عمود

متواصلون بشكل أفضل

يتفق مارك فيشمان، وروبرت كروس، وبريجيتا تادمور على أنّ «الشبكات غير الرسمية تعتبر وسيلة أساسية للتَّشَارُك في الأفكار».

  • مارك فيشمان
  • روبرت كروس
  • بريجيتا تادمور
  • Published online:

تسعى مؤسسات البحث العلمي والتطوير إلى إحراء تعديلات متواصلة على هيكليتها التنظيمية؛ لدعم الإبداع والابتكار، ولزيادة قدراتها الإنتاجية. وبرغم ذلك.. لا يمكن الإشارة إلى نموذج تنظيميّ بعينه على اعتباره الخيار الأمثل، سواء على المستوى الأكاديمي، أم الصناعي.

وعلى الرغم من الأهمية الكبرى التي تحظى بها الهياكل التنظيمية، إلا أن الاكتشاف العلمي هو عملية وجدانِيّة، تشكِّلها البيئة الاجتماعية. ففي عام 2011، قامت شركة «نوفارتس» للأدوية ـ ومقرها بازل بسويسرا ـ بإجراء دراسة عن عمليات التواصل والتفاعل بين الموظفين بمعاهد نوفارتس لأبحاث الطب الحيوي (NIBR)، الذراع العالمية للشركة في مجال اكتشاف العقاقير؛ وذلك في محاولةٍ منها لتحسين ديناميكيات التفاهم بين الأفراد، ودعم الابتكار. وفي الوقت الذي تم فيه إجراء الدراسة، قامت معاهد نوفارتس لأبحاث الطب الحيوي بتوظيف ما يقرب من 6,600 فرد في عشرة مواقع مختلفة بالولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، وآسيا.

Sweet Lana/Shutterstock


كان الهدف من هذه الدراسة أن نَعِي كيف يقوم الأفراد النافذون والمؤثرون بشبكة المعلومات (الذين يمثلون نقاط التلاقي الأساسية) بالتأثير على عمليات الوصول للمعلومات، والتشارك في الأفكار، وحل المشكلات، إلى غير ذلك من عناصر ومكونات الاكتشاف العلمي. وقد تبين لنا أن هيكلية الشبكات غير الرسمية ـ التي توضح كيف يتواصل الناس على أسس يومية ـ تختلف بشكل كبير عن مثيلتها في الشبكات الرسمية، التي تتسم بالهيكلية التنظيمية التراتبية.. فنقاط التلاقي بالشبكة غير الرسمية تقوم بدور أفضل في تشارك الأفكار، وتذليل الصعوبات، ومن ذلك.. ما تضطلع به القيادات والمديرون الذين يتم تعيينهم بشكل رسمي. كذلك تؤكد البيانات التي توصلنا إليها على أن تحسين كيفية تفاعل الفرد مع الشبكة غير الرسمية التي ينتمي إليها دائمًا ما يكون له أثر فعال على عمليات الابتكار والإبداع، يفوق بصورة كبيرة ذلك التأثير الناجم عن الدورات الإلزامية عن القيادة والأداء. ويمكن تطبيق هذه النتائج بالقدر نفسه على عديد من مؤسسات البحث العلمي والتطوير.


تصميم الشبكات

ولتقييم شبكة المعلومات الخاصة بالباحثين بمعاهد نوفارتس لأبحاث الطب الحيوي، قمنا بإصدار استبيان، يقوم من خلاله المجيبون بتحديد الأفراد الذين يشعرون بالحاجة إلى التواصل والتفاعل معهم داخل المؤسسة، والتعريف بهم، سواء كان ذلك بصورة مباشرة، أم من خلال الهاتف، أم حتى عبر البريد الإلكتروني، شريطة أن يكون هذا التفاعل حاسمًا ومؤثرًا في واقع العمل الذي يقومون به. وفي هذا السياق، طلبنا من المجيبين على الاستبيان تقييم أسباب وجودة هذه التفاعلات، فضلًا عن مدى احتياجهم إلى التواصل مع أفراد أو أقسام أو خبرات بعينها. وفي خطوة تالية، قمنا بتصنيف الأسباب الكامنة وراءها، على أساس: الوصول إلى المعلومات، أو حل المشكلات، أو تَشَارُك الأفكار، أو الوصول إلى القيادات وصناع القرار، أو الدعم السياسي والدعم الشخصي، أو النصيحة. كما قمنا بتصنيف التفاعلات على أساس: منشطة، أم مثبطة؛ مسهِّلة، أم معوِّقة؛ لمناقشة الأفكار الجديدة والآراء المتنوعة؛ بحيث تضفي الإحساس بالهدف، أو الشعور بالإلحاح؛ وأخيرًا تقديمها لنموذج واضح للسلوك القيادي.

