تحقيق إخباري

عائلات علمية: السُّــــــلالــة

تَبَنـَّى بوب باين رعايةَ فكـرة ـ وأسـرة من الأكاديمييـن ـ أسهمت في تغييـر علـم البيئـة.

إد يونج
  • Published online:

<p>شجرة العائلة الأكاديمية لبوب باين، كما رسمتها ماريان كون في عام 1999.</p>

شجرة العائلة الأكاديمية لبوب باين، كما رسمتها ماريان كون في عام 1999.

MARIAN A KOHN

بوب باين هو رجل يقترب طوله من المترين، ويتميز بقبضة قوية. أما نجم مغرة البحر، فله خمسة أذرع مبطنة بماصَّات قد يصل مداها إلى نصف متر. وعندما حاول بيتر انتزاع هذه المخلوقات عن الصخور الممتدة على شاطئ المحيط الهادئ، اكتشف ببساطة أن قوته المفرطة لا تكفي. ولجأ في نهاية الأمر إلى العَتلة. وبعد أن تمكَّن من رفع هذه الحيوانات، دفع بها إلى البحر بأقصى قوة. يقول بوب: «ستصبح متمكِّنًا إلى حد ما من رمي نجم البحر في المياه العميقة». لقد كانت بداية هذا الطقس في عام 1963 على مسافة طولها ثمانية أمتار من شاطئ في خليج مَكاه في واشنطن. إن منطقة المدّ والجزر الصخرية في هذا الخليج تستضيف في الأحوال الطبيعية مجموعة متنوعة من بلح البحر، والبرنقيل، والبطلينوس، وشقائق النعمان البحرية، والطحالب، لكنها تغيّرت تمامًا بعد أن أبعد باين نجم البحر.. فمجموعة البرنقيل التي كان نجم البحر (Pisaster ochraceus) يقتات عليها عادةً تقدّمتْ في المنطقة الخالية من مفترسيها، وحلّت محلها مجموعات بلح البحر فيما بعد. زاحمت هذه المخلوقات الغازِيَة مجموعات الطحالب والبطلينوس التي تركت لها المكان، لاجئةً إلى أماكن أقل ازدحامًا. وخلال سنةٍ، انخفض عدد الأنواع الإجمالي إلى النصف: فمنطقة المدّ والجزر العجائبية التي كانت تزخر بأنواع مختلفة من المخلوقات أصبحت منطقة سوداء، مقتصرة على نوع واحد فقط من بلح البحر1.

وبإعادة هندسة الخط الساحلي بهذه الطريقة1، وَجََّه باين ضربةً قوية إلى مفهوم البيئة السائد في ذلك الوقت: إن النظم الإيكولوجية عبارة عن دراما مستقرّة، إذا تضمنت مجموعات مختلفة من الأنواع. وبدلًا من ذلك.. أظهر أن الأنواع المنفردة مثل نجم البحر يمكنها أن تكون اللاعب الرئيس الذي يمكن لغيابه أن يسبِّب تغيير المنتَج كليًّا إلى أمر غريب، ليست له صفة مميّزة.

وقد وصف هذه المخلوقات الأساسية ـ التي كان تأثيرها يفوق عددها بكثير ـ على أنها حجر أساس الأنواع، بعد الحجر المركزي الذي يحمي القوس من التداعي. ويمكن لفقدانها أن يبدأ ما سيطلِق عليه باين فيما بعد اسم الشلالات الغذائية ـ صعود وانهيار السلالات المتصلة عبر الشبكة الغذائية. وبقيت تعابير.. كـ «حجر الأساس»، واستمر تطبيقها إلى أنواع بحرية من ثعالب البحر إلى الذئاب، والحيتان الرمادية، وذئب البحر المبقع.

واليوم، يعتبِر طلابُ علم البيئة هذه المفاهيم من المسلَّمات، لكنهم حركوا هدوء هذا الحقل عندما تكلم إليهم باين للمرة الأولى في ستينات القرن العشرين. يقول سيمون ليفين، وهو عالم الرياضيات البيئية في جامعة برينستون في ولاية نيو جيرسي، وأحد أقرب أصدقاء باين: «لقد كان واحدًا من أكثر علماء البيئة تأثيرًا في النصف الثاني من القرن الماضي». وكان الكشف عن عدم تساوي كافة الأنواع ضارًّا بالبيئة بالقَدْر نفسه الذي سببه غياب نجم البحر من خليج مَكاه. كذلك كان إصرار باين على العبث بالطبيعة ـ أو ما أطلق عليه البعضُ (لاعِب البيئة، وترقَّب النتيجة) ـ في وقت كان معظم علماء البيئة يكتفون فيه ـ ببساطة ـ بمراقبة البيئة فقط.

