أخبار

الطفـرة النفطيـة تثيـر قضـايا مُلِحَّـة

ربما يضيف غاز الميثان غير المحترق لتأثير نيران الغاز على البيئة بداكوتا الشمالية.

جيف توليفسون
  • Published online:

<p>غالبًا ما يتم حرق الغاز الطبيعي الناتج من آبار النفط بولاية داكوتا الشمالية، بدلًا من جَمْعِه وبيعه. </p>

غالبًا ما يتم حرق الغاز الطبيعي الناتج من آبار النفط بولاية داكوتا الشمالية، بدلًا من جَمْعِه وبيعه.

Daniel Acker/Bloomberg via Getty Images


عندما حلق بول شيبسون بطائرته ذات المحرك المزدوج فوق حوض ويليستون بولاية داكوتا الشمالية في شهر يونيو الماضي، كانت المظاهر السلبية لاقتصاديات طفرة حديثة بقطاع الطاقة واضحة تمامًا للعيان. رأى شيبسون ـ وهو كيميائي الغلاف الجوي بجامعة بوردو في ويست لافاييت، إنديانا ـ ألسنة اللهب يصل ارتفاعها إلى 10 أمتار تتلوى مع الريح، بينما يتم حرق الغاز الطبيعي الناجم عن استخراج الزيت الصخري. ويعتبر هذا الغاز مصدرًا قيِّمًا، لكنه يبقى مجرد إزعاج، عندما لا يجد طريقه إلى أنابيب نقل الغاز.

في عام 2011، قام منتجو النفط في داكوتا الشمالية بحرق 1.4 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، بحسب إدارة معلومات الطاقة في واشنطن العاصمة. ويمثل ذلك حوالي %32 من المجموع الكلي للغاز الذي تنتجه الولاية، وهو كاف لتدفئة حوالي 700 ألف منزل. ازداد حرق الغاز في 2012، وبدأ العلماء حاليّا في تقييم مدى إسهام ثاني أكسيد الكربون الناجم عن عملية الحرق في زيادة البصمة المناخية للنفط، وكيف يؤثر الكربون الأسود وملوثات أخرى في جودة الهواء المحلي. وكان شيبسون قد بدأ أيضًا باكتشاف أدلة على وجود تهديد خفي: سحابات من الميثان النقي، وغاز احتباس أقوى كثيرًا من ثاني أكسيد الكربون، يبدو وكأنه يتسرب من البنية التحتية لعمليات النفط والغاز، أو يُطلق إلى الهواء عن طريق مستخرجات النفط التي لا تشتعل. ورغم أنه لم يحسب بعد القيمة الكلية لانبعاثات الميثان، يقول شيبسون إن الطاقة الآتية من هذا الحوض قد تشكل ثمنا بيئيًّا باهظًا، يتجاوز ما يدركه الكثيرون.

وعلى مدى سنوات عديدة ماضية، استخدمت الشركات تقنيات التصديع المائي نفسها، التي حفزت طفرة الغاز الأوسع في الولايات المتحدة لحفر آلاف من آبار النفط في تكوين الطين الصفحي في حقل باكين الذي يمتد عبر ولايات داكوتا الشمالية ومونتانا ومقاطعة ساسكاتشوان الكندية. وتحرك أسعار النفط المرتفعة هذه الطفرة، التي يتنبأ البعض أنها ستجعل الولايات المتحدة أكبر منتج عالمي للنفط بحلول عام 2020. وحاليًا، الشركات التي تقوم ببناء خطوط أنابيب النفط ومنشآت معالجة الغاز غير قادرة على مواكبة حركة الاستكشاف والإنتاج.

ويتم حاليًا نقل حوالي %65 من النفط المستخرج من حقل باكين عبر السكك الحديدية، لكن الغاز الطبيعي الخام المتدفق كالفقاعات مع إنتاج النفط ـ وهو مزيج من الهيدروكربونات الخفيفة السائلة، وغازات مثل: البروبان والبيوتان والميثان ـ يحتاج إلى أنابيب وعمليات معالجة معًا، حسب قول رستي برازييل من شركة RBN للطاقة، وهي شركة استشارية مقرها هيوستن، تكساس. ويتم شحن بعض الغاز السائل إلى كندا، إذ يُستخدم لتخفيف تركيز البيتومين الخام من رمال القطران في ألبرتا؛ لشحنه إلى الولايات المتحدة ثانيةً، لكن الإنتاج حتى الآن تفوَّق على الطلب، حسب قول ريتش ألونزو، شريك بمؤسسة بريسويل وجولياني، القوة الضاغطة في صناعة النفط بواشنطن، حيث الإنتاج «لا مكان له ليذهب إليه».


مشكلة حارقة

الثمرة الظاهرة لهذا النشاط هي الكثير من الحرق. فقد ارتفعت مستويات الحرق في داكوتا الشمالية لأكثر من ستة أضعاف بين عامي 2006 و2011، كما زاد مجمل الحرق في الولايات المتحدة بنسبة %62 خلال الفترة نفسها، حسب أرقام إدارة معلومات الطاقة. وتُظْهِر بيانات الأقمار الصناعية ـ من الباحثين بالإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في بولدر، كولورادو ـ أنه حتى قبل طفرة النفط الصخري كانت الولايات المتحدة تحرق كميات من الغاز أكثر من جميع الدول معًا، باستثناء قلة منها، تضم روسيا، ونيجيريا، وإيران، والعراق.