وأخيرًا، قمنا بجمع البيانات الديموغرافية عن كل فرد، بما في ذلك عدد سنوات العمل بمعاهد نوفارتس لأبحاث الطب الحيوي، ولغته الأساسية، والنوع، ونموذج الشخصية على مقياس «مايرز- بريجس»؛ وقد بلغ المعدل الإجمالي للمشاركة قرابة 70%، شملت حوالي 70,000 علاقة تفاعلية (بمعدل 11 لكل موظف).

وقد تمت حوالي 60% من التفاعلات الواردة بالاستبيان في إطار القسم؛ أما النسبة الباقية (40%)، فقد تجاوزت حدود الفروع والأقسام العلمية. وقد سجل عديد من العلماء الحاجة إلى مزيد من التوصل إلى أعداد أخرى من الباحثين أوالقيادات، سواء داخل القسم الواحد، أم عبر الأقسام المختلفة. ويعتمد حجم الشبكة ـ فيما يبدو ـ في الأساس على المكانة الوظيفية، ومدة الخدمة، فالشبكات الخاصة بالقيادات من أصحاب الدرجات الوظيفية المرموقة (الذين يشكلون %0.5 من إجمالي العاملين بالمؤسسة) يزداد حجمها بما يقارب عشرة أضعاف الشبكات الخاصة بشاغلي الدرجات الوظيفية الدُّنيا؛ كذلك يستغرق الأمر حوالي ثلاث سنوات بعد انضمام الفرد إلى العمل بالمؤسسة؛ لتتسع الشبكة الخاصة به، وتبلغ معدل الحجم الطبيعي. وقد أبدى الباحثون ـ لا سيما في قارة آسيا ـ تفاعلًا أقل مع أقرانهم الذين يعملون في نطاق مناطق جغرافية مختلفة، بل والذين يعملون بمبانٍ أو طوابق مغايرة لتلك التي يعملون بها. وقد سجلت مؤسسات بحثية أخرى1 أن التفاعلات تتراجع بشكل كبير عندما تتجاوز المسافة خمسة عشر مترًا.

وأخيرًا، فقد لاحظنا وجود ميول دقيقة وخفية في تشكيل الشبكات، تعتمد في الأساس على عناصر: الثقافة، واللغة، والجنس؛ فالعلماء في شنجهاي بالصين ـ على سبيل المثال ـ لديهم شبكات أقل حجمًا من أقرانهم بالولايات المتحدة، أو أوروبا، لكنهم برغم ذلك يستغرقون ضعف الوقت الذي يستغرقه هؤلاء في كل حدث تفاعلي فيما بينهم. ولعل في ذلك ما يدعم الفكرة السائدة بأن عملية بناء العلاقات تمثِّل مكونًا مهمًّا في ثقافة المؤسسات الأسيوية. كذلك لاحظنا أن العلماء الذين يتحدثون اللغة السائدة بالموقع عادةً ما يتمتعون بشبكات أوسع من تلك الخاصة بالعلماء الذين يتحدثون لغات ثانوية. ولا يختلف الحال كثيرًا فيما يتعلق بالنوع، فالرجال عادة ما يتمتعون بشبكات أوسع من النساء، ويفضلون التواصل مع أقرانهم من الرجال، فضلًا عن ميولهم الواضحة إلى عدم النظر إلى النساء باعتبارهن نماذج قيادية. وتتماهى هذه النتائج مع التصورات السوسيولوجية القائلة بأن الأفراد عادة ما يميلون لأعضاء «جماعتهم» أكثر من الآخرين.