وقد أسهمَ باين ـ كائن حيّ، يعادل تأثيره غير المتناسب تأثيرَ أي نجم بحر، أو ثعلب بحر ـ أيضًا في تغيير النظام البيئي للعلماء.. فخلال حياته العملية التي دامت خمسة عقود، قام بتدريب سلالة متميزة، قوامها حوالي 40 طالبًا وحاملا لشهادة الدكتوراة، كثير منهم الآن من روّاد علماء البيئة الذين يعتبرون أن الوقت الذي أمضوه مع باين كان أساسيًّا في تشكيلهم. هذه السلالة تشمل بول دايتون في معهد سكريبس لعلوم المحيطات في لاجولا، كاليفورنيا، الذي وضع شكلًا لفهم الشواطئ الصخرية، وغابات طحالب الكيلب البحرية، وأرض البحر في القارة القطبية الجنوبية؛ وبروس مينج في جامعة ولاية أوريجون في كورفاليس، الذي وسَّع دائرة بحوث باين على السواحل في جميع أنحاء العالم؛ وجين لوبتشنكو التي ترأست إدارة «المركز القومي الامريكي لدراسة المحيطات والغلاف الجوي» NOAA في واشنطن العاصمة، وستيف بالومبي في جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا، الذي استخدم علم الوراثة لتعقّب تجارة الحيتان ولحوم الدلافين غير المشروعة.

يقول كريس هارلي في جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر، كندا، الذي كان واحدًا من آخر طلاب باين الذين تقدموا للحصول على درجة الدكتوراة: «بالإضافة إلى بوب، هناك آخرون من علماء البيئة المشهورين مثله، ولكن إذا نظرتم إلى قائمة طلابهم، فلن تجدوا منهم عددًا تعرفونه لسمعته». وإذا ما أخذنا طلاب طلاب باين في الاعتبار، فسيصبح عدد أفراد عائلته الأكاديمية مئات بسهولة. «الجميع مرتبط بباين»، كما يقول كريج ماكلين، عالم أحياء أعماق البحار في المركز الوطني للتركيب التطوري في دورهام بولاية نورث كارولينا، الذي إن أزلنا ثلاث حلقات؛ يصبح تلميذ دايتون مستشاره لما بعد الدكتوراة.


قِيَم الأُسْرة

تحتضن العلوم عديدًا من هذه السلالات: تعاقب القيادات الأكاديمية غير المتصلة عن طريق الدم، بل عن طريق التوجيه والإشراف. كل جيل يرث المواقف والفلسفات والمهارات التقنية من سابقه. وبعض هذه السلالات ـ مثل سلالة باين ـ خصبة بصورة خاصة، تنتشر فروعها المثمرة على الشجرة الأكاديمية، وتقود حقلًا علميًّا في اتجاه جديد، لكن سلالة باين تلفت النظر لا إلى تأثيرها العلمي فقط، ولكن بسبب طبيعتها المخلصة المتينة الترابط. بفضل أفكار باين المتميزة، والقابلة للتطبيق على نطاق واسع، وتأكيده على التفكير المستقل من قبل أتباعه، وطبيعته المرحة غير الفَظَّة، فقد استمر كل أفرادها تقريبًا في المجال العلمي، وفي علم البيئة أو علم الأحياء البحرية على وجه التحديد.

<p>جين لوبتشنكو وبروس مينج مع الطالبين إريك ستانفورد، وتِس فرايدنبرج، 1997، بوب باين مع نجم البحر على جزيرة تاتوش، واشنطن، في عام 2011 (إلى اليسار).</p>

جين لوبتشنكو وبروس مينج مع الطالبين إريك ستانفورد، وتِس فرايدنبرج، 1997، بوب باين مع نجم البحر على جزيرة تاتوش، واشنطن، في عام 2011 (إلى اليسار).

