افتتاحيات

مبادرة لضبط قواعد النشر

تقدم التكنولوجيا كيفية استخدام العلماء للمعلومات، وتناقلها بينهم، ولكنْ هناك ضوابط هي التي تحدد الشكل النهائي لهذه العملية.

  • Published online:

انتشرت في الآونة الأخيرة كلمتا «التكنولوجيا»، و«الثورة» في المنشورات العلميّة. وتقوم «نيتشر» هنا بتقديم سلسلة خاصة من المقالات التي تهدف إلى استكشاف معالم هذه الصناعة المتغيرة. لكن، ما بين موقف الأوائل مِمَّن تَبَنَّوا التكنولوجيا الرقمية في بداياتها؛ أملاً في المزيد من الحرية، وما بين مواقف الناشرين الذين يراقبون الوضع بقلق، ما هو موقف الباحثين من كل هذا؟ هل سيفاجئك ـ عزيزي القارئ ـ أن تعرف مثلاً أن أكثر من ثلث الأكاديميين في حقل الكيمياء لا يوافقون على الرأي الذي يقول:"يجب أن تُنشَر كل الأوراق البحثية، ويجب أنْ يكون الوصول إليها متاحًا"؟

إن التحول في طريقة نشر البحوث هو حرب استنزاف، أكثر منه حركة ثورية. ففي عام 2001، نشرت مجلة «نيتشر» سلسلة من وجهات النظر حول مستقبل «الوصول الإلكتروني إلى الأبحاث العلمية الأساسية»، انظر: (go.nature.com/pezj84).

تبدو هذه الآراء والمواقف في يومنا هذا مألوفة بشكل يدعو إلى العجب. ففيما مضى، دعا مؤسسو مبادرة المكتبة العامة للعلوم (التي كانت تُدعى من قبل PLS، وأعيدت تسميتها الآن إلى PLoS) إلى حفظ نتائج البحوث في مستودعات مركزية مجانية على النت. وقد تَغَنَّى محبُّو التكنولوجيا بمحاسن البحث السهل، واسترجاع المعلومات الموجودة في المنشورات، على اختلاف أشكالها، التي لا تقف عند حدود المقالات في المجلات والمطبوعات التقليدية المتعارف عليها، إلا أنهم نبّهوا إلى ضرورة وجود معايير مشتركة.. بينما لفت الناشرون الأنظار لسؤال يتعلق بمَنْ سيقوم بتمويل نشر هذا المد المتزايد من المعلومات، وتساءلوا: مِنْ أين ستأتي مصادر الأرباح؟.

مستقبل النشر

عدد خاص من "نيتشر"

nature.com/
scipublishing

كان هناك صوتٌ غائب عن هذا الجدال، وهو صوتك أنت. فبعد مُضِيّ أكثر من عقد كامل، ما زال ناشر هذه المجلة ـ مجموعة نيتشر للنشر (NPG) ـ يحاول إصلاح هذا النقص، عن طريق إجراء مسح لأكثر من 23 ألف عالم؛ لمعرفة تجربتهم وآرائهم في النشر الذي يمكن للجميع الوصول إليه. إن السؤال الرئيس ليس ما كان يمكن أن يختاره العلماء، وإنما ما هو الذي يريدونه. تشير نتائج هذا المسح ـ التي تنوي مجموعة «نيتشر» للنشر الإعلان عنها قريبًا ـ إلى أن علماء كثيرين لم يحسموا قرارهم بعد بخصوص آرائهم في النشر المفتوح، ومشاركة المعلومات، اللذين يوفِّرهما الإنترنت، أو بخصوص ما إذا كانوا يريدون نشر أبحاثهم بشكل مفتوح.

