كتب وفنون

حتى لا ننسى: عن النمو والشكل

يحتفي فيليب بول بعمل كلاسيكي عن «مبادئ الرِّياضيّات التي تُشكِّل الهياكل الحيَّة، من قرون الحيوانات حتى الخلايا»

فيليب بول
  • Published online:

عن النُّمو والشَّكل

دارْسِي وِنْتوُورث طومسون، مطبعة جامعة كمبريدچ، 1917

مِثْل كتاب نيوتن «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية» Principia، نجد كتاب دارْسِي وِنْتوُورث طومسون ـ الذي يحمل العنوان «عن النُّمُو والشَّكل» ـ من الكتب التي تُتَصفَّح، لكن غالبًا دون أن تُقرأ. إن الكِتابين كبيرا الحجم، والنسخة المُنقَّحة لكتاب طومسون لعام 1942 تحوي أكثر من ألف صفحة، وفق إشعار مطبعة جامعة كمبريدچ.

وكلا الكتابين مُتَفرِّدان في حِقْبَتيْهما.. فكلاهما يحتوي على أفكارٍ سابقةٍ لعصرهما، ومع ذلك.. احتفظا بجذورهما المرتبطة بالتقاليد القديمة.. فكتاب «عن النمو والشكل» ـ الذي نُشِر لأوّل مرة في عام 1917 ـ جاء بعد تأليف البيولوجيا الداروينيَّة الحديثة (neo-Darwinian) بعِقْدَين أو ثلاثة، بينما كان مُصْطلح «جِيْنات» لا زال وليدا. وقد بدا حينها الكتاب قديمًا، نوعًا ما، مع صدورالنسخة الثانية منه، لكن بالرَّغم من ذلك.. ظل ملهمًا.

GEORGE TAYLOR/VISUALS UNLIMITED/SPL


تتضح رؤية طومسون في العبارة المُقْتبسَة في الكتاب عن عالِم الإحْصاء كارل بيرسون (التي نُشِرَت للمرة الأولى في مجلة «نيتشر» في عام 1901): «أؤمن بقدوم اليوم الذي لن يتردد فيه عالِم الأحياء ـ دون أنْ يكون مُختصًّا في علم الرِّياضيات ـ في استخدام التحليل الرِّياضي، إذا تطلَّب الأمر ذلك». ويطرح طومسون المبادئ الرياضيَّة كأدوات مُشكِّلة قد تنسخ فكرة الانتقاء الطبيعي، مُظْهِرًا أصداءها في الطبيعة غير العضوية لهياكِل العالم الحيّ.

الطريق الذي سلكه طومسون للوصول إلى هذه الرؤية يُشبه الرجل نفسه في تَمَيُّزه. بدأت رحلة طومسون ابن الرجل الكلاسيكي من كمبريدچ إلى أدنبرة لدراسة الطبّ، لكنَّه تحوَّل لدراسة علم الحيوان في كمبريدچ، وهو نفسه المنحى الذي سلكه داروين. وهناك تعَيَّشَ طومسون من عمله في تدريس اليونانية، ثم عاد إلى اسكتلندا كمختصّ في علم الأحياء المائية في جامعة داندي، وبعدها اتَّجه إلى الجنوب، على بُعد عدة أميال جنوب شاطئ بحر الشمال، إلى جامعة سانت أندروز، حيث شغل منصب رئيس قسم التاريخ الطبيعي في الجامعة.

أظهر طومسون خيبة أمله من تعليلات الداروينيِّين «هكذا هو الأمر» لتفسيرهم لعلم الشكل الظاهري، وذلك من خلال ورقة طرحها في عام 1894 في اجتماع الجمعيّة البريطانيّة. وقد ناقش فيها فكرة أنَّ الشَّكل البيولوجي قد يكون محكومًا بقوى فيزيائية، وليست وراثية فحسب.