كبر الصورة

L to R: Anne Paine; Oregon State Univ.

«إنها قائمة مدهشة من النجوم.. مرشدون رائعون لطلاب دراسات عليا نشروا عملًا مثيرًا للاهتمام» كما يقول باين، الذي تقاعد في عام 1998، ولكنه ما زال نشطًا في هذا المجال. وفي هذه الأيام، يمكن العثور على باين في الاجتماعات البيئية إلى جانب سرب من مجموع الأكاديميين المحيطين به. وربما نجد في هذه العائلة الثرية بعض الدروس التي تفسّر لماذا تزدهر بعض السلالات العلمية وتنمو، في حين أن الأخرى تفشل حتى في إنتاج البراعم.

يعتبر اسم باين مرادفًا للحياة الساحلية، ولكن تعرّفه على التاريخ الطبيعي بدأ على اليابسة. فعندما كان طفلًا في ولاية ماساشوستس، كان يذهب بانتظام في نزهات على الأقدام لمراقبة الطيور مع أحد الجيران، الذي كان يصرّ على أن يقوم بتسجيل كل ما يراه. يقول باين: «كان هذا التدريب جيدًا للغاية»، فقد غرس فيَّ تقدير الطبيعة، ودِقَّة الملاحظة.

بعد دراسات في جامعة هارفارد في كمبريدج، ماساشوستس، وسنتين قضاهما في الخدمة العسكرية، حصل على درجة الدكتوراة في علم الحيوان من جامعة ميتشيجن في آن أربور، تحت إشراف الراحل فريد إي سميث. وباعتباره عالِمًا بيئيًّا يبحث عن أنظمة البيئة، بدأ باين مجموعته الخاصة في جامعة واشنطن في سياتل في عام 1962، التي شرعت في وضع بذرة عمله في خليج مَكاه. وعلى الرغم من وفرة نجم البحر في مياهه، كان الخليج يعاني من غارات مُمَشِّطي الشاطئ، مما كان يعبث بتجارب باين، وأصبح يتوق إلى العزلة.

وقد وجد ضالته في عام 1967، بعد رحلة لصيد سمك السلمون في المحيط الهادئ، عندما خطر بباله أن يرسو على شاطئ جزيرة صغيرة، تسمى تاتوش، قبالة شبه جزيرة واشنطن الأولمبية. قال باين: «جلستُ وتأملتُ ما حولي بدهشة. كان المكان يشبه نموذجًا لأرض العجائب». فقد رأى المئات من أنواع الأحياء المتصارعة على المكان والهيمنة. رأى نجم البحر ينتزع بلح البحر المفتوح، والقواقع البحرية المفترسة تحفر البرنقيل. رأى الحيتان وأسود البحر تسبح مبتعدةً عن الشاطئ، في حين كانت الطيور الجارحة والطيور البحرية تحلِّق فوق المنطقة، لكنه لم يرَ أحدًا سواه هناك. وفي الجزيرة التي تحميها قبيلة مَكاه المحلّية، لم يوجد هناك أحد في الجوار يمكنه تعطيل تجاربه، عندئذ قلت: «هذا هو المكان الذي سأعمل به».


