تحقيق إخباري

علم أعصاب حوض السمك

سـمكة صغيـرة محتجَزة داخـل عالــم افتراضي تفتـح نافذةً على شبـكات المخ المركَّبـة.

فيرجينيا هيوز
  • Published online:

تسبح سمكة زيبرا ـ مخططة، فقست بيضتها مؤخرًا ـ لأول مرة باتجاه مصدر النهر. وتقوم عيناها الكبيرتان الجاحظتان ـ بمقدمة جسمها المقارِب لحجم رمش العين ـ بالتفرس في محيطها. وفجأةً، ترى المشهد وكأنّ تيارًا يدفعها إلى الأمام، في حين يدفعها التيار برفق إلى الوراء، وتقوم هي بهزّ ذيلها؛ في محاولة للثبات بمكانها، أو كما تظن أنها تفعل ذلك.

في الواقع، هذه السمكة الصغيرة قُيدت حركتها، وعُلقت بواسطة ماصّات زجاجية داخل طبق بِتْرِي مملوء بالماء. وقد وضع هذا الطبق على منصة ميكروسكوب ثمنه 100 ألف دولار في ركن لمعمل مظلم يعج بالفوضى. وقد سلط فيلم على السمكة من الأسفل؛ فنقلها إلى عالم افتراضي تظهر فيه حِزَم الضوء والظلام المتحركة، وكأنه مشهد تحت الماء. وبرغم أن السمكة لا تسبح بشكل فعلي، فإن الوحدات العصبية الموجودة في ذيلها ترسل نبضات عصبية مشابهة لتلك الناتجة عندما تسبح السمكة فعليًّا. وعند نقل تلك الإشارات العصبية إلى جهاز الحاسوب، فإنها تعمل على التحكم في إرسال تلفزيوني، يزود السمكة بكل إشارة توحي بأنها تسبح بشكل طبيعي.

وفي الوقت نفسه، نجد أنّ مجهر فلوريان إنجرت يمعن النظر داخل مخ السمكة الدقيق شبه الشفاف؛ ليشهد توهج الوحدات العصبية باللون الأخضر وقت انطلاق النبضات العصبية.

كبر الصورة

NIK SPENCER/NATURE


يتندر إنجرت ـ عالِم الأعصاب الذي طوَّر هذه المنظومة على السمكة المستخدمة في التجربة ـ فيشبهها بـ«نيو» Neo، الشخصية الرئيسة في فيلم الخيال العلمي «ماتركس» إنتاج 1999، وفيه تم استعباد البشر والسيطرة عليهم بواسطة الآلات في زمان عاشت فيه عالَمًا خياليًّا، وتصورت وقتها أنهم أحرار. ويأمل الفريق العامل مع إنجرت بجامعة هارفارد بكمبريدج، ماساتشوستس، أن تساعد السمكة الموجودة بهذا الوسط المائي في الإجابة على أكبر أسئلة علم الأعصاب: كيف لكتلة لينة من خلايا العصبونات الموجودة في المخ أن تنتج تلك التركيبة الرائعة المتجانسة من السلوك، فتمتص المعلومات من العالم الخارجي؛ وتولد استجابات.

ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، عندما سلَّط عالم التشريح الإسباني سانتياجو رامون إي كاجال الضوء على الخلية العصبية (العصبون) لتكون الوحدة الأساسية للمخ، ركَّزَ معظم علماء الأعصاب على تسجيل الرنين الكهربائي للخلية المفردة. كان ذلك يعني إلصاق الأقطاب على أمخاخ القطط والأرانب والفئران والجرذان والبزاقات والحبارات والقردة، وحتى البشر. وكشف ذلك الأسلوب الكثير عن كيفية استجابة العصبون للمدخلات ـ كالمرسال الكيميائي، أو الصوت، أو اللون ـ وإنتاج أنماط فردية للنبضات (الإشارات) العصبية، ثم فكّ المخ لشفراتها؛ لإنتاج السلوك. والسؤال الآن: كيف تعمل هذه العصبونات مجتمعة على ترجمة ودمج المعطيات الحسية الحقيقية المركبة للعالم الخارجي، كالمشاهد المتحركة، والروائح، والأصوات، والشعور باقتراب حيوان مفترس؟. يقول إنجرت: «سوف يظل ذلك لغزًا كبيرًا، وربما يكون التحدي الأساسي في العقد القادم».

