تحقيق إخباري

أبحاث طويلة المدى: عِــلـــم بطــيء

تُذكِّرنا أطول التجارب العلمية في العالم بأن العِلْم ماراثون طويل، وليس سباقًا قصيرًا سريعًا.

برايان أوينز
  • Published online:

برغم أن العِلم سَعْيٌ طويل الأمد، لكن غالبًا ما تُجرى الأبحاث على مدى زمني قصير؛ قد يتضمّن تجربة متفردة، أو مشروعًا منفصلًا، تقيِّدهما فترة التمويل، إلا أن بعض المشروعات البحثية لايمكن تعجيلها.. فمثلاً، تتطلب دراسة أعمار البشر، أو الاضطرابات التي تحدث للقشرة الأرضية وسطح الشمس عقودًا، وربما قرونًا.

وفي هذا التقرير، تنظر مجلة «نيتشر» في خمسة من أطول المشروعات العلمية أمدًا، بعضها كان يراكم المعلومات بلا انقطاع لقرون، وبعضها تنتج عنه مئات من الأوراق البحثية سنويًّا؛ وآخر تنتج عنه معلومة واحدة كل عقد.

وتواجه التجارب التي تتم بهذا الإيقاع تحديات معينة، كتغيُّر أولويات الأبحاث، والتقنية المرتبطة بها، كما أن وجودها مهدّد دائمًا بجفاف التمويل والتغيرات الإدارية، لكن المشترك بين تلك التجارب جميعًا هو بُعْد نظر العلماء الذين بدأوها، وصبر وتفاني من يحملون الشعلة بعدهم. فإذا كانت المثابرة تنبئ بحياة طويلة وصحية ـ كما أشارت دراسة استمرت 90 عامًا حول أعمار البشر ـ فبعض العلماء المشار إليهم في هذه المقالة قد تصل أعمارهم الشخصية إلى أرقام قياسية.

<p>كان جاليليو يرسم بقع الشمس منذ عام 1613.</p>

كان جاليليو يرسم بقع الشمس منذ عام 1613.

UNIVERSAL HISTORY ARCHIVE/UIG/BRIDGEMAN ART LIBR.

400 عام: عـَــــدّ البُقَـــع

بدأ علماء الفلك في رصد وتسجيل ظهور البُقَع الشمسية منذ اختراع التليسكوب، أي قبل أكثر من 400 عام؛ وحتى جاليليو سجّل ملاحظاته، لكن لم يكن للراصدين القدامى معرفة بماهيّة البقع الداكنة على سطح الشمس أو حول المجالات المغناطيسية المنشئة للبقع. واتضح هذا كله عندما شرع عالِم الفلك السويسري رودولف وولف في 1848 باستخلاص ملاحظات ممنهجة، وطوّر معادلة ما زالت تُستخدَم حتى الآن لحساب عدد البقع الشمسية الدولي، أو ما هو معروف أيضًا بمُعامِل وولف لقياس مدى تغير النشاط الشمسي بمرور الوقت.

في عام 2011، عُيِّنَ فريدريك كليت مديرًا لـ«مركز تحليل بيانات التأثيرات الشمسية»، الذي يقع بالمرصد الملكي البلجيكي في «أوكِل» Uccle، والذي يشرف على إحصاء البقع الشمسية المجمعة من صور فوتوغرافية ورسوم لسطح الشمس، تمت بأيدي أكثر من 500 راصِد فلكي منذ عام 1700.