تَجَاوُب الجزيـرة

كرّر باين تجربة إبعاد نجم البحر في تاتوش، وشاهد تكرُّر الأحداث نفسها تتكشف على نطاق أوسع.. فقد أدى غيابه إلى طغيان ساحق من بلح البحر الأسود، الذي انتشر لمسافة 40 مترًا في عمق الساحل. وفي مكان آخر، في منطقة تسيطر عليها الطحالب البنية، قام باين ـ بطريقة منهجية ـ بإضافة أو استبعاد سبعة من الحيوانات الرعوية، وذلك ببناء حلقات من الطلاء والمعجون2. وكان بوسع اثنين من هذه الأنواع ـ وهما قنفذ البحر والرخويات التي يطلق عليها اسم «كايتون» Chiton ـ أن تبيد الطحالب عندما تكون موجودة بأعداد كبيرة. أما الأنواع الأخرى من الرخويات، فلم يكن لها أي تأثير. يقول باين: «لقد كان مجهودًا جبارًا»، وأوّل مرة يجري فيها أي شخص تقييمًا كمِّيًّا لتأثير عديد من الأنواع الموجودة في مجمّع بيئي. وقد تبيَّن أن معظم هذه الأنواع متفاعلات ضعيفة، بحيث يمكن أن يمر غيابها دون أن يلاحظه أحد، إلا أن عددًا قليلًا فقط ـ متضمنًا الأنواع الرئيسة ـ هو الذي يمكن اعتباره متفاعلًا قويًّا، ويمكنه إعادة تشكيل العالم المحيط به بشكل جذري. ويستطرد باين: «لقد كان مكان انطلاق لفك تشابكات التفاعلات المعقّدة، فلو أن جميع الأنواع خُلقت متساويةً، لَمَا عرفت مِن أين يمكنك أن تبدأ». انتشرت آراء باين عن علم البيئة التجريبي بسرعة في الساحة، واجتذبت موجات من الطلاب المتحمسين. يقول مينج: «لقد كانت مرحلة رائدة في هذا المجال»، حيث «شعرنا أننا كنا فعلًا المجموعة الأولى التي تُقْدِم على إجراء هذا النوع من التجارب». لقد أمّنتْ لهم تاتوش المكان الملائم لهذه التجربة، وقام معظم أتباع باين بإجراء جولات على أرض الجزيرة واضحة التأثر بالعوامل الجوية. كانت إقامتهم في مبانٍ مهجورة بحجم المرآب في الوقت الذي كانت الجزيرة تعتبر فيه مركزًا لحرس السواحل. لم تكن هناك مياه جارية، وحتى قبل عقد من الزمن، لم تكن فيها كهرباء. يتابع باين: «لقد كانت بيئةً وحشيّة، وكنتُ هناك معهم أشاركهم المعاناة». حافظ على جوّ التقشف، مرتديًا فقط الملابس والأحذية الثقيلة (الزيّ الموحَّد لمختبر باين).

وخلافًا لعديد من الباحثين الرئيسيين، الذين يوزعون مشاريع محددة سلفا للطلاب الجدد، شجّع باين الحرية والتفرّد. يقول مينج:«كان لا يتدخل مطلقًا قبل أن تكون هناك حاجة لتدخله». انطلق الطلاب إلى زوايا متباينة من الجزيرة؛ لاستكشاف ما الذي سيستميلهم. قام أحدهم بوسم يرقات السمك الصخري، ودرس آخر ديناميات البرنقيل. وفي المساء، كانت المجموعة تتداول المعلومات حول نار المخيم. يقول تيم ووتون من جامعة شيكاغو، إلينوي، الذي درس تحت إشراف باين في ثمانينات القرن العشرين: «كنت ستمضي يومًا كاملا من العمل على الشاطئ، لتعود بخطى متثاقلة إلى الجزيرة، ليسأل دائمًا: ماذا تعلمت اليوم؟». لقد وضع باين مستوى فكريًّا رفيعًا، بينما كان هو خشنًا ومتحديًا. تقول لوبتشنكو: «إنه فظّ جدًّا ومباغت، وكثيرًا ما تراه عابسًا»، لكنه شجّع أيضا المرح والدعابة.. فقد وقّع مرة باسم أحد طلابه، بيتر كارايفا، على عدد من بطاقات عيد الميلاد المليئة بالعبارات الماجنة، وأرسلها إلى عدد من أكبر علماء البيئة في العالم.

عامَلَ باين طلابه كأقران، ودعم مساعيهم، دون أن يقودهم ويوجههم بشكل مباشر. (كان سميث قد تعامل مع باين بنفس الطريقة)، وعندما نشروا أبحاثهم، لم يُلزمهم بوضع اسمه عليها، إلا في حال كان تدخّله فيها كبيرًا، وهذا أمر لا يمكن التفكير فيه اليوم.

يقول كارايفا، الذي أصبح الآن واحدًا من أقرب أصدقاء باين، وكبير علماء منظمة «الحفاظ على البيئة»، وهي منظمة بيئية تعنى بالحفاظ على الطبيعة، ومقرها في أرلينجتون بولاية فيرجينيا: «لقد أساء هذا إليه قليلًا». لقد «كان وجود اسمه في المؤلفات سيتضاعف عشر مرات، ما لم يفعل ذلك» ويقول هارلي: «لو وُلِد بوب باين من جديد في هذا النظام كأستاذ مبتدئ في الوقت الحالي، لكان أصبح طالب دراسات عليا ممتازًا، ولكني لا أعرف كم عدد المنح التي سيتمكن من الحصول عليها».