وتعتبر يرقة سمكة الزيبرا النموذج الحيوي الأساسي بمختبرات البيولوجيا التطورية منذ ثلاثين عامًا، وذلك لرخص ثمنها، وقابليتها للتحوير الجيني وشفافية أنسجتها؛ مما يتيح للباحثين رؤية ما بداخلها. وقدعمل إنجرت مع مجموعة صغيرة من علماء الأعصاب على الاستفادة من تلك الخصائص في دراسة كيفية قيام المخ بتشفير الرؤية والسمع والحركة وحتى الخوف، التي يستحيل مراقبتها في أمخاخ كائنات أكثر تعقيدًا. وتتيح تقنية «مصفوفة إنجرت» Engert’s Matrix مراقبة حوالي 300 ألف عصبون موجود بسمكة الزيبرا، ومتابعة نشاط مساحات عصبونات واسعة في أمخاخ حية تزامنيًّا. وتلك الابتكارات تعني أن القائمين على المِنَح والدوريات العلمية الأعلى تصنيفًا سيعطون فرصة للسَّمَك كمادة للبحث العلمي، بعد أن كانوا يفضلون سابقًا استخدام الثدييات في بحوث علم الأعصاب.

يقول جوزيف فتشو، عالِم الأعصاب بجامعة كورنيل، إثيكا، نيويورك، ورائد في أبحاث دوائر الدماغ بالسَّمك: «هناك نوع من التضافر الكامل بين النموذج المستخدم، والأسلوب المتبع في دراسة سمكة الزيبرا، وصل ذروته حاليًا». وهذه المجموعة المثيرة للإعجاب من الأدوات جعلته يتعجب (من أسباب استخدام نماذج أخرى؛ للوصول إلى إجابات لأسئلة أساسية متعلقة بالدوائر العصبية والسلوك).


حوض السَّمَك تحت الضوء

خلال عمله المبكر بجامعة ستوني بروك في نيويورك، اشتغل فتشو على أمخاخ أعداد كثيرة من السمكة الذهبية، حتى أصابه الإحباط من تسجيل خليتين فقط في المرة الواحدة. لذلك.. انتقل للعمل على سمكة الزيبرا في منتصف التسعينات، بعد مصادفتين: الأولى، أثناء مؤتمر لعلوم الحيوان، استخدم فيتشو خطأً سمكة زيبرا في فصول مادة الأحياء بمدرسة ثانوية. وأدرك وقتها مدى سهولة مشاهدة الخلايا الجنينية الشفافة أثناء انقسامها وتحولها إلى أعضاء وأطراف في أيام قليلة. وفي الثانية، صادف فيتشو بحثًا يشرح كيفية حقن العصبونات بصبغة خضراء حساسة للكالسيوم1. ولأن إطلاق الإشارات العصبية من العصبونات يتطلب تدفق أيونات الكالسيوم إلى الخلية، فقد أتاح هذا الأسلوب الفرصة لرؤية العصبونات عند الفعل. واستخدم ذلك البحث عصبونات مفصولة من حبل الصوص الشوكي (الكتكوت). وبناء عليه، فكّر فيتشو في اتباع المنهج ذاته في إضاءة الخلايا العصبية لسمكة الزيبرا؛ فذهب إلى متجر محلي لبيع الحيوانات الأليفة، واشترى زوجًا من سمك الزيبرا، متزاوجًا بالفعل. وفي اليوم التالى، قام بتلقيح البيض الذي سيجري تجاربه عليه.

