منتدى النقاش

الأحياء المجهرية: الحيــاة التي تحت أقدامنـا

تزخر تربة كوكبنا بالكائنات الحية المجهرية (الميكروبات) التي تُنظِّم عمليات مختلفة من إنتاج المحاصيل إلى احتجاز الكربون. ويسهم التحليل الجزيئي بشكل كبير في توصيف الجماعات الميكروبية، لكن كيف يمكننا أن نفهم على نحو أفضل وظائفها الإيكولوجية؟ فيما يلي، يناقش عالمان بالأحياء المجهرية مزايا مقاربة التنقيب في البيانات، مقارنةً بمنهج التجارب المُوَجَّهة.

  • جانيت ك. جانسون
  • جيمس آي. بروسر
  • Published online:


  • إن الأنشطة المتنوعة للجماعات المختلطة من الكائنات المجهرية في التربة أساسية في العمليات الإيكولوجية (الشكل 1).
  • هذه الجماعات هي مؤشرات مهمة على الاستجابات للظروف المتغيرة.
  • توفر التقنيات السريعة لفك متتابعات الحمض النووي وتقنيات التحليل الجزيئي الأخرى بيانات واسعة النطاق بخصوص الجينوم الجمعي للجماعة الميكروبية، وربما تكشف عن أفراد أو أنشطة غير متوقَّع وجودها في الجماعة.
  • التجارب التي تختبر فرضيات ارتباط الكائنات الدقيقة بالبيئة قد تُمكِّننا من تحديد هذه العمليات وتحليلها مباشرة.


<p><b>الشكل 1 | تعدين البيانات.</b> تؤدي الكائنات المجهرية الوفيرة بتربة الأرض خدمات عديدة للنظام الإيكولوجي، لكن لا يزال معظمها غير مفهوم أو معروف. وأفضل الطرق لتحديد هذه العمليات ودراستها ما زال موضوع نقاش بين علماء البيئة. </p>

الشكل 1 | تعدين البيانات. تؤدي الكائنات المجهرية الوفيرة بتربة الأرض خدمات عديدة للنظام الإيكولوجي، لكن لا يزال معظمها غير مفهوم أو معروف. وأفضل الطرق لتحديد هذه العمليات ودراستها ما زال موضوع نقاش بين علماء البيئة.

Visuals Unlimited/Naturepl.com

استكشاف مادة الأرض السوداء

جانيت ك. جانسون


تسارعت الأبحاث حول الأدوار البيئية الحاسمة التي تؤديها الكائنات المجهرية، وذلك مع ظهور تقنيات التحليل على مستوى الخريطة أو النطاق (omics): الجينومية والبروتيومية وأشباها، التي غدت متاحة بفضل تقنيات فك متتابعات الحمض النووي منخفضة التكلفة وعالية الإنتاجية، وتقدم التقنيات الأخرى لدراسة الجزئيات الحيوية الكبرى الأخرى (البروتينات والمستقلبات). من خلال دراسة التركيب العام للحمض النووي (الجينوميات)، أو الحمض النووي الريبي (النسخوميات)، أو البروتينات (البروتيوميات) أو نواتج الأيض (المستقلباتوميات) لكائنات عديدة، يكون ممكنًا إنتاج بيانات ما وراء التحليلات، بحيث تشمل جميع الكائنات الحية الدقيقة في بيئة أو وسط معين. لذلك.. هل بإمكان المقاربات التحليلية (النطاقية) توفير فهم عميق لإيكولوجيا الكائنات المجهرية، أي فهم لا يتحقق باستخدام الطرق التقليدية؟ من المهم أن نأخذ في الاعتبار أن التحليل (النطاقي) ليس علمًا في حد ذاته، بل مجرد أداة، وأن الفارق الرئيس بينها وبين غيرها من الطرق هو كمية البيانات التي تولدها المقاربة التحليلية (النطاقية)، وإمكان أن توسع هذه «البيانات الضخمة» آفاق معرفتنا.