وثمة نتيجة من النتائج التي تلفت النظر بشكل خاص، وهي مدى تنوع التجارب والمواقف على اختلاف المجالات والاختصاصات. ففي البيولوجيا مثلًا، نجد أن ما يزيد على 17% من الأوراق البحثية التي نُشرت خلال السنوات الثلاث الأخيرة تم نشرها على الفور بشكل مجاني يتيح للجميع قراءتها، وذلك عبر الدفع سلفًا للناشر، كما أن أكثر من نصف العلماء البيولوجيين ـ الذين تم إدراجهم في المسح ـ قالوا إنهم نشروا ـ على الأقل ـ ورقة بحثية بهذه الطريقة. أما في مجال الكيمياء، فإن نسبة الأوراق البحثية كانت 4%، كما قام أقل من رُبْع علماء الكيمياء بنشر ورقة بحثية واحدة ـ على الأقل ـ بطريقة النشر المفتوح. وأعرب أكثر من نصف البيولوجيين عن إحساسهم بأنه «يجب نشر كل الأوراق البحثية بشكل مفتوح»، بينما وافق على هذا أقل من ثلث علماء الكيمياء (أما الثلث الباقي من الكيميائيين، فلم يوافق، ولم يعترض في الوقت ذاته).

كما أن العلماء يملكون آراء مختلفة وغير متسقة بخصوص مدى انفتاح واتساع نشر المعلومات، وتقاسُمها، واسترجاعها. وفي المسح الذي أجرته مجموعة نيتشر للنشر شعر 45٪ بأنه يجب نشر كل الأوراق البحثية بطريقة النشر المفتوح، بينما أراد 22٪ فقط السماح بإعادة استعمال المقالات لأغراض تجارية. وثمة مسح مختلف الصياغة، أجرته تايلور آند فرانسيس على 14500 أكاديمي (موزَّعين بين العلوم، والفنون، والعلوم الإنسانية)؛ وتم رصد حالة الانقسام نفسها: 40% وافقوا بشدة، أو وافقوا على أن يُتاح لهم «إعادة استخدام أعمالهم بأيّ شكلٍ كان»، بينما قال 18% إنه لا مانع لديهم من أنْ يتم استخدام أعمالهم بهدف الربح التجاري. (W.Frass, J.Cross and V.Gardner Open Access Survey Taylor & Francis, 2013) هذه الأرقام لا تدلّ على آراء عميقة ومدروسة، وإنما تدل ـ على الأغلب ـ على عدم فَهْم تام، فعلى سبيل المثال.. عندما سألت مجموعة نيتشر للنشر العلماءَ عن رخصة الوصول المفتوح التي اختاروها: هل هي مشاركة متماثلة، أم دون اشتقاقات، أم «بمواد مرخصة» CC-BY؛ فكانت إجابات 85% من الأشخاص تتلخص في ردٍّ واحد، هو: «لا أعرف».

إنّ التقنيات التكنولوجية الجديدة تسمح بانتقال أكبر وأسرع إلى المستقبل الرقمي. وقد أشار عدد آخر مارس 2013 (الخاص) من مجلة «نيتشر» إلى أن العلماء يجدون طُرُقًا عديدة لنشر نتائج أبحاثهم، وإتاحة الوصول إليها. وكما ذكرت هذه المجلة سابقًا، فإن مستقبل البحث العلمي سيكون خليطًا كبيرًا من الأوراق البحثية والمعلومات والبرمجيات التي ترتبط مع أدوات التحليل والحواشي والتصور البصري وذِكْر مصادر الاقتباس. ووسط كل هذا الخليط تبقى الحاجة مُلِحَّة إلى معايير مشتركة.

أما الذي سيحدد كيفية استفادة العلماء من مثل هذه الفرص، فهو الطلب، وليس العرض. على سبيل المثال.. إن أحد الأسباب التي تجعل النشر المفتوح على النت مقبولًا اليوم كوسيلة لنشر الأبحاث (بافتراض أنّ المنادِين به أقَلِّيَّة) هو السيل الثابت من القوانين التي تسنّها المؤسسات وممولو الأبحاث منذ عام 2001.

إن خيارات النشر المذهلة سوف تؤدي إلى تجزئة المعلومات المتوافرة على النت. وقد يحتاج الأكاديميون إلى التفكير بالطريقة التي يريدون أن يتم من خلالها نشر المعلومات، وإعادة استخدامها. وقد تختلف الإجابات باختلاف التخصصات، لكن، من الطبيعي ألّا تتوافق ثورةٌ ما مع كل الظروف والأحوال.