في أول ورقة بحث لفتشو ـ مع زميله دونالد أومالي ـ على سمكة الزيبرا2، نشرت في 1995، استخدم الباحثان الصبغة الخضراء الحساسة للكالسيوم؛ لمتابعة نشاط العصبونات الحركية أثناء هروب لا إرادي من مفترس يمكن استحثاثه بلكز رأس السمكة. واستطاع الفريق مشاهدة العصبونات بأجزاء مختلفة من الدماغ الخلفي أثناء قيامها بتسجيل حركة جسم السمكة في محاولتها الهروب من مفترس3. ثم قام الباحثان بتخليق أول خط متداخل جينيًّا من السَّمَك لتعبير (إفراز) مؤشر للكالسيوم شبيه بالصبغة الخضراء بكل العصبونات مما لا يوجد حاجة إلى حقن الخلايا بالصبغة4.

<p>شفافية جسم يرقة سمكة الزيبرا يجعلها نموذجًا مثاليًا لمشاهدة أنسجتها الداخلية.</p>

شفافية جسم يرقة سمكة الزيبرا يجعلها نموذجًا مثاليًا لمشاهدة أنسجتها الداخلية.

CHARLES MAZEL/VISUALS UNLIMITED/CORBIS


كما بدأ علماء الأعصاب باستخدام مؤشرات الكالسيوم لتصنيف الدوائر العصبية لحيوانات أخرى. فمثلًا، قام الباحثون ـ في دراسة مرموقة عام 2001 ـ بتركيب مجهرين صغيرين ثنائيِّي الفوتون، بقدرة على سبر الأنسجة لعمق أكثر من ملّيمتر بأدمغة فئران فارَّة، بغرض كشف أنماط انطلاق الإشارات العصبية في العصبونات لدى حدوثها5. ورصد فريق بحثي آخر مخ ذبابة فاكهة وُضعت تحت المجهر، بينما كانت أرجلها تتحرك بشكل حر على كرة من البوليستَيرين6.

وباستخدام القوارض أو الذباب، كان على الباحثين عمل فتحة في أدمغتها؛ لإظهار الجزء المراد تصويره من المخ. وبعدها، تستطيع الميكروسكوبات سبر الطبقات السطحية فقط بأنسجة المخ القاتمة.

وهناك نموذجان فقط للكائنات الحية شائعة الاستخدام في البحث العلمي لها أمخاخ صغيرة شفافة يمكن تحويرها جينيًّا (وراثيًّا)، هما يرقة سمكة الزيبرا، ودودة التربة المعروفة بالنيماتودا، ولها 302 عصبون فقط. ويرى الباحثون في سمكة الزيبرا أن دودة النيماتودا صغيرة في حجمها، كما أن دوائرها العصبية بسيطة جدًّا، وعصبوناتها دقيقة جدًّا، وتغطي مخها طبقة بشرة مشدودة؛ مما يصعِّب عملية التسجيل بالأقطاب التقليدية. ولا تظهر الديدان نوع السلوك ذاته الذي تظهره السمكة، خاصة ما يتطلب رؤية معقدة. يقول إنجرت: «كنا نستطيع أداء الإجراءات نفسها على دودة نيماتودا، لكن ما كان يقلقني أن النتائج لن تثير الاهتمام بالمستوى ذاته».

وعندما أطلق إنجرت مختبره بهارفرد في يناير 2002، كان إنجرت مصممًا على التركيز على الدوائر العصبية ليرقة سمكة الزيبرا. كان والد أستاذه المشرف عليه صديقًا مقربًا لعالم البيولوجيا التطورية الفائز بجائزة نوبل كريستيان نوسلَيْن-ڤولهارد، الذي ساعد في تقديم سمكة الزيبرا نموذجًا للتطور الجنيني. حينها، لم يكن إنجرت قد رأى في حياته سمكة زيبرا. ويعلق قائلا: «لقد أُصبت بصدمة عندما رأيت سمكة الزيبرا لأول مرة، فهي صغيرة جدًّا».