نقاط التلاقي الرئيسة

كشفت الدراسة ـ بوجه عام ـ عن أن العلماء الذين يتمتعون بعلاقات تواصل إيجابية مع الآخرين عادةً ما يكون لديهم شبكات أوسع من تلك المتوقعة من موقعهم الرسمي في السلم الوظيفي (والعكس صحيح)؛ فهؤلاء الذين يرسِّخون معنى الهدف، ويقدمون نموذجًا ملهمًا للآخرين، يتم تعقُّبهم وتحرِّيهم بدقة من قِبَل أعضاء شبكاتهم للتَّشَارُك في الأفكار، والحصول من خلالهم على المعلومات، وحل المشكلات، والدعم الشخصي. وقد أمكننا في هذا السياق التمييز بين ثلاث فئات متباينة من العلماء الذين يمثلون مساحات رئيسة؛ للتلاقي داخل الشبكات التي ينتمون إليها:

الخبراء: يقدم هذا الفصيل من العلماء الخبرة المطلوبة في بعض المجالات التقنية والعلمية والإكلينيكية عبر معاهد نوفارتس لأبحاث الطب الحيوي. ويوجد هذا الفصيل على كافة المستويات، وعبر جميع الوظائف والأعمال بالمنظمة؛ ويقوم بعض هؤلاء الخبراء بتقديم ما لديهم من خبرات على المستوى المحلي (داخل وحدة فرعية تابعة للقسم)، بينما يقدم آخرون خبراتهم على مستويات أوسع، سواء على المستوى الجغرافي، أم على مستوى الأقسام العلمية. وتميل هذه المجموعة من العلماء ـ كأفراد ـ إلى أن يكونوا أكثر تحليلًا وانطواءً.

كبر الصورة

Source: NIBR

المرشدون: تضفي هذه المجموعة من العلماء على الآخرين الإحساس بالهدف؛ وفي المقابل.. يشعر أقرانهم عادة بالأريحية عند الاقتراب منهم عبر بوابات الأفكار الجديدة، والآراء المتنوعة. ومن ثم، فإن هذه الفئة عادةً ما تكون مطلبًا من قِبَل الآخرين؛ من أجل الحصول على المساعدة في حل المشكلات، والحصول على الدعم الشخصي والنصيحة (انظر نقاط التلاقي داخل الشبكة). ويوجد هذا الفصيل عبر كافة المستويات، ويزداد اتساع شبكة اتصالاتهم بفضل تفاعلاتهم الإيجابية، بنسبة تبلغ 50% عن المعدل الطبيعي. وجدير بالذكر أنه ليس ثمة نمط مهيمِن للشخصية يمكن تحديده داخل هذه الفئة.

الوسطاء: تتمتع هذه الفئة من العلماء بشبكة اتصالات أكثر تمددًا واتساعًا، وتتزايد اتصالاتهم على المستويين الوظيفي والجغرافي. وتميل هذه المجموعة إلى المناصب العليا والظهور، ويبرز دورهم بشكل واضح في تقديم الدعم السياسي، والوصول إلى صانع القرار. وهذه الفئة لا تكون محل طلب في الأساس من أجل التشارك بالأفكار، أو حل المشكلات، أو تقديم الخبرة العلمية؛ أمّا نمط الشخصية الذي تميل إليه، فهو ذلك النمط الانبساطي الجازم.

والحقيقة أن مساحات الإلتقاء الرئيسة تتمتع بتأثير بالغ داخل المؤسسة. فقد بينت دراسات سابقة أن أحد التمييزات المهمة يتمثل فيما إذا كان الفرد مشجعًا أو مثبطًا داخل الشبكة التي ينتمي إليها2. وقد وجدنا أن الأفراد القادرين على استثارة دوافع زملائهم في العمل عادةً ما يتمتعون بالقدرة ذاتها على مستوى شبكة اتصالاتهم؛ كذلك فإن هذا الصنف من الأفراد يتميز بقدرته على خلق البيئة المناسبة لدعم التعاون، والتشجيع على التضامن في حل المشكلات، والتشارك في الأفكار. أما المثبطون، فعادةً ما يخلقون بيئة تبعث على النفور والإحجام عن مثل هذا التشارك. وإذا كانت مساحات التلاقي لدى فئة المستشارين تتسم بالتشجيع واستثارة الدوافع، فإنها لدى الخبراء والوسطاء قادرة على التأثير المزدوج في كلا الاتجاهين.. التشجيعي، والتثبيطي؛ وتكون التأثيرات الإيجابية والسلبية ـ على السواء ـ أكثر وضوحًا وجلاءً في حال انتماء الأفراد إلى شبكات أوسع.