وسرعان ما بدأ طلاب باين يكبرون ويشرعون في شق طريقهم المهني. برز عدد قليل منهم، كإرث ثمين، مثل جين لوبتشنكو، وبروس مينج. وقد التقيا لمتابعة دراساتهم العليا في مختبر باين في عام 1969، وتزوجا بعد عامين، وبدأت المشاركة التي ضمت أكثر من 31 طالبًا، و19 من طلاب ما بعد الدكتوراة. وبعد أن ترك الزوجان مختبر باين، نقلا نهجه التجريبي إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة، حيث ركّزت لوبتشنكو على النباتات والحيوانات آكلة العشب، في حين ركز مينج على الحيوانات المفترسة. ومع تضمين واستثناء وإزالة أنواع في نقاط مختلفة على امتداد شاطئ نيو إنجلاند، تمكَّنا من إظهار3 أن الأمواج العاتية يمكنها الإبقاء على الأنواع المفترسة، مثل نجم البحر في الخليج، مفسحةً المجال لسيطرة بلح البحر. وفي المناطق المحميّة، أبقت الأنواع المفترسة بلح البحر خاضعًا لسيطرتها، مما سمح للطحلب الأيرلندي Chondrus crispus ـ وهو نوع من الطحالب الحمراء ـ بالهيمنة. لقد كشف هذا العمل كيف يمكن للبيئة أن تتحكم في التأثيرات المتبادلة بين الأنواع.


توسيع النظم البيئية

بعد توزيع شبكة طعام نيو إنجلاند فيما بينهما، تقاسم الثنائي لوبتشنكو ومينج أيضًا متابعة حيازة منصب التدريس عندما عادا غربًا إلى جامعة ولاية أوريجون في عام 1976. وهذه الخطوة، التي لم تكن مسبوقة في ذلك الوقت، سمحت لهما بمواصلة حياتهما المهنية، إلى جانب قضاء بعض الوقت مع أفراد العائلة المتنامية. (أحد أطفالهما، دنكان مينج، رافق عشيرة باين في رحلات ميدانية. وهو يعكف في هذا العام على إنشاء المختبر البيئي الخاص به في جامعة كولومبيا في نيويورك - طفل من نسل الأسرة الأكاديمية).

استفاد طلاب المختبر ـ الذي كان يُدعى بمرح «مختبر لوبمينجو» ـ من خصائص التناقض والتكامل (يين ويانج) لدى مرشديهم. فقد كان مينج مندفعًا، وكان يتّبع سياسة الباب المفتوح، في حين كانت لوبتشنكو تدرس وتنظم خطواتها وتطلب تحديد مواعيد مسبقة. واليوم، تجده مسترخيا، ويرتدي القمصان الملونة (على طراز هاواي). أما هي، فحادَّة وصارمة الملابس. يقول ستيف جاينز من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، الذي كان أحد طلابهما اللامعين: «لقد كان اجتماع هذين الشخصين قويًّا بحق». ويتابع: «لقد حصلت منهما على خبرة تعليمية يصعب على أي شخص أن يقدمها لك».

أراد كلٌّ من لوبتشنكو ومينج سبر التأثيرات البيئية الأخرى على النظم البيئية الساحلية، وهكذا بدأت جولتهما حول العالم، التي استمرت عقودًا طويلة، ونقلت نهج باين التجريبي إلى تشيلي وجنوب أفريقيا ونيوزيلندا. وقد أظهرت4 دراساتهم ـ على سبيل المثال ـ أن الموجات المتقطعة النابعة من مياه غنية بالمغذيات يمكنها أن تسبب احتدام المنافسة والافتراس، وغيرها من التفاعلات بين الأنواع البحرية.

<p>طالبة باين السابقة كاثي فايستر على جزيرة تاتوش في عام 2012؛ باين (منتصف الصف الأول)، محاطًا بزملائه وأتباعه في حفل تقاعده في عام 1999 (يسارًا).</p>

طالبة باين السابقة كاثي فايستر على جزيرة تاتوش في عام 2012؛ باين (منتصف الصف الأول)، محاطًا بزملائه وأتباعه في حفل تقاعده في عام 1999 (يسارًا).