كان هذا الاختيار جريئًا، لكنه نَاسَبَ شخصية إنجرت وولعه بالمغامرة. فقد كان معروفًا داخل مبنى جامعة هارفارد لعوالم الأحياء بعدم ارتدائه القمصان ذات الأكمام، وبدخوله قاعات المحاضرات راكبًا ألواح التزلج، وكان يقود دراجته البخارية دون ارتداء خوذة. وكمواطن ألماني، قام إنجرت بإلقاء كلمة تثبيته ـ كأستاذ مدى الحياة بهارفارد ـ بمدينة لدرهوزن في 2009. وفي العام الماضي، احتجز إنجرت تقريبًا تحت انهيار ثلجي ضخم أثناء تزلجه على الجليد بالنمسا، بينما لم يكن يرتدي أي قميص.

استغرق إعداد مختبر التجارب على سمكة الزيبرا بهارفارد من إنجرت سنتين. في البداية، حاول إنجرت تصوير العصبونات أثناء سباحة السمكة بحُرِّيَّة، لكنه يقول: «إن اهتزازات المخ بكامله جعلت عملية التصوير مستحيلة». وكان هذا الوقت بداية إعداده لنظام البيئة الافتراضية.

وفي دراسة7 نُشرت في مايو 2012، قام إنجرت مع باحثين بمرحلة ما بعد الدكتوراة ـ روبن بورتيجيز، وميشا أهرينز ـ ببناء عالَم افتراضي بسيط، يتكون من شرائط حمراء وسوداء، تتحرك تحت السمكة. هذا المؤثر البصرى ـ رغم بساطته ـ كان كافيًا لجعل الكائن يشعر كأنه ينجرف إلى الوراء بواسطة نهر مندفع؛ مما يجعلها ترسل أوامر عضلية للدفع إلى الأمام.

وبضغط بعض مفاتيح الحاسوب، استطاع الباحثون التلاعب في المشهد، جاعلين الشرائط تتحرك بشكل أبطأ، أو أسرع. كانت هذه التعديلات تُبْدِي للسمكة أن حركتها ضعيفة جدًّا، أو قوية جدًّا؛ مما يجعلها تقوم بتعديلات للتمكن من البقاء ثابتة في مكانها. ويُعرف هذا السلوك بالتأقلم الحركي، وهو شبيه بما يفعله بعض الأشخاص أثناء سيرهم، ثم مفاجأتهم بالانزلاق على بقعة من الجليد مثلًا. فالمخ في هذه الحالة يستقبل المعلومات الجديدة عن البيئة المحيطة؛ ويقوم بتعديل الحركة؛ ليمنع سقوط الشخص.

وقد أظهرت دراسات على القردة أن مجموعة محددة من العصبونات منخرطة في عملية التأقلم الحركي. يقول إنجرت: «عندما يقع حادث غير متوقع، يجب معالجته بشكل مختلف تمامًا عن التعامل معه عندما يكون متوقَّعًا. وأسلوب المعالجة يُخْبِر عادة عن حدوث شيء في العالم الخارجي، لا علاقة له بالحركة، أو يخبر عن مشكلةٍ ما بالجسم».

أشارت دراسة إنجرت الأولى على السمكة إلى مجموعة العصبونات نفسها، لكنها أظهرت جديدًا.. فهناك عصبونات معينة ضمن تلك المجموعة تشفّر مكتسبات تغذية مرتدة عالية ـ أي تغذية مرتدة بصرية، تخبر السمكة أن عضلاتها أقوى مما يُتوقع ـ بينما تستجيب عصبونات أخرى للتغذية المرتدة بأن عضلاتها أضعف مما يُتوقع.