يقول ليف سڤالجارد ـ فيزيائي الشمس بجامعة ستانفورد، كاليفورنيا ـ إنّ هذه البيانات لا تقدَّر بثمن؛ للتنبؤ بنشاط البُقع الشمسية. ويبدو أن نشاط تلك البقع يزداد ويقل على مدار 11 عامًا، أو نحو ذلك، وقد يؤثر تدفق الجزيئات المشحونة ـ التي تنفثها البقع الشمسية في الفضاء ـ على الأقمار الاصطناعية، وأجهزة الإلكترونيات على الأرض. وتساعد البيانات المفصلة الباحثين في فهم سبب حدوث تلك الدورة، وتدقيق التنبؤات بالأحداث الشديدة بوجه خاص. يقول سڤالجارد إنه كلما طال التسلسل الزمني؛ استطعنا مراجعة نظرياتنا بشكل أفضل. وجدير بالذكر أن حوالي 200 ورقة بحثية تصدر سنويًّا، وتتناول معلومات حول البقع الشمسية بمجالات أخرى، إلى جانب فيزياء الشمس؛ كالمغناطيسية الأرضية، وعلوم الغلاف الجوي والمناخ.

بيد أن إدارة المؤسسة تعتمد كثيرًا على حسن النوايا.. فالمركز البلجيكي يقوم شهريًّا بجمع وترتيب أعداد البقع الشمسية من أعمال حوالي 90 راصدًا فلكيًّا، ثلثاهم من الهواة، يستخدمون تليسكوبات بصرية صغيرة ليست أفضل حالًا من التي كانت تُستخدَم منذ 200 عام. وبرغم كونه «مركز البيانات العالمي» المُعتَرف به من قِبَل مجلس العلوم الدولي بباريس، لكنه لا يتلقى تمويلاً من المنظمة. ويعمل كليت مع شخص آخر غير متفرغ لصيانة ودعم قاعدة البيانات، بجانب وظيفته كفلكي بالمرصد الملكي ببلجيكا.

ومع ذلك.. يقول كليت إن العمل مع زملاء من العصور القديمة التي ترجع إلى مئات السنين أمر ممتع. فمثلا، يقول إنه برغم أن ما قدمه جاليليو من معلومات حول الشمس كان متضاربًا، نظرًا إلى «انشغاله بالكواكب وأشياء أخرى»، لكن رسومه مفصَّلة بما يكفي للكشف عن معلومات حول البنية المغناطيسية لمجموعات البقع الشمسية، وحجم وميل قطبَي الشمس. ويضيف كليت: «تستطيع أن تستخلص من هذه الرسوم المعلومات نفسها التي تستطيع استخلاصها من رسوم مصنوعة اليوم».

وما هو أكثر من ذلك.. أنّ كليت تأثر ببُعْد نظر وبصيرة أسلافه.. فقد سجلوا بإخلاص ما رأوه، ظنًا منهم أنه قد يصبح مفيدًا لاحقًا. ويضيف: «إنه جانب أساسي في العلم أنْ تعمل، بغض النظر عما ستؤول إليه النتيجة النهائية».

 

<p>المبني الأصلي لمرصد فيزوف، الذي كان يُستخدَم لرصد نشاط البركان من جانب الجبل، وهو الآن متحف.</p>

المبني الأصلي لمرصد فيزوف، الذي كان يُستخدَم لرصد نشاط البركان من جانب الجبل، وهو الآن متحف.

FRATELLI ALINARI MUS. COLLECTIONS, FLORENCE

170 عامًا: مراقبة عملاق حــادّ الطباع

رغم كونه ينشط كل بضعة آلاف من السنين، فإن بركان جبل فيزوف يثور بشكل مشهود. ففي آخر ثَوَران له، سنة 79 ميلادية، التهمت نيرانه مدينة بومبي؛ وقبل ذلك أيضًا، منذ ما يقرب من 3800 سنة، غطى المدينة المعروفة حاليًا بنابولي بالغاز الساخن والصخور (انظر مجلة «نيتشر» العدد 473، 140—141؛ 2011). ويراقب «مرصد فيزوف» ـ وهو أقدم مراكز أبحاث البراكين في العالم ـ البركان الشرس منذ 1841، ويقوم علماء المرصد بتدوين الدمدمات الزلزالية المرتبطة به؛ لمحاولة التنبؤ بأي خطر قادم. يقع المرصد على بعد 600 متر على جانب البركان، بحيث يكون بعيدًا بمسافة كافية عن قمته، ليأمن الحمم البركانية، وفي الوقت نفسه عاليًا بدرجة كافية؛ لتجنب تدفق الحمم البركانية. وحسب قول مارسيلّو مارتيني ـ مدير المرصد حاليًا ـ فإن المرصد شكَّل ممارسة علم البراكين وعلم طبقات الأرض.