كبر الصورة

L to R: Courtesy of Bruce Menge & Jane Lubchenco; Matthew Ryan Williams/The New York Times/Redux/eyevine

وقد انتقلا أيضًا ـ بالرغم من عدم موافقة باين ـ من أسلوبه الانفرادي إلى أسلوب عمل الفِرَق الكبيرة. وكان مشروعهما الكبير هو المشاركة من أجل مشروع «الدراسات التخصصية للمحيطات الساحلية» PISCO – حيث تعاون 13 مختبرًا، بدءًا من عام 1999. قام المشاركون بإجراء دراسات منظّمة على خط ساحلي، يمتد طوله إلى 1900 كيلومتر من ألاسكا إلى المكسيك. وتتضمن الدراسات تعدادًا للحياة البحرية المحلية، وقياسات للظروف المائية. كان هناك بعض التلاعب على غرار ما كان باين يفعله، ولكن المشروع كان معنيًّا بجمع مزيد من البيانات؛ للكشف عن كيفية تغيّر المحيطات. وعندما بدأت شواطئ أوريجون بالامتلاء بسرطانات البحر والأسماك النافقة في عام 2002، تمكنت بيانات المشروع من كشف السبب بسرعة، وهو وجود منطقة ميتة محرومة من الأكسجين، كان حجمها يكبر في ظروف غامضة في المياه المقابلة للساحل (انظر «نيتشر» 466، 812-814؛2010). يقول مينج: «إن المشاكل البيئية التي نحاول حلها تتجاوز النطاق المحلي بكثير». ويتابع بقوله: «إن حلمي هو وجود كيانات مماثلة لـ(بيسكو) في جميع النظم البيئية البحرية في جميع أنحاء العالم».

إنّ هذا ليس هو حلم باين.. فالعلم الكبير يشكل لعنة بالنسبة له. يقول الطالب السابق ريتشارد بالمر، الموجود حاليًا في جامعة ألبرتا بأدمنتون: «لقد كان دائم التذمر والشكوى بأن هذا العمل الضخم والباهظ الكلفة لا يختلف كثيرًا عن جمع الطوابع». كان باين يخشى أن يسفر نهج بيسكو عن اتجاهات عامة غير واضحة، بدلًا من رؤى تفصيلية. والأسوأ من ذلك أنه كان يخاطر بسرقة الطلاب من روح الإبداع المرح الذي حاول غرسها فيهم. وقال بحسرة: «إنهم منهمكون للغاية في إجراء القياسات نفسها صعودًا وهبوطًا في الكيلومترات الساحلية نفسها»، وتابع: «إن أسلوبي العشوائي العفوي في تاتوش كان يهدف إلى دفع الأشخاص البارعين إلى فعل ما يريدون القيام به»، لكن لوبتشنكو ومينج يجادلان بأن التحديات البيئية ـ من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى تحميض المحيطات ـ تفوق سرعتها إيقاع التجارب الفردية. تقول لوبتشينكو: «حارب بوب هذه الفكرة كثيرًا». وتتابع: «كان لزامًا على الناس التمرد ضد والدهم ». كان تحرك لوبتشنكو نحو السياسة تمردًا مماثلًا. فقد تولّت رئاسة الجمعية الأمريكية للتقدم العلمي في عام 1997، ورئاسة الجمعية البيئية الأمريكية بين عامي 1992 و1993. وبوصفها مديرة «المركز القومي الأمريكي لدراسة المحيطات والغلاف الجوي»، اعتبارًا من عام 2009، فقد أثّرت على رد فعل الحكومة الأمريكية في حادثة تسرب النفط من الناقلة «ديب ووتر هوريزون»، واستراتيجيتها لإدارة استدامة المحيطات. «إن الثقافة التي نشأنا عليها كانت كثيرة البعد عن كونها على صلة بهذا الشأن»، هكذا قالت لوبتشنكو التي كانت تعتزم مغادرة المركز في نهاية فبراير؛ لتعود إلى البحث. وتضيف: «كنت أعرف أن بوب لم يكن موافقًا، ولكنني فعلتها على أية حال. لقد كان التمرد مؤلمًا حقًّا». لقد اختفى أي رفض كهذا منذ فترة طويلة. والآن، تجد باين يتحدث عن تأثير لوبتشنكو بكثير من الاحترام. وقد أصبح بدوره أحد المحافظين الأساسيين ـ وإنْ كان ذلك على مضض ـ متصدرًا فرق العلماء الذين شاركوا بتقييم تراجع أعداد أسد البحر ستيلر (Eumetopias jubatus)، واستعادة مياه ألاسكا لنقائها عام 1989 بعد تسرب النفط من ناقلة إكسون فالديز. يقول: «لقد كان دوري ببساطة هو الإشراف على الجموع. لقد أُرغمت على ذلك».