هذه هي التفاصيل الجوهرية التي ـ لدى النظر في عصبونات فرادى ضمن خلايا الدوائر العصبية ـ يستمتع بها علماء الأعصاب. وفي سنوات قليلة سابقة، كشفت مختبرات أخرى تفاصيل مشابهة. فمثلًا، في عام 2010، حدد باحثون في اليابان عصبونات محددة بمنطقة العنان ـ بمكان عميق من المخ، تصعب دراسته في الثدييات ـ تؤدي دورًا مهمًّا في استجابة سمكة الزيبرا لشعور الخوف8. وفي 2011، أظهر فتشو أن العصبونات الموجودة بالمخ الخلفي للسمك مصفوفة ببراعة أثناء نموها، بحيث تكون العصبونات الأقدم مسؤولة عن الحركات السريعة، بينما تتحكم العصبونات الأحدث في الحركات الأدق9.

<p>«سيصبــح لدينا رسم توضيحي للوصلات العصبية للمخ الكامل، التي تربط البنية بالوظيفة»
فلوريان إنجرت</p>

«سيصبــح لدينا رسم توضيحي للوصلات العصبية للمخ الكامل، التي تربط البنية بالوظيفة» فلوريان إنجرت

JUSTIN IDE/HARVARD UNIV.


أظهر الباحثون حماسةً أقل لنتائج إنجرت، مقارنةً بحماستهم للتقنية التي استحدثها وتتيح رؤية كل عصبون في كامل المخ الحي العامل. يقول مارتن ماير، عالِم الأعصاب في كينج كولدج بلندن: «لا يمكن تطبيق التقنية نفسها في أيّ حيوان آخر». وماير هو الذي استخدم تقنية تصوير الكالسيوم، بغرض إظهار كيف تستجيب خلايا طبقات المخ المختلفة بسمكة الزيبرا للأجسام المتحركة في اتجاهات محددة10. ويضيف ماير: «هناك مجالات غير متناهية ـ بصورة أو بأخرى ـ عندما يكون لديك تلك المنظومة».

وقد أثنى علماء الأعصاب الذين استخدموا نماذج أخرى من الحيوانات على تقنية إنجرت، رغم تحفظاتهم. يقول ريكس كِرّ، الذي درس أدمغة النيماتودا بمركز أبحاث جانيليا فارم في أشبورن، بولاية فرجينيا، التابع لمعهد هوارد هيوز الطبي: «إن تلك التقنية لا تقدم لك كل ما ينبغي معرفته».

يلاحظ كِرّ أن الميكروسكوب ثنائي الفوتون لا يتمكن ـ في حقيقة الأمر ـ من تصوير الثلاثمئة ألف عصبون مرة واحدة، بل إن مجموعة إنجرت تقوم بشكل ممنهج بمتابعة حوالي ألف عصبون تقريبًا في 300 منطقة فرعية لدى 32 سمكة، ثم تستخدم نموذجًا حاسوبيًا لدمج النشاط المرصود في دماغ مرجعي.

ويذكر كِرّ أنه في بعض أنواع السلوك، يحجب النشاط العصبي ـ المأخوذ متوسِّطُهُ ـ بعض أنماط النشاطات العصبية المهمة في فرادى العصبونات. هناك نشاطات عصبية كثيرة مثيرة للاهتمام، يتم تحديدها في مجموعات من الخلايا. يقول كِرّ إنّ سمكة الزيبرا تعتبر «بالغة النفع» في ملاحظة تلك المجموعات.


مستقبل السَّمَك

توجد أسباب عملية لعدم اشتغال أكثر علماء الأعصاب على سمكة الزيبرا.. فهناك أنماط سلوكية معقدة كثيرة ـ كالتواصل، والتفاعل الاجتماعي، والمشاعر المركبة ـ لا تظهر في هذا الكائن. وينبغي للعلماء أن يستحدثوا طرقًا تمكِّنهم من دراسة بعض ردود الأفعال اللاإرادية الأساسية في السَّمَك.