وأجرى ماسيدونيو مِلّوني ـ أول مدير للمرصد ـ دراسات رائدة على الخواص المغناطيسية لحمم البركان، كان لها دور مهم في دراسات المغنطة القديمة لاحقًا، وهي تاريخ المجال المغناطيسي للأرض، كما سجلته الصخور. وفي 1856، قام لويجي پالمييري ـ المدير الثاني للمرصد ـ باختراع مقياس الزلازل الكهرومغناطيسي الأكثر حساسية لهزات الأرض من الأجهزة السابقة، ومكَّنه من التنبؤ بثوران البركان. وتحت قيادة بالمييري وخلفائه، أسهم المرصد في تطوير معظم أجهزة مراقبة البراكين بأنحاء العالم. ففي بدايات القرن العشرين، مثلًا، طوّر جوسيبي ميركالّي المقياس المستخدم حتى الآن لتصنيف نشاط البركان.

والمبنى ـ في حد ذاته ـ لم يعد يقوم بالدور نفسه.. فحسب قول هارالدور سيجوردسُن، عالم الزلازل بجامعة رود أيلاند، كنجستُن، «كان ضروريًّا بالمراحل السابقة الاقتراب من الحدث قدر الإمكان، لكن ذلك لم يعد ضروريًّا الآن». ومعظم المراقبة تتم الآن بحساسات أرضية تعمل عن بُعْد، وتُرسل البيانات لمختبر المعهد الوطني للدراسات الجيوفيزيقية والبركانية في نابولي، وتم تحويل المباني الأصلية إلى متحف في عام 1970.

وبجانب عمل المعهد في الكشف عن نظريات علمية، تم استخدام ملاحظاته في التنبؤ بالاضطرابات وحماية الجمهور، كما حدث في عام 1944. ويعمل العلماء بمختبر نابولي على مدار الساعة، ويراقبون أيضًا بركان سترومبولي بجزيرة شمال صقلية، وكامبي فليجري كالديرا غرب نابولي، وجزيرة إيسيكا، غير أن سيجوردسُن يرى أن مستقبل علم البراكين ليس بوضع حساسات على البراكين المعروفة خطورتها، لكن باستخدام رادارات فضائية يمكنها دراسة التشوهات الأرضية في أي مكان، وتحديد المناطق الخطرة، بغض النظر عن توقعات الجيولوجيين. ويقول سيجوردسن: «كما يجب أن نتجه نحو نظام عالمي منسَّق؛ لمراقبة البراكين، دون حاجة إلى التقيد بمقر على جانب البركان، والنظر إليه نظرة شمولية عالمية» .

<p>ظلت أرض روثامستد منذ عام 1843 حتى الآن موطن إجراء التجارب؛ لاختبار تأثير الأسمدة على إنتاجية محصول القمح.</p>

ظلت أرض روثامستد منذ عام 1843 حتى الآن موطن إجراء التجارب؛ لاختبار تأثير الأسمدة على إنتاجية محصول القمح.

ROTHAMSTED RESEARCH

170 عامًا: حَصْـد المعلومات

يحرص المسؤولون عن مشروعات الأبحاث طويلة الأمد على ضمان نزاهة العمل، وكذلك أهميته. كان ذلك حال آندي ماكدونالد، الذي ورث في 2008 مجموعة تجارب زراعية كانت تختبر تأثير الأسمدة المعدنية والأسمدة العضوية على إنتاج المحاصيل منذ عام 1843.