وقد تناول طومسون في كتابه «عن النمو والشكل« هذا الموضوع باستفاضة، وقال فيه: «بشكل عام، لا تحتفظ الأشكال العضويَّة ببقائها إلَّا بالتوافق مع قوانين فيزيائية ورِياضيَّة». وخاض طومسون نطاقًا كبيرًا من الموضوعات؛ لبرهنة ادِّعائه هذا. نذكر منها: القوانين الرِّياضية التي ترتبط بالنُّمُو، وتَحليق وتنقل الكتلة والحجم (وهذا الموضوع يشهد نهضة حاليًا)؛ وأشكال الخلايا، وأغْشِية فُقاعات الصابون؛ وأقراص العسل والتَّحاوُز الهندسي؛ والمُرجانيَّات؛ والمعادِن المُخطَّطة؛ والأصداف المُتشابكة للرخويات وللراديولاريّات (الشّعاعِيّات: وهي رتبة حيوانات بحرية وحيدة الخلية) الصغيرة الأوليّة؛ والقُرون المُتشعِّبة وغير المُتشعِّبة؛ وأشكال النبات، والبنية الدَّقيقة للعظم؛ والميكانيكيات الهيكلية؛ وتركيب الشكل الظاهري للأنواع.

تدور الفكرة المركزية للكتاب حول الحَلَزون اللوغاريتمي، الذي تظهر صورته على لافتة الاحتفاء بمسكن طومسون القديم في سانت أندروز. وكان طومسون قد رأى الحلزون اللوغاريتمي لأول مرة في المِثقَبات foraminifera (حيوانات بحرية وحيدة الخلية)، وبعدها في الأصداف البحرية، والقُرون والمَخالب، ومسارات تحليق الحشرات، وفي ترتيب أوراق بعض النباتات. وكان هذا بمثابة دليل أمام طومسون على شُموليَّة الشَّكل [الصُّورة]، واختزال ظواهر متعددة بمبادئ رياضية قليلة تحكمها.

هنا يثار تساؤل.. ما مدى التَّأثير الذي تركه كتاب «عن النمو والشكل»؟ عادةً ما ينحني المُختصون في بيولوجيا التطور لخيال طومسون واتِّساعه، مع الاحتفاظ بشكوكهم حول قيمة ما أطلعنا عليه.

كانت ردود فعل طومسون مناهضة للداروِينيَّة التي واكبت عصْرَهُ، والتي ـ وِفْقًا لها، في أوّل فَورات حَماستها ـ بدا أنّه من المناسب احتساب كل صفة بذريعة التَّكَيُّف.. فكان إصرار طومسون على أنَّه لا بدّ من أنْ يكون الشَّكل البيولوجي منطقيَّا وِفق المفاهيم الهندسية بمثابة رسالة ضروريّة، لكنَّ هذه الرِّسالة لم تتصدَ لفكرة أنَّ الانتقاء الطبيعي كان بمثابة مِشْرَط بيد التطور، ولا تعدو كونها فرضت قيودًا على الأشْكال التي قد تظهر. وعندما أرْسَل طومسون مخطوطة كتابه للناشر، كتب حينها: «مع أن الكتاب يأخذ منحنًى مناهضًا للداروينيَّة التَّقليديَّة، إلَّا أنَّني لا أشدِّد كثيرًا على ذلك، تاركًا للقارئ استخلاص المغزى الذي يتَّضح له».

اعتقد طومسون أنَّ التطور قد يجري أحيانًا بوثبة بسيطة، وليس بنقلة ضخمة - وهذه المسألة ما زالت تُناقَش بحرارة. أمّا النِّقاش حول محاولة طومسون أنْ يأتي بجديد حول الاحتمال مقابل الحتميَّة في الشَّكل البيولوجي، فلم يتم التَّطرُّق إليه بشكل كاف بعد. وهناك مختصون في علم الأحياء ما زالوا يعتقدون بأنَّ كل صفة، تقريبًا، لأي كائن حيّ لا بدَّ أنْ تكون قادرة على التَّكيُّف. وما زالت هناك مسائل غير محسومة بالنسبة لحتميّة مسار عملية التطور.

هذه النُّقطة تُمثِّل سببًا للاحتفاظ بكتاب «عن النمو والشكل» ككتاب مبادئ وقواعد. وهناك سببٌ إضافيّ، يتمثَّل في الاستحسان المُعاصر للتَّنظيم الذَّاتي، كوسيلة لتطوير أشكال وأنماط معقدة، انطلاقًا من قوانين فيزيائية بسيطة، وكدليل على سبيل المثال من الحتميِّ تكوين الأسراب في الأنماط الجزيئية لدى الحيوانات، وربّما أيضًا في التَّنظيمات المُتْقنة للمجتمع الإنساني. وهنا ليس من السهل احتساب طومسون كقائد مُلْهَم، كما قد يعتقد البعض.