تجاوزت تقنيات فك متتابعات الحمض النووي الحاجة إلى توليد مزارع مخبرية نقية من الكائنات المجهرية للقيام بدراسات العمليات الميكروبية، كما كشفت هذه التقنيات أن معظم (الأنواع) المُكتشفة لم تكن معروفة. وأدَّى هذا إلى فكرة أن الحياة الميكروبية المجهرية هي «المادة السوداء» بالنسبة للأرض، قياسًا على العوالم غير المعروفة من الكون. ومن نواح كثيرة، تتشابه فعلًا التحديات التي يواجهها علماء الفيزياء الفلكية وعلماء إيكولوجيا الكائنات المجهرية، ويعتمد كلا المجالين على كميات كبيرة من البيانات والقدرات الحاسوبية الفائقة. وبالنسبة إلى إيكولوجيا الكائنات المجهرية، أدى افتقاد الموارد اللازمة لتحليل هذه البيانات إلى تقليص كمية الاكتشافات العلمية. لذلك.. هل ينبغي توفير استثمارات كبيرة ـ تناظر تلك المبذولة للفيزياء الفلكية ـ لإقامة بنية تحتية للبيانات الضخمة، وذلك لدعم تحليل جماعات الكائنات المجهرية على الأرض؟

يقول نقد موجه إلى استخدام التحليل النطاقي في إيكولوجيا الكائنات المجهرية بأن البيانات الناتجة مجرّد نتائج وصفية. وإشكالية وجهة النقد هذه أننا نجهل ما لا ندركه، كما في دراسات الكون. فهناك ما يقدر بنحو 2410 نجوم في الكون، وكذلك 3010 أنواع بكتيرية على كوكبنا. وأنا أزعم بأن اكتشاف أحد الأنواع المجهرية بوظائف جديدة قد يكون أمرًا يستحق الاهتمام، كاكتشاف نجمة. وإلى أن نغوص ونستخدم أفضل الأدوات المتاحة لاستكشاف بيئة بعينها، فإننا غالبًا لا نعرف حتى ماهية الأسئلة التي يجب أن تطرح، أو ربما نكون قد سألنا أسئلة خاطئة.

وهناك أمثلة عديدة توضح كيف أن إجراء بحث ـ باستخدام التحليل النطاقي ـ على عينات كائنات مجهرية من بيئات متنوعة قد يقود إلى اكتشافٍ ما. فقبل فك متتابعات ما وراء الجينوم (ميتاجينوم) لكائنات بحر سارجاسّو1، لم نكن نعرف أن محيطات الأرض تحوي عددًا كبيرًا من البكتيريا التي تمتلك نظامًا لحصاد الضوء لم يُعرف سابقًا، يُدعى بروتين «بروتيورودوبسِن». كذلك قادت الـ«ميتاجينوميات» إلى التعرف على بكتيريا «أركايا» العتيقة المؤكسدة للأمونيا2، التي تَبَيَّنَ لاحقًا أنها تنشط في عدد من البيئات. كذلك، فإن الجمع بين دراسات الميتاجينوميات مع دراسات الميتانسخوميات meta-transcriptomic أو دراسات الميتابروتيوميات قد يكشف أيّ الوظائف الميكروبية سيُعبّر عنها في ظل ظروف معينة. وأحد أمثلة ذلك، كان اكتشاف بكتيريا «أوشيانوسبيريلالز» المُحلِّلة للألكانات (بكتيريا نشطة مستزرعة) بأعماق البحار بعد حادثة تسرب النفط بعد انفجار «ديب واتر هورايزون» في عام 2010 بخليج المكسيك3

من الإمكانات الواعدة لمقاربات التحليل النطاقي أن البيانات في حدّ ذاتها ستولد الفرضيات. فـ«مشروع أشكال الحياة المجهرية بالأرض» 4 arth Microbiome Project الهادف إلى إجراء تصنيف منهجي لأنواع ووظائف جماعات الكائنات المجهرية بجميع أنحاء الكوكب يوضح هذه النقطة. وتقول إحدى الفرضيات الأساسية للمشروع بوجود ارتباط لسمات بيئية معينة بخليط معين من جماعات الكائنات المجهرية، وأن معرفة هذه الأنماط يمكن استخدامها كقدرة تنبؤية، فمثلًا، دراسات التغيرات الزمنية في الكائنات المجهرية بالقناة الإنجليزية، مع البيانات البيئية، أدت إلى اقتراح إمكانية استخدام هذه المعلومات للتنبؤ بتقلبات موسمية محددة في تنوع الكائنات المجهرية ومنتجاتها الأيضية. وقد ثبتت صحة الفرضية5.