بدأ تلك التجارب قطب صناعة الأسمدة، جون لوز، على أرضه الزراعية في روثامستد، شمال لندن، واستُخدِمت هذه الدراسات فيما بعد لدراسة تأثير النيتروجين، والفوسفور، والبوتاسيوم، والصوديوم، والماجنيسيوم وسماد (روث) المزارع على إنتاجية المحاصيل الأساسية، بما فيها القمح، والشعير، والخضروات، والمحاصيل ذات الجذور.

يقول ماكدونالد، الذي يشغل الآن منصب مدير «التجارب الكلاسيكية» الجارية الآن بأبحاث روثامستد: «بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، تمت الإجابة كما ينبغي عن معظم الأسئلة الأساسية حول الأهمية النسبية لأنواع الأسمدة المختلفة».. فالنيتروجين له التأثير الأكبر، ويليه الفوسفور. لذا.. يتم تحديث التجارب بانتظام؛ لاختبار الأفكار الجديدة، والحفاظ على ملاءمتها لممارسات الزراعة الراهنة. ففي 1968، مثلاً، تم استبدال محاصيل الحبوب طويلة القش بنوعيات أخري قصيرة القش، وأكثر انتاجية، تبنّاها المزارعون. ويذكر ماكدونالد أن هذه المحاصيل الجديدة اتضحت حاجتها لكميات أسمدة أكثر، مقارنةً بالأصناف التقليدية، لأنها تستخلِص من التربة عناصرَ غذائية إضافية. ولذا.. كان على المزارعين التكيُّف مع ذلك.

يقول فيل روبرتسُن، مدير محطة كيلوج للأبحاث البيولوجية، وهي مركز أبحاث زراعية طويلة الأمد بجامعة ميتشيجان في هيكوري كورنرز: «إن روثامستد هي جَد الأبحاث الزراعية طويلة الأمد».. فسلسلة المعلومات المتواصلة التي تقدمها لا تقدَّر بثمن، حسب قول روبرتسن. فروثامستد ليست فقط قادرة على دراسة النواحي البيئية والبيولوجية ـ مثل تخزين الكربون في التربة، أو تأثير الأنواع الحية الغازية ـ التي اتضحت فقط عبر فترات زمنية طويلة، لكنها تقدم أيضًا منصة لدراسات أقصر زمنيًّا، كفقدان نترات التربة.

ويحتفظ الأرشيف في روثامستد بحوالي 300 ألف نبات محفوظ وعينة تربة جُمعت منذ بداية التجارب. في عام 2003، استخرج العلماء الحمض النووي لاثنين من مُمْرِضات القمح من عينات تعود إلى عام 1843، وأظهروا أن انبعاثات الصناعة من ثاني أكسيد الكبريت أثَّرت على النوع السائد منهما1.

ويصعب الحفاظ على اهتمام هيئات التمويل.. فأبحاث روثامستد تعتمد على مزيج من التمويل الحكومي، ومِنَح تنافسية، ووقفية أسسها لوز قبيل وفاته. يقول روبرتسن، الذي شارك في العام الماضي في إنشاء شبكة أبحاث النظام البيئي الزراعي طويلة الأمد بوزارة الزراعة الأمريكية: «ينبغي للمموِّل أن يلتزم باستمرار المشاهدات؛ حتى في فترات لا يحصل فيها على نتائج مثيرة». ويفخر ماكدونالد وفريقه بتاريخهم. يقول ماكدونالد: «أحيانًا أعود بتفكيري إلى جون لوز.. وأشعر بمسؤولية كبيرة لضمان تسليم التجارب بحالة جيدة للأجيال القادمة.. فهي ليست جزءًا من متحف، لكنها جزء من مجتمعنا العلمي الحيّ».

<p>بدأ لويس تيرمان إحدى أطول دراسات التطور البشري.</p>

بدأ لويس تيرمان إحدى أطول دراسات التطور البشري.

