رؤية كونية

الخصوصيـة الجينيـة تحتـاج إلى منهــج أكثــر دِقّـة

«نظرًا لأن سرية المعلومات الصحية غير مضمونة، ينبغي النظر في مخاطر ومزايا إتاحة البيانات الصحية للمشاركة» بحسب ميشا آنجريست

ميشا آنجريست
  • Published online:

حذّرت معاهد الصحة الوطنية في الولايات المتحدة من أن الأبحاث الآن تقف عند «منعطف خطير». ويشعر العلماء ـ وخاصة علماء أخلاقيات علم الأحياء ـ بالقلق، وكل ذلك بسبب مقال نُشِر في مجلة «ساينس» الشهر الماضي، وكان كفيلاً بإثارة الشكوك في مستوى الخصوصية والسرية التي يحظى بها المتبرعون الذين قدموا معلوماتهم الجينية (إم. جيمريك وآخرون، ساينس 339، 321- 324 ، 2013). وفي تصريح لـ«نيويورك تايمز» قال يانيف إيرليش من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كمبريدج: «يا إلهي، لقد نجحنا بهذا»، بعد أن تمكَّن فريقه من استقاء معلومات مرجعية من قاعدة معلومات عامة، ونجحوا في معرفة أسماء مَنْ تبرعوا للأبحاث بعينات من الحمض النووي. ويمكننا أن نتخيل ماذا يمكن أن يعني هذا لجهات تطبيق النظام، كأن يتمكن محققو الشرطة ـ مثلاً ـ من تحويل بقعة دموية إلى بيانات مفصلة عن شخص ما، اسمه وعنوانه..إلخ.

ورغم هذا.. فإن ما فعله العلماء ليس مذهلاً لهذه الدرجة، وليس جديدًا.. فمنذ سنين تلوح في الأفق دلائل تشير إلى إمكانية التعرف على أصحاب عيِّنات الحمض النووي. وقد ظهرت العلامات المنذرة في عام 2005 عندما قام صبي عمره 15 سنة، يُدعى رايان كريمر، بالتعرف على أبيه الذي تبرع بحيواناته المنوية. وكما سيفعل إيرليش وفريقه لاحقًا، استعان كريمر بمزيج مركب من المعلومات عن كروموسوم Y، وقام بالبحث الجيني البيولوجي في السجلات العامة؛ ليتمكن من تَقَفِّي أثر الأب المتبرع، الذي كان ـ على الأغلب ـ قد تَلَقَّى وعودًا من بنك الحيوانات المنوية بالحفاظ على سِرِّيَّة اسمه، وعدم الإفصاح عنه.

ومع ذلك.. لا يمكن لأيّ عالم مسؤول أن يضمن الخصوصية المطلقة.. والباحثون يعلمون هذه الحقيقة، ويقبلها عديد من المتبرعين كذلك، ومع ذلك.. فإن المناقشات الرسمية بهذا الخصوص ما تزال متجذرة في سنوات القرن العشرين، ولا تزال تلك النظرة إلى المساهمين قائمةً في الأبحاث على أنهم مخلوقات ضعيفة، وتجب حمايتها، مثلهم في ذلك مثل الحيتان والغابات المطيرة. وأنا لا أشك في أن المسؤولين وأصحاب الرأي لا يهمهم هؤلاء الأشخاص ومصلحتهم، بقدر ما يهمهم حماية الباحثين ومؤسساتهم من المقاضاة.

ويمكن استخدام المعلومات الصحية؛ للتمييز ما بين الأشخاص. ولذلك.. تمت في عام 2003 مراجعة تطبيق الخصوصية في قانون المحاسبة للتأمين الصحي الصادر عام 1996 في الولايات المتحدة (HIPAA)؛ بهدف خلق فئة جديدة من المعلومات الصحية المحمية، التي يمكن استخدامها أو الإفصاح عنها تحت ظروف خاصة فقط.

ورغم أن المعلومات الجينية تُعتبّر معلومات صحية محمية، وفق قانون المحاسبة للتأمين الصحي، لكن هذه الحماية تختفي عندما تتم إزالة (علامات التعرف على الهوية)، وذلك عبر التخلص من 18 معلومة مميزة تؤدي إلى التعرف على صاحبها، ومذكورة في القانون (بما فيها الأسماء، والعناوين، وتواريخ الميلاد، وما شابه). وباعتبار أن المعلومات الجينية لا تندرج ضمن العلامات الـ18 المميزة، لذلك.. لا يتم التخلص منها من خلال سجلات الصحة كما يقتضي قانون المحاسبة الصحية. وإذا كان الباحثون لا يعرفون من أنت، ولا يمكنهم معرفة هذا بسهولة، فإن التزاماتهم نحوك تتضاءل، ومن غير المحتمل أن تكون بروتوكولاتهم بحاجة إلى مراجعة شاملة من قِبَل مجلس مؤسساتي مسؤول عن المراجعة، وتصبح طلباتهم للحصول على المنح أقل إرهاقًا، كما تنخفض بذلك أيضًا كلفة ونفقات التكنولوجيا الخاصة بهم. وبناءً على ما سبق.. يمكن أن نرى كيف يمكن لشخص ـ مثل كريمر وأمثاله ـ أن يشكل مشكلةً، ليس فقط للمتبرعين بالحيوانات المنوية، بل للبحوث الطبية الحيوية أيضًا. وهنا نتساءل.. ماذا لو كان غياب العلامات المميزة الـ18 ليس كافيًا لحماية هَوِيّة شخصٍ ما؟

