بشكل جدّي على مجموعات المرضى. والنتيجة جاءت لتُظْهِر أنّ مرضى نقص المناعة البشرية أصبحوا أكثر المتعاونين إخلاصًا وتفانيًا مع أطباء فيروس نقص المناعة البشرية الإكلينيكيين. إن درء الانتقادات والأفكار التي تأتي من الخارج، هو أمرٌ سهل للغاية لدى الباحثين في الميدان.

نذكر فيما يلي الإشكاليات حول العمل على تجارب «اكتساب الفيروسات لوظائفها» بالنّسبة إلى إنفلونزا الطيور، وسارس، والفيروسات التّاجيّة، أو أيّ فيروسات أخرى مما يجب أنْ يُتَطَرَّق إليها علنًا.

أولًا، هل الأساس الفيروسي الذي يُبنى عليه هذا النشاط البحثي سليم؟ يتم التحكّم في نتائج تجارب فيروس إنفلونزا الطيور بواسطة استخدام أنظمة الانتقاء الاصطناعي. وإذا تم تمرير الفيروس من حيوانات ابن مقرض المصابة بضيق تنفس حادّ بانتظام عبر الهباء الجويّ؛ فسينتهي الأمر بفريق البحث إلى الإعلان عن سُلالة خطرة للغاية وقابلة للانتقال. وبشكل مماثل، إذا وقع الاختيار على حيوانات مصابة بأعراض طفيفة؛ سينتهي الأمر بظهور فيروس قابل للانتقال، لكنه أقلّ خطرًا. وليس معلومًا ما إذا كانت الطبيعة ستأخذ أيًّا من هذه المنحنيات، أم غير ذلك. وإذا نظرنا إلى توالد الكلاب ـ على سبيل المثال ـ سنجد أنّ الاختيار الجامح للأليلات في وقت قصير أدّى إلى إنتاج أنواع استنثائيّة من حيث النّمط الظّاهريّ للكلاب (دشنْد [كلب ألماني]، وسلوقي، وِبيت، وسيتيرز [من فصائل كلبيّة أخرى]).. فهل كانت الطبيعة ستأتي بتلك الأمثلة؟

ثانيًا، باحثو الأمراض المعدية مُولعون بالاعتقاد بأنّ الجراثيم لا تحترم الحواجز. مَنْ إذًا يسنّ القوانين، ويوفّر الرّقابة؟ لقد تمّ التّطرّق إلى هذه المسألة بالكاد على المستوى الدّولي، فمنظمة الصحة العالمية أدارت جلساتها المتعلقة بهذا الأمر خلف أبواب موصدة، وفشلت بمفردها في توسيع حلقة النّقاش.

ثالثًا، ماذا لو تسبّبت هذه المجموعات في ظهور فيروسات شديدة الإمراض، قادرة على الانتقال من مصابٍ إلى آخَر؟ وأشكّ في أنْ يتحقق هذا في غضون العامين القادمين. وهل يجب تبادل الفيروس؟ هل يجب حظر البحث على مثل هذه السلالة الجديدة، ذات القدرة الكارثيّة للفيروس؟

رابعًا، ماذا لو حدث تسرُّب محدود للفيروس؟ سيتبع ذلك بعض القضايا القانونية المعرقلة. وهل تمتلك المؤسسات الأكاديميّة تغطية تأمينيّة كافية؟ هل يعي أعضاء مجالس الجامعات والمستشارون قوّة ومخاطر البيولوجيا الجزيئية المعاصرة التي تكتنف مختبراتهم؟ لم تظهر كلمة واحدة مؤخرًا في هذا الصّدد.

خامسًا، لم يكن العالم بهذه الكثافة السكانية من قبل قط. فهل من المناسب أن يُجْرِي الباحثون المَدَنِيّون تعديلات؛ ليزيدوا من خطورة هذه الجراثيم؟ وهل خلْق فيروس بشري جديد هو نشاط معادٍ للمجتمع؟ وهل كان ثمّة فشل من جانب المموِّلين والمُشرِّعين في أداء مهامهم؟ وما هو الوضع الأخلاقي لمثل هذا العمل البحثيّ؟ لقد كانت هناك بداية.. لكن، لم يتمّ التّوصل إلى إجماع بخصوصها حتى الآن.

ببساطة، لم يُسبر غور تداعيات الأبحاث العالمية المتعلقة بـ"اكتساب الفيروسات لوظائفها«»، ولم تُناقَش بالقدر الكافي. إنّ علماء فيروسات الإنفلونزا يتجهون نحو طريق مظلم، وتدفعهم القوى الناشئة في اتّجاه هذا الطريق على غير بصيرة، وهذا بمثابة إذعان. لذا.. فلنكُن على بيّنة من الأمر، إذ قد تنتهي اللّعبة بظهور فيروسات أكثر خطورة من فيروسات الإنفلونزا ذات السلالة الإسبانية.

ولا بد من وقف أبحاث «اكتساب الوظائف» لفيروس إنفلونزا الطيور، بل يجب وقف جميع أبحاث «اكتساب الوظائف»؛ حتى يُخرج علماء الفيروسات هذه المسائل إلى العلن، ويعرضوا أعمالهم والحيثيّات التي تنبثق عنها للنقاش العام. فعلى ضوء الفشل الذّريع لمجتمع المهتمين بالإنفلونزا في الاستفادة من فترة التوقف ـ التي امتدت إلى عام كامل ـ لإحداث تأثيرات إيجابيّة، من الواضح أنّ هناك حاجة لتقييم مُستقل لمنافع ومخاطر عمل «اكتساب الوظائف».

ويجب على الحكومات والمموّلين وسلُطات الرّقابة تشجيع علماء فيروسات الإنفلونزا على الإنصات والنّقاش. كما يجب على المجتمعات المستنيرة أنْ تجتاز الحواجز، وترفع صوتها عاليًا. هناك حاجة إلى تنظيم مؤتمر يجمع كافّة المعنيِّين، تمامًا مثلما حدث في مؤتمر (أسيلومار للحمض النووي المهجن) في عام 1970. إنّ هذه المشكلة لن تختفي، ولا بدّ من الالتحام بها، وحلها بشكل عاجل.