STANFORD UNIV. ARCHIVE

90 عامًا: متابعة البراعم النابغة

في عام 1921، بدأ لويس تيرمان عالم النفس بجامعة ستانفورد، كاليفورنيا، متابعة أكثر من 1500 حالة لأطفال موهوبين من مواليد الفترة ما بين 1900 و1925، تم انتقاؤهم من خلال اختبار ستانفورد بينِت للذكاء، الذي طوَّره تيرمان. كانت هذه الدراسة إحدى الدراسات الطويلة الأولى عالميًّا، وتُعدّ الآن أطول سجل تفصيلي مُعمّق للتطوّر البشري، حيث تمت متابعة الحالات لمدة تسعة عقود، بمناظرة حياتهم الأسرية، والاجتماعية، وتعليمهم، واهتماماتهم، وقدراتهم، وشخصياتهم.

ومن أهم أهداف «دراسات النبوغ الوراثية» التي قام بها تيرمان: دحض الافتراض السائدً آنذاك بأن الأطفال الموهوبين مرضى انطوائيون، وبلا مهارات متنوعة. وحتى بمعايير زمانه، كان تصميم الدراسة حافلًا بالمشكلات.. فقد اتبع منهجًا اعتباطيًّا في اختيار حالات الدراسة، واعتمد إجراء الاختبارات كثيرًا على آراء المدرسين، والعينة التي أجريت عليها التجربة كانت غير ممثِّلة للواقع (كان أكثر من %90 من المشاركين بيضًا من الطبقتين العليا أو الوسطى، بل إن تيرمان أدخل أبناءہ في التجربة). والأكثر من ذلك.. شوه تيرمان النتائج ذاتها، التي كان يحاول دراستها، وكان يكتب خطابات توصية للحالات التي يتابعها، حيث أصبح المشاركون معروفين، وساعد كثيرين منهم على دخول جامعة ستانفورد.

وبمتابعة الأطفال إلى سن الرشد، أثبت تيرمان أنهم أصحاء ومُتَّزِنُون كعموم الأطفال، وأنهم بصفة عامة كبروا وأصبحوا راشدين، وسعداء، وناجحين. ومع تقدم الدراسة، أخذ الباحثون في تصحيحها وتنقيحها؛ محاولين علاج عيوبها.

ففي الثمانينات على سبيل المثال، بدأ جورج ڤيلنت ـ عالِم النفس بكلية طب جامعة هارفارد ببوسطن، ماساتشوستس ـ في استخدام بيانات تيرمان؛ لإمداد دراسته طويلة الأمد حول تطوّر البالغين، وبدأ في جمع شهادات الوفاة لحالات المشاركين بدراسة تيرمان. وباستخدام هذه السجلات، استطاع هوارد فريدمان ـ عالِم النفس بجامعة كاليفورنيا، ريفرسايد ـ التوصل إلى أحد أهم اكتشافات دراسة تيرمان. فقد أظهر أن صفة الاجتهاد ـ أي الحصافة، والمثابرة، والتخطيط ـ التي تُقاس في مرحلتي الطفولة والرشد هي عامل سيكولوجي أساسي للتنبؤ بطول العمر، ومرتبط بزيادة العمر 6 أو 7 سنوات إضافية2. يقول فريدمان إنه لم يكن سهلًا اكتشاف هذا، لولا مجموعة البيانات المحتملة الطوليّة بامتداد حياة هؤلاء الأطفال.

تقول لورا كارستنسن ـ مديرة مركز ستانفورد لدراسات طول العمر ـ إن الدراسات التي تجري على فترات زمنية طويلة تتطور وفقًا للطرق العلمية. وسيقوم باحثون جدد بإضافة مقاييس وتعديل أو التخلص مما يعتقدون أنها أصبحت غير مهمة، أو تقادمت. وتضيف: «اليوم سنقيس الرفاهية العاطفية، مثلًا، بطريقة مختلفة جدًّا عما كان متبعًا في عام 1900. فمن نواحٍ عدة.. فإنّ «النظر إلى مجموعة البيانات الطولية (لدراسات ممتدة زمنيًّا) يشبه كتابة تاريخ علم النفس».