التأثيرات

كيف استفدنا من البيانات التي قمنا بجمعها؟ تمت الدراسة التي قامت بها معاهد نوفارتس لأبحاث الطب الحيوي بدون تسجيل أسماء المشاركين، أو توقيعاتهم، لتأمين معدلات أعلى من المشاركة، الأمر الذي يضمن عدم التوجيه، الذي من شأنه أيضًا أن يضمن تداخلًا بلا قيود مع أفراد بعينهم؛ إلا أننا قمنا في السياق نفسه باتخاذ عدد من الإجراءات، حيث سعينا، أولًا، للتشارك بالأفكار العامة والملاحظات الخاصة بالدراسة مع المؤسسة، كذلك حرصنا على إلقاء الضوء على مستوى ونوعية التفاعلات، سواء داخل القسم الواحد، أم فيما بين الأقسام، فضلًا عن تحديد المساحات التي تعاني نقصًا في التعاون الداخلي (داخل القسم الواحد)، أم البيني (بين الأقسام)، الأمر الذي منح الباحثين فرصةً مواتيةً لمعالجة كافة الموضوعات.

ثانيًا، قمنا بإمداد كافة الأفراد ـ من خلال استخدامنا لموقع سري ـ بالمعلومات اللازمة عن كيفية تصور الشبكة لهم كأفراد، وكيف يتم إدراكهم داخل هذه الشبكة. كذلك قمنا بتوفير عمليات تدريب فردية، فضلًا عن ورشات عمل للمجموعات الصغيرة أو الفرق، بما في ذلك ورشات عمل عن أنماط الشحصية والتحيُّزات اللاشعورية، وكيفية تأثير هذه العوامل على التفاعل مع الآخرين.

وقد استطاع ما يربو على 60% من العاملين بمعاهد نوفارتس لأبحاث الطب الحيوي الحصول على المعلومات الخاصة بهم عن الشبكة، التي اتسمت بالذاتية ـ اعتمادها على الشخصية ذاتها ـ واعتمادها على الموقع الإلكتروني، بما في ذلك الأفراد الذين لم يشاركوا بالإجابة على الاستبيان، ولكن وردت أسماؤهم بشبكات اتصالات أفراد آخرين. وقد انخرط ما يزيد على 10% (حوالي 700 فرد) كمتطوعين في أنشطة المتابعة (بلغت هذه النسبة بين القيادات التي تشغل مناصب رفيعة حوالي 25%)، بما في ذلك الشبكات الصغيرة، بدرجة تفوق المتوقع، أو رديئة النوعية.

ونعتقد أن مساعدة مجموعة صغيرة نسبيًّا من العلماء الذين يحملون دوافع ذاتية لتحسين تفاعلاتهم وصلاتهم ـ بأن تصبح أكثر سهولة فيما يتعلق بالتشارك في الأفكار الجديدة ـ سوف تخلق ثقافة إبداعية بصورة تفوق بمراحل إجراء تعديلات رسمية في الهيكل التنظيمي، أو إقامة تدريبات للمديرين والقادة. وجدير بالذكر أن أبحاثًا أخرى عن الشبكات قد تقدمت بذات المقترحات3.

إن شبكات المعلومات لا تدخل غالبًا ضمن منظومات تقييم الأداء التقليدي في المؤسسات العلمية، حيث يقوم المديرون والرؤساء المباشرون بإجراء التقييمات، دون وجود مدخلات كافية من أقرانهم. ونعتقد أن مثل هذا التجاهل قد أثبت فشلًا ذريعًا في تقديم حوافز كافية، وبواعث فعالة للتعاون الكامل بين الأفراد. وتؤكد تصوراتنا للعمليات التفاعلية بمعاهد نوفارتس لأبحاث الطب الحيوي أن عمليات التغذية الراجعة من الشبكات غير الرسمية ـ جنبًا إلى جنب مع تدريب الأفراد والمجموعات الصغيرة، وبغض النظر عن المجال العلمي ـ سوف تساعد بصورة فعالة على إيجاد ثقافة إبداعية ابتكارية.

  1. Allen, T. J. Managing the Flow of Technology: Technology Transfer and the Dissemination of Technological Information within the R&D Organisation (MIT Press, 1977).

  2. Baker, W., Cross, R. & Wooten, M. in Positive Organizational Scholarship: Foundations of a New Discipline (eds Cameron, K. S., Dutton, J. E. & Quinn, R. E.) 328–342 (Berrett-Koehler, 2003).

  3. Xie, J. et al. Phys. Rev. E 84, 011130 (2011).