تحقيق إخباري

كوراث كوكبية: قد يحدث ذات ليلة

كـوارث الماضـي سـوف تقــــــــــع مجــدَّدًا.. لكننـــــا لا نعــرف متــى.

نيقولا جونز
  • Published online:

منذ مئة ألف سنة، تصدَّعت كتلةٌ ضخمة من بركان «مونا لوا» Mauna Loa بجزيرة هاواي، وانزلقت نحو البحر، وأطلقت موجةً عاتية، ارتفعت عاليًا مثل برج أيفل، وبلغت سفوحًا لجزيرة قريبة. هذا التسونامي الهائل ليس بالحادث الوحيد؛ فقد شهدت الأربعون ألف سنة الماضية على الأقل عشرة انهيارات أرضية عملاقة؛ ألقت بأكثر من 100 كيلومتر مكعب من الصخر بشمال المحيط الأطلسي وحده، كل انهيار منها قادر على إحداث موجات يصل علوها من عشرات إلى مئات