الجيل التالي

كان أبناء مؤسسة لوبتشنكو الأكاديمية ـ أحفاد باين ـ غارقين في «الشؤون ذات الصلة» منذ البداية. تقول هيذر ليزلي في جامعة براون في بروفيدانس، رود أيلاند، وهي من طلاب لوبتشنكو السابقين: «لقد كنا جميعًا ضمن البيئة نفسها، التي تحثّ على التفكير في الخطوات التي تربط العلم بالسياسة».

يجسّد جاينز هذا النهج.. فهو مزيج مثالي من إرث كل من باين، ولوبتشنكو، عالم البيئة التجريبية الذي يستخدم العلوم الأساسية للتأثير على السياسات، ولا يخجل من التعاون، وقد حصل على جائزة وطنية للتوجيه. تقول لوبتشنكو: «يجلس ستيف بالضبط في تلك البقعة الحلوة في عديد من الطرق المختلفة». وفي حين يدرس باين كيف تتفاعل الأنواع على الشواطئ الفردية، فإن جاينز ينظر إلى ترابطها عبر المحيطات كلها. فقد أظهر5 كيف تنجرف يرقات السمك وغيرها من الأحياء البحرية في بعض الأحيان لمئات الكيلومترات ضمن تيارات المحيطات، حتى ولو بقيت الكائنات البالغة ثابتةً في المكان. يقول جاينز: «عندما قام بوب بإبعاد نجم البحر، وغرق المكان بأعداد هائلة من بلح البحر، كانت هذه الأعداد من بلح البحر قادمة من مكان آخر». وهذه العوالق القشرية الطافية المنجرفة تربط أجزاء متفرقة من المحيط، ولها تأثير كبير على المحميّات البحرية، حيث يحظر صيد السمك. وبدلًا من تقليل كميات السمك التي يتم اصطيادها، أظهر6 جاينز في عام 2005 أن هذه الاحتياطيات بوسعها أن تجعل مصائد السمك القريبة أكثر إنتاجية، عندما تتوزع يرقاتها وتنتشر لتجديد المخزونات.

وقد تفرّع طلاب جاينز ـ كما هي طريقة جميع أفراد العائلة ـ بدورهم إلى مناطق جديدة. إنّ كيت سميث، التي حصلت على شهادة الدكتوراة تحت إشرافه، وتوجد الآن في جامعة براون، طبقت أفكار جاينز الخاصة بتوزيع اليرقات؛ لتفهُّم كيفية انتشار الأمراض المعدية. واهتماماتها البيئية هي اهتمامات آبائها وأجدادها الأكاديميين ذاتها ـ أين توجد الكائنات الحية، ولماذا هي هناك، وكيف تؤثر على بعضها البعض ـ ولكنها قامت بتطبيقها على الميكروبات والقارات، بدلًا من اللافقاريات وبِرَك المدّ والجزر. يقول جاينز: «كل الأمور متعلقة بالتواصل».

هناك طرق أخرى غير طريقة باين لتكوين سلالة. خذ على سبيل المثال.. سلسلة مشاهير البيولوجيا التي ظهرت في أربعينات القرن العشرين، ابتداءً من جيمس شانون، عالِم الفسيولوجيا في المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة، وسلالته التي تضم ستيف برودي، الذي كان رائد العمل على استقلاب الدواء، ويوليوس أكسلرود، الذي مُنح جائزة نوبل، لقاء عمله على إطلاق الناقلات العصبية، الذي ساعد على إحداث ثورة في علم الأدوية البشرية والعلوم العصبية. يقول روبرت كانايجل، الكاتب الذي أرخ للسلالة في كتابه الذي حمل عنوان «من متدرب إلى عبقري»، (ماكميلان، 1986): «كان منهجهم هو: تحرَّرْ من الشعور بوجوب وجود كل النقاط في مواضعها، وضرورة أنْ تكون كل الزوايا قائمة. كل ما عليك فعله هو الذهاب لإنجاز العمل».