كبر الصورة

SOURCE: CLEAN AIR TASK FORCE/EIA

ويقوم أنصار البيئة بالضغط على حكومة داكوتا الشمالية؛ لإيقاف الحرق، والمطالبة باستخدام الغاز لإنتاج الكهرباء، أو إعادة معالجته ليصبح منتجات قابلة للاستخدام، كالمخصبات. ويعمل العلماء ورواد الأعمال على إنشاء مصافٍ متحركة يمكن نشرها في حقول الإنتاج لمعالجة الغاز المحصور. وعلى المستوى الفيدرالي، يطالب أنصار البيئة وكالة حماية البيئة بتقنين انبعاثات الميثان في الجو تحت طائلة قانون الهواء النظيف، لكن لا يبدو الحل ظاهرًا للعيان.

يقول براد كرابتري، مدير السياسات في معهد السهول الكبرى، وهي مؤسسة دعم بيئية، مقرها مينيابوليس، مينيسوتا: «يتم التعامل مع المشكلة وكأنها مشكلة بنية تحتية، لكنني أراها في الأساس مشكلة تقنين وتشريع». ويضيف: «يمكن للصناعات أن تتحمل إدارة قضية الغاز، وينبغي مطالبتها بذلك»، لكنّ المسؤولين في الصناعة يردون بأن مثل هذا التقنين سيؤدي إلى إبطاء التوسع المتسارع الحاصل في البنية التحتية لهذه الصناعات.

ركز شيبسون تحرياته بدايةً على ألسنة اللهب، آملًا في قياس مستوى الملوثات التي تنبعث منها، وما هي كمية الميثان غير المحترق الذي كان يتسرب منها. قام شيبسون وفريقه بالتحليق عبر السحاب الناجم عن 11 موقعًا رئيسًا للحرق، ووجدوا أنها عالية الكفاءة وتحرق كل الميثان باستثناء %0.1، لكن الفريق قام أيضًا بتوثيق وجود سحابات عديدة من ميثان نقي، مما يشير إلى أن الغاز الطبيعي يتسرب بدوره بشكل مباشر نحو الغلاف الجوي بعدة مواقع. ويعتبر هذا أمرًا مثيرًا للقلق، لأن الميثان ـ جزيئًا بجزيء ـ له قدرة على تسخين الغلاف الجوي أكثر بخمس وعشرين مرة، مقارنة بجزيء ثاني أكسيد الكربون.

وتبقى كميات الميثان المتسربة نحو الغلاف الجوي غير واضحة تحديدًا، وكذلك مصادرها، مع أن البعض يرجح أن الحرق ليس ممارسة واسعة النطاق كما يُعتَقَد. يقول ديفيد مكّيب، وهو عالِم بالغلاف الجوي من مجموعة عمل الهواء النظيف ـ مجموعة بيئية ناشطة، مقرها بوسطن، ماساشوستس ـ وموَّلت هذا العمل البحثي: «ليس لدينا تقديرات لحجم تسريب من حقل باكين فيما يتعلق بانبعاثات الميثان، لكنْ إذا كنتَ ستقوم بحرق الغاز على أي حال، فربما لن تكون حَذِرًا بما فيه الكفاية».

بدأ العلماء مؤخرًا في دمج هذه المعلومات في تقييمات دورة حياة غازات الاحتباس الحراري الناجمة عن تنمية مصادر النفط الصخري. ويعتبر النفط المستخرج من تكوينات باكين خامًا خفيفًا عالي الجودة، إذ ينتج كميات من ثاني أكسيد الكربون أقل كثيرًا من النفط الثقيل المستخرج من رمال القطران الكندية أو من فنزويلا، لكن لا أحد يعلم يقينًا كيف تؤثر تسريبات الغاز الطبيعي وعمليات الحرق في هذه المعادلة. وبافتراض أفضل السيناريوهات الممكنة ـ المتمثل في حرق كافة كميات الميثان ـ يقدر مكّيب أن عمليات الحرق ولَّدت 4 ملايين طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في 2012 (انظر «عاليًا في الدخان»)، وهذا يعادل تشغيل محطة طاقة كهربائية متوسطة الحجم تعمل على الفحم في البراري. يمكن للميثان المتسرب أن يضيف كثيرًا إلى تلك الآثار المناخية.

يقول شيبسون إنه يأمل في الحصول على قراءة أوضح لتسريبات الميثان خلال جولة ثانية من البحث هذا العام، لكنه قلق من الصورة الكبيرة.. فـ«عندما تحلق فوق المنطقة، يصدمك الحجم الكبير للتطوير هناك». ويقول: «نحن نعيد الاستثمار بشراسة في الوقود الأحفوري، وسيكون ثمن كل هذا تأثيرات مؤكدة وكبيرة على تغيُّر المناخ».