ورغم أن توصيف ميتاجينومات البيئات عالية التنوع بالكائنات المجهرية ـ كالتربة ـ يظل تحديًا، تَعِد هذه المقاربة بتقديم رؤية أشمل ـ مما هو ممكن حاليًا ـ حول تشكيل جماعات الكائنات المجهرية ووظائفها. ومن الأمثلة الحديثة: استخدام الميتاجينوميات لبيان أن جماعات الكائنات المجهرية في التربة دائمة التجلد تتأثر بشدة بذوبان الجليد لفترات قصيرة6. كما جُمعت مسودة أولية من جينوم بكتيريا مكتشفَة مؤخرًا، تُنْتج غاز الميثان، واستخلص الجينوم من التربة دائمة التجمد. ونشأت عن ذلك فرضية أن هذه البكتيريا تقوم بدور رئيس في توليد الميثان أثناء ذوبان التربة دائمة التجمد، مما يشير إلى مسار جديد لمزيد من التجارب لاختبار هذه الفرضية. وبينما يتم صقل وتحسين هذه الأدوات أكثر فأكثر، والتحقق من صحتها، ينبغي أن تؤدي إلى اكتشاف مزيد من أنواع الكائنات المجهرية على كوكبنا، وتشكيل فهم أفضل لها ولقدراتها. 

ففَكِّرْ.. قبل أن تُتابِع..

جيمس آي. بروسر

تحوّل توصيف الجماعات الميكروبية (المجهرية) في التربة تحولًا كبيرًا بفضل تقنيات السَلْسَلة (فك المتتابعات)، وبشكل متزايد بفضل تقنيات أو مقاربات التحليل النطاقية. ورغم أنه ينبغي لنا أن نعبِّر عن إعجابنا بالتقدم التكنولوجي الذي جعل هذا ممكنًا، لكنّ ذلك التقدم لم تقابله زيادة في فهمنا لإيكولوجية هذه الجماعات أو ارتباط تركيب الجماعة بمدى تنوعها ووظائفها الإيكولوجية. وفي اعتقادي، أن أحد أسباب ذلك هو التركيز المفرط على المنهج الوصفي لإيكولوجيا ميكروبات التربة، مقارنةً بإجراء تجارب تحرِّكها الفرضيات.

إن الجدل الدائر حول القيمة النسبية للمقاربات الوصفية وتعدين البيانات مقارنةً بعلم تحركه الفرضيات ليس جديدًا. والاستنتاج التقليدي هو أن هذه الأساليب تُكمِّل بعضها، بدلًا من القول بأنها حصرية تستبعد بعضها8,7. وتصاغ الفرضيات عادةً لتفسير الظواهر المرئية، وقد تتأثر بالمعارف القائمة، وهو أمر مقبول حتى لدى الفيلسوف كارل بوبر، الذي كتب9: «بعض العلماء يعثرون ـ أو هكذا يبدو ـ على أفضل أفكارهم وهم يدخّنون، والبعض الآخر أثناء شرب القهوة أو الويسكي. بالتالي ليس هناك سبب يحول دون أن أعترف بأن البعض قد يتحصلون على أفكارهم بالملاحظة، أو بتكرار الملاحظات». 

وتفقد الفرضيات قيمتها إذا قامت على الملاحظات فقط، أو إذا كانت فقط ذات مغزى لدى البيانات المستخدَمة في صياغتها، في حين تكون الفرضيات جديرة بالاهتمام إذا تضمنت أفكارًا جديدة، أو ومضات إلهام، وقد تقترح تفسيرات وآليات (عالمية كحالة مثالية)، وتولد تنبؤات يمكن اختبارها بالتجارب. وهذه العملية، وليست الملاحظات الأولية، هي التي حقًّا تزيد الفهم. وهكذا، يمكن لبحث تحرِّكه الفرضيات تقديم تنبؤات وأطر أفكار بمشاهدات عكسية وغير حدسية، ومؤشرة على ملاءمة أو عدم ملاءمة أي تقنية لاختبار هذه الفرضيات.

لذلك، لا تكافئ توصيفات التحليل النطاقي (omics) للجماعات الميكروبية محاولات تحديد طبيعة المادة المظلمة في الكون، التي اكتُشِفَت ولا تزال تُدرَس بواسطة أبحاث تحرِّكها الفرضيات. وعمليًّا.. نادرة هي الدراسات الوصفية البحتة للجماعات الميكروبية. فمعظم الدراسات الجينومية تقارن بين المتتابعات الجينية الموجودة بعينات تربة مختلفة، أو عولجت بطرق مختلفة، وغالبًا بجانب وصف خصائص التربة وارتباطات هذه المتتابعات بخصائص التربة. ولا جدوى لمثل هذه الدراسات، ما لم تُستَخْدَم لتوليد فرضيات، لكنها عمومًا تقوم على سؤال قد يكون غالبًا غير معلن أو غامضًا أو غامض الإطار. لذلك.. تقوم هذه الدراسات ـ ولو بغير قصد ـ على الفرضيات، فمثلًا: تتيح متتابعات الجين معلومات مفيدة عن أنواع الكائنات المجهرية ووظيفتها، وأن خصائص التربة تؤثر على تشكيل الجماعات الميكروبية في التربة ونشاط هذه الجماعات. 