وهذا يعنى عدم اتضاح أنماط السلوك التي ستتمكن تقنية إنجرت من اختبارها فيما بعد. وقد أعرب جيسون ريهل ـ الذي يُعِدّ مختبرًا في يونيفرسيتي كوليدج لندن ـ عن رغبته في استخدام طريقة مشابهة لدراسة العصبونات التي تنتج مركب هايبوكريتين (hypocretin)، المنخرطة في عمليتي النوم واليقظة. يقول ريهل: «إذا استطعنا مراقبة المخ بأكمله لدى استحثاث أو تثبيط خلايا هيابوكريتين؛ فسيكون بإمكاننا التعرف على العصبونات التي تُظْهِر تبدلًا في النشاط»، لكنه برغم ذلك.. يُظْهِر قلقًا من أن يكون لعدم الحركة أثرٌ على نوم السمكة.

هذا.. وتوجد لدى إنجرت خطط طموحة. فوجود خمسة باحثين بمرحلة ما بعد الدكتوراة، إضافة إلى ثمانية من طلبة الدراسات العليا، أمرٌ مشجع على أنْ يعملوا جميعًا على تجارب مختلفة على سمكة الزيبرا، بدءًا من حمامات دافئة بشكل غير مريح تختبر تعلُّم الخوف، إلى أحواض مياه غنية بالكحول لدراسة آثار الإثابة الإيجابية.

كما يعمل إنجرت على مشروع جانبي، يُحتمَل أن يلفت إليه الأنظار في أواخر هذا العام؛ وهو الخريطة الكاملة لشبكات الاتصال (العصبية) في سمكة الزيبرا، إذ يقوم فريق إنجرت بتصوير وظيفي شامل لكامل مخ سمكة وليدة حية أثناء مراقبتها لأشرطة متحركة، ثم تمرير تلك الأمخاخ إلى زميل آخر بهارفارد، جيف ليختمان، الذي سيقوم باستخدام ميكروسكوب الإليكترون؛ لتتبع الوصلات التشريحية. يقول إنجرت: «سيصبح لدينا رسم توضيحي للوصلات العصبية للمخ الكامل، التي تربط البنية بالوظيفة».

وبتوفر أنواع المصادر هذه، فإن إنجرت وسمكة الزيبرا يكونان قد وجدا ما كان يبحث عنه علماء الأعصاب منذ كاجال: المبدأ الأساسي الذي يصف كيفية تفاعل الدوائر العصبية مع بعضها. يقول إنجرت إن حياته لن تكون فاشلة إذا لم يتم ذلك، لكنه يطمح إلى الوصول إليه. ويضيف قائلًا: «إنّ احتمال حدوث ذلك في السًّمَك يفوق حدوثه في الفئران بعشرة أضعاف».

  1. O’Donovan, M. J., Ho, S., Sholomenko, G. & Yee, W. J. Neurosci. Methods 46, 91–106 (1993)

  2. Fetcho, J. R. & O’Malley, D. M. J. Neurophysiol. 73, 399–406 (1995)

  3. O’Malley, D. M., Kao, Y. H. & Fetcho, J. R. Neuron 17, 1145–1155 (1996).

  4. Higashijima, S., Masino, M. A., Mandel, G. & Fetcho, J. R. J. Neurophysiol. 90, 3986–3997 (2003)

  5. Helmchen, F., Fee, M. S., Tank, D. W. & Denk, W. Neuron 31, 903–912 (2001).

  6. Seelig, J. D. et al. Nature Methods 7, 535–540 (2010)

  7. Ahrens, M. B. et al. Nature 485, 471–477 (2012).

  8. Agetsuma, M. et al. Nature Neurosci. 13, 1354–1356 (2010)

  9. Kinkhabwala, A. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 1164–1169 (2011)
  10. Nikolaou, N. et al. Neuron 76, 317–324 (2012).