<p>في تجربة تنقيط القطران، سقطت 8 قطرات فقط منذ عام 1927.</p>

في تجربة تنقيط القطران، سقطت 8 قطرات فقط منذ عام 1927.

JOHN S. MAINSTONE, UNIV. QUEENSLAND

85 عامًا: في انتظــار سقوط القطرة

في اليوم الثاني لبدء عمله بجامعة كوينزلاند في بريسبين، أستراليا، في عام 1961، تعرَّض الفيزيائي جون مينستون لتجربة صغيرة وغريبة، كان يتم إجراؤها بهدوء لمدة 34 عامًا في دولاب مغلق. وبعد مرور 50 عامًا، ما زال يعتني بها، وينتظر أن يشهد أكثر نشاطاتها إثارة.

بدأت تجربة سقوط نقطة القطران عندما أراد توماس پارنيل ـ أستاذ الفيزياء الأول بالجامعة ـ أن يثبت لتلاميذه كيف أنّ عينة من القطران المقطَّر هشَّة بما يكفي لتحطيمها بمطرقة عندما تبرد، حيث ستسلك مسلك السوائل، وتنساب كقطرات عبر قمع؛ لتكون بذلك أبطأ ساعة زجاجية في العالم. وقد نجح ذلك بالفعل، بمعدل قطرة واحدة كل 6 إلى 12 عامًا. ويتوقع مينستون ـ بحذر ـ سقوط القطرة التاسعة في وقت ما بنهاية السنة الحالية.

ليست التجربة مصدرًا للاكتشافات.. فخلال 86 عامًا، لم تنتج إلا ورقة علمية واحدة3، تم فيها حساب أن لزوجة ذلك القطران أكبر من الماء بحوالي 230 مليار مرة. وفي عام 2005، حازت تلك التجربة امتيازًا مريبًا، هي جائزة آي جي نوبل Ig Nobel في الفيزياء، وهي محاكاة ساخرة لجوائز نوبل. (انظر: «نيتشر» العدد 437، ص938 - 939؛ 2005).

وما زال هناك بعض العلم، لم يتم اكتشافه بعد. فلم يتمكن أحدٌ مطلقًا من رؤية أية قطرة خلال سقوطها، إذ فشلت كاميرا مراقبة التجربة في تصوير آخر قطرة سقطت في نوفمبر 2000. لذا.. فما يحدث عندما تنفصل القطرة عن القطران أعلاه غير معلوم. وسوف يتطلب الأمر بضع عقود أخرى لمعرفة تأثير كل من الطقس، ودخول مكيفات الهواء، والاهتزازات الناتجة عن عمليات تجديد المبنى على معدل التنقيط.

يقول مينستون إن قيمة تلك التجربة لا تكمن فيما بها من العلم، لكن في تأثيرها التاريخي والثقافي: فقد ألهمت النحاتين، والشعراء، والكتاّب للتفكر في مرور الزمن وإيقاع الحياة الحديثة. وتقدم أيضّا ربطًا بالتاريخ العلمي، وتعطي إحساسًا بالثبات. يقول مينستون: «التجربة ماضية وشأنها، بينما العالم ماضٍ عبر كافة أشكال الصراع والاضطراب». وبما أن هناك الكثير من القطران في القُمع، فيُتوقع أن تستمر تلك التجربة في طريقها لمدة قد تصل إلى 150 عامًا أخرى، أو نحو ذلك. ولحسن الحظ، أقنع مينستون ـ البالغ من العمر 78 عامًا ـ زميلًا له أصغر سنًا بمراقبة التجربة بعد موته.

  1. Bearchell, S. J., Fraaije, B. A., Shaw, M. W. & Fitt, B. D. Proc. Natl Acad. Sci. USA 102, 54385442 (2005).

  2. Friedman, H. S. & Martin, L. R. The Longevity Project: Surprising Discoveries for Health and Long Life from the Landmark Eight-Decade Study (Hudson Street Press, 2011).

  3. Edgeworth, R., Dalton, B. J. & Parnell, T. Eur. J. Phys. 5, 198200 (1984).