منذ أسابيع قليلة، سنحت لدائرة الصحة والخدمات الإنسانية في الولايات المتحدة فرصة ممتازة للتطرق إلى هذا الموضوع، عندما أصدرت منشورًا يحتوي على 536 صفحة عن إعادة العمل بقانون المحاسبة للتأمين الصحي. ورغم أنها تطرقت صراحةً إلى موضوع المعلومات الجينية، فإن موضوع إزالة (علامات التعرُّف على الهوية) لم يحظَ سوى بجملة واحدة مقتضبة في الصفحة رقم 416، وردت كالتالي: «إن قاعدة الخصوصية المتعلقة بإزالة (علامات التعرُّف على الهوية) تعتبر خارج منظور تشكيل القواعد هذا».

إن مخاطر إعادة التعريف من خلال مصادر المعلومات الجينومية مسؤولة جزئيًّا عن إطلاق مشروع الجينوم الشخصي، الذي كتبتُ عنه كتابًا من قبل. إن نهج المشروع هو تفادي أي وعود بالخصوصية والسرية. وإلى اليوم، يوجد فيه أكثر من 2000 مساهم وافقوا جميعًا على الإفصاح للعامة عن أي معلومات جينومية وطبية وبيئية ووصفية تم جمعها عنهم خلال الدراسة، ووافقوا على إمكانية أن يتم التعرف عليهم، وأنا واحدٌ منهم. ومِثْل هذه الموافقة المفتوحة لا تناسب الجميع، إذ ثمة مخاطر عديدة، ابتداءً من سرقة الهوية، وانتهاءً باحتمال أن يتم توريط الشخص في جريمة.. فما الداعي إذًا لأيّ شخص أن يشترك في هذا البرنامج؟

أولًا: أعتقد أن أحد الأسباب هو الوضوح.. إذ يمكنني إنْ أردت أن أدخل في أي وقت أشاء إلى أي معلومات تم جمعها عني بهذا الخصوص، مثلي مثل أيّ عالم جينات في مخبر صغير في سلوفانيا، أو في كينيا، مهما كانت ميزانيته قليلة. وبهذا.. لا تكون المعلومات الخاصة حكرًا على بضعة أشخاص يديرون الدراسة.

ثانيًا: سيسير البحث بشكل أفضل، لو تمكَّن العلماء من معرفة معلومات عن الأفراد قيد الدراسة. وإذا أراد باحث أن يدرس مجموع الجينات في شخص ما يعاني من القلق النفسي، والصلع، وتشوه طفيف في الأذنين، فما عليه سوى أن يبحث عني. وإذا كان أحدهم يريد أن يعرف المزيد عن الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات، المأخوذة من ذكر بشري، فما عليه أيضًا إلا الحصول على خلايايَ الموجودة في معهد كورييل للبحث الطبي في كامدن بنيوجيرسي. ولو سلّمنا بأن جزءًا من مهمة العلوم الطبية الحيوية هو فَهْم العلاقة بين النمط الجيني والنمط الظاهري؛ إذًا من المفيد بالتأكيد أن يتمكن الباحث من الوصول إلى مجموعة من الأنماط الشكلية الظاهرية غير المنقحة، قبل أن يموت صاحبها (إذ إنها بموته لا تُعتبَر عناصر بشرية في نظر الحكومة).

ثالثًا: يمكن لبعض المعلومات الجينومية أن تكون مفيدة طبيًّا.. فمنذ بضعة أشهر، عرف جون لورمان (وهو مساهم في مشروع الجينوم الشخصي، ومراسل «بلومبيرج نيوز») أنه معرض للإصابة بأحد أمراض الدم، ويمكنه الآن أن يراقب الأعراض المنذِرَة، ويتنبَّه لها. وأخيرًا، وكما بيّن لنا إيرليش وكريمر، فإن صعوبة إزالة (علامات التعرُّف على الهوية) آخذة في الازدياد. نعم، إن السِّرِّيَّة والخصوصية مهمتان، ولكن هناك بعض المنافع لإمكانية أن يتم التعرف على الهوية. وفي الوقت نفسه، فإن إبقاء الأسماء مجهولة لا يأتي دون كلفة ونفقات. أعتقد أن حال العلم سيتحسن، متى اعتُرِفَ بهذه الحقيقة.