ومن الواضح أن قدرة الدراسات الوصفية على زيادة الفهم هي قدرة محدودة بفعل التقنيات المستخدمة، التي قد تكون ـ أو لا تكون مناسبة ـ لتقصِّي الآليات الكامنة. كذلك، فإن الطبيعة غير الصريحة للمفاهيم الكامنة وراء هذه الدراسات قد تُقلِّل قيمة محاولات شرح النتائج التي يُتوصَّل إليها، كأن تُولَّد الافتراضات بأثر رجعي، أو عندما يكون تصميم التجربة غير وافٍ لأغراض الدراسة. وجدير بالذكر أيضًا أن البيانات المستخدمة لتوليد فرضية ما يجب ألاّ تستخدم مجددًا لاختبار الفرضية أو تقدير قيمتها، إذ تفتقد الفرضية الناتجة عن دراسة وصفية القيمةَ، ولا تزيد من مستوى الفهم، إلاّ إذا اختُبرت لاحقًا بالتجربة.

ولسوء الحظ، تبدو الشهية للاختبار التجريبي أقل من الرغبة في إجراء مزيد من دراسات فك المتتابعات الوصفية، رغم أن الهدف المعلن وراء المقاربات الوصفية هو زيادة إمكان القوة التفسيرية. وقد ينشأ هذا ـ جزئيًّا ـ من انخفاض كلفة فك المتتابعات. فتوليد كميات كبيرة من هذه البيانات عملية غير مكلفة وبسيطة نسبيًّا، كما أن وصف ومقارنة البيانات أسهل من بناء فرضيات واختبارها.

وبالطبع، هناك أمثلة على أبحاث تحليل نطاقي قائمة تحرِّكها فرضيات بمجال الإيكولوجيا الميكروبية. وليس هناك أيضًا نقص في الأسئلة والأفكار والمفاهيم والنظريات الإيكولوجية التي يمكن أن تعالج بمقاربات التحليل النطاقي، وتختبرها وتوسِّع مداها. ففي الواقع، يتطلب عدم التجانس والتعقيد الهائل لبيئة التربة شجاعةً وجهدًا فكريًّا لصياغة فرضيات صريحة، وإجراء اختبار تجريبي نقدي يركِّز على توليد تنبؤات. ويبدو لي أن هذه المقاربة تقدِّم وسيلة أكثر كفاءة لاستخدام الموارد المحدودة، مقارنةً بالمقاربة المضنية للفهرسة ودراسة الصلات بين المتتابعات الجينومية في عينات التربة المتزايدة. وفي رأيي، يمثل هذا الأمر تحديًا أكبر، ويتطلب فكرًا أكثر، وهو أيضًا أكثر متعة، وأكثر تحفيزًا لتحقيق ما يدعو إلى نيل التقدير.

  1. Earth Sciences Division, Lawrence Berkeley National Laboratory, Berkeley California 94720, USA

    • جانيت ك. جانسون
  2. Institute of Biological and Environmental Sciences, University of Aberdeen, Aberdeen AB24 3UU, UK

    • جيمس آي. بروسر
  1. Venter, J. C. et al. Science 304, 66–74 (2004).
  2. Treusch, A. H. et al. Environ. Microbiol. 7, 1985–1995 (2005).
  3. Mason, O. U. et al. ISME J. 6, 1715–1727 (2012).
  4. www.earthmicrobiome.org
  5. Gilbert, J. A. et al. ISME J. 6, 298–308 (2012).
  6. Mackelprang, R. et al. Nature 480, 368–371 (2011).
  7. Kell, D. B. & Oliver, S. G. BioEssays 26, 99–105 (2004).
  8. Casadevall, A. & Fang, F. C. Infect. Immun. 76, 3835–3836 (2008).
  9. Popper, K. R. Realism and the Aim of Science (ed. Bartley, W. W. III) 36 (Routledge, 1983).