ولكن النَسَب عند شانون يختلف اختلافًا جذريًّا عنه عند باين.. فلم تكن هناك من مكافأة للاستقلال، وبدلًا من ذلك.. كان الطلاب يتدربون عند أساتذتهم. يقول كانايجل: «في كثير من التجارب الرئيسة، كان الأصغر سنًّا يقوم بأعمال مرشده. وقد أدَّى هذا في بعض الأحيان إلى توليد الشعور بالاستياء». ويمكن لمثل هذه العلاقات أن تسبب الحسد وعدم الثقة. ويضيف: «سيتساءل الناس عمّا إذا كانوا سيحصلون على التقدير الذي يستحقونه، أم لا».

لقد أثبت باين أن الاستراتيجية المعاكسة تحقق الغرض. يقول: «عامِل طلاب الدراسات العليا كبشرٍ، وكُنْ قريب المنال.. فالشعور بالمساواة الاجتماعية مهم جدًّا،». «كان جميع الطلاب أكثر ذكاءً مِنِّي، ولكنهم أقل دراية فقط». هذا السلوك الذي اختاره للطلاب ذاتيِّي الدفع كثيري الشغف، الذين يمكنهم أن يتلمسوا طرقهم الخاصة. يقول ووتون: «لقد ساعد في الحصول على الخبرة التي تتيح لك تطبيق برنامج البحوث الخاص بك».

الآن، وقد بلغ عمره 79 عامًا، ما زال باين يقود البحوث والطلاب الملهمين. وقد انضم إلى مجموعة منهم في الصيف الماضي لمدة أسبوع في باتاجونيا. يقول كارايفا، الذي كان مشاركًا أيضًا في هذه الرحلة: «سيكون في منطقة المد والجزر جاثيًا على يديه وركبتيه ويطرح الأسئلة». يقوم باين أيضًا برحلات منتظمة إلى تاتوش، حيث يجري الآن بحثًا بإشراف ووتون وزوجته كاثي فايستر التي تعمل أيضًا في جامعة شيكاغو. ما زال ذهن باين متّقدًا كما كان في أي وقت مضى، ولكنْ بعد أن تراجعت حدّة الرؤية في كلتا عينيه، أصبحت ثقته بخطواته أقل. يقول: «أنني أؤجر وقت ابنتي الرياضية جدًّا لتساعدني في التجول حول الصخور. إن هذا غير كاف، ولكني لا أستطيع الاستمرار في تتبُّع تجاربي طويلة الأجل».

في عام 1995، سمح باين أخيرًا لنجم البحر بالعودة إلى شاطئ تاتوش بعد 25 عامًا من النفي المستمر. يقول: «فكّرتُ في أنني لن أعيش إلى الأبد، ولذا.. دَعُونا نرى ما الذي سيحدث لو سمحت لنجم البحر بالعودة ثانية». عادت أعدادها إلى الازدياد، وفقد بلح البحر هيمنته، وعاد الشاطئ إلى الحالة التي كان عليها قبل تدخّل باين، ولكن لا يمكن ادّعاء الأمر نفسه بالنسبة إلى علم البيئة، فهو ـ قطعًا ـ لن يكون كما هو بعد باين.

  1.  Paine, R. T. Am. Nat. 100, 65–75 (1966).

  2.  Paine, R. T. Nature 355, 73–75 (1992).

  3.  Lubchenco, J. & Menge, B. A. Ecol. Monogr. 48, 67–94 (1978).

  4.  Menge, B. A. et al. Ecol. Res. 17, 1–16 (2002).

  5. Kinlan, B. P. & Gaines, S. D. Ecology 84, 2007–2020 (2003).

  6. Gaylord, B., Gaines, S. D., Siegel, D. A. & Carr, M. H. Ecol. Appl. 15, 2180–2191 (2005).