الكثير من المنظومات التي نظر إليها طومسون، كالعلامات المُخطَّطة التي تظهر على أجساد الحيوانات، وتشكيل شبكات الشُّقوق المُضلَّعة، تُعتبر في يومنا هذا أمثلة إيحائيَّة للتَّنظيم الذَّاتي التِّلقائي الموجود في المنظومات المُعقَّدة، إلَّا أنَّ طومسون دائمًا ما كان يذكر هذه الأمور بلمحة سريعة، إمَّا مُعترِفًا بعدم وجود تفسير حقيقي لها، أو مُفْترضًا أنَّه قد يكون تفسيرها سهلًا. ويقول حول أنماط التَّرسُّب الكيميائي، التي تُعْرف باسم «حلقات ليزيجانج» Liesegang rings: «لنقاش سبب حدوث هذه الظاهرة، سيلجأ الطالب إلى الاستعانة بكتب الكيمياء الفيزيائية والغرويَّة». وإذا رجعنا إلى عام 1917، لرأينا أنّ الطالب (الباحث) لم يجد الكثير حول هذا الموضوع، إذ إنَّ مسائل هذا النوع من الكيمياء ما زالت قيد البحث.

إن النَّمط الذي برز منه عمل طومسون العظيم كان بعيدًا عن الاهتمام المُبكِّر بالمنظومات المُعقَّدة، كالتي أثارت اهتمام هنري بوانكاريه، وأمثاله، وكان مَدِيْنًا للفيزياء الحيويَّة والميكانيكا الحيَّة الخاصَّة بالمختصين في التَّشريح، كأمثال ِڤِلْهِلم هيس، وڤِلْهِلم روكس. وفي الغالِب، هذا هوَ الخيط الذي يربِط طومسون بالحاضر بشكل وثيق، إذ إنَّ بيولوجيا الخلية ـ في عصرنا هذا ـ تركِّز على الكيفية التي تقوم بها ميكانيكا الخلية بتحديد مصائر وأشكال ووظائف الأنسجة. وهذا الجانب من الفيزياء الحيوية ـ الذي لم يُعطَ حقَّ قدْرِه ـ يُراد له الآن أن يُصبِح أكثر تداخُلاً مع باقي أوجه البيولوجيا الخلويَّة، وذلك مع بدء ملاحظتنا لكيفيَّة عمل الميكانيكا الوسطية على تعديل سلوك الجين والبروتين.

الكثير من التقدير للكتاب يأتي من معجبين، أمثال بيتر مِداوار، وستيفن جاي جولْد، وينبع استحسانهم هذا من اعتبارات عامة أكثر، منها اتِّساع ثقافة طومسون، إلى جانب أسلوبه المتأنق في الكتابة. لقد كان طومسون كلاسيكيًّا، بالإضافة إلى كونه عالمًا (هناك اقتباسات لاتينية وإغريقية عديدة تظهر غير مُترجَمة في كتابه)، كما أنَّ هناك لمسة تراثية عتيقة في شخصيَّته. وفي وقتٍ كان العلم خاضعًا فيه للاختصاص ـ الذي أصبح اليوم يوفِّر شيئًا من الضَّمان ـ بيَّنَ طومسون قيمة المُفكرين الشُّموليين الذين هم على أتمِّ الاستعداد للمخاطرة بأنْ يخطِئوا في أمرٍ ما، هنا أو هناك، مُضَحِّين من أجل تقديم رؤية ملهِمة. وطومسون ـ مثل عدد من المارقين، كجيمس لَافلوك، وبِنوات ماندلبورت، وجولْد وستيفِن ولفارم ـ أظهر أفكاره بانبثاق ممتد ومتدفق بقوة، وليس بتسلسل مقالات تقليدية.

إنّ مِثْل هذه الشخصيات المميزة تثير ردود أفعال قوية أحيانًا، وتثير الغضب أحيانًا، إلَّا أنَّ علينا السعي لكي لا يخلو عالمنا من أمثالهم.. في عصر العلم العظيم، وإحصاء عدد الاقتباسات، وأزمات التمويل، والتصارع على تبوُّء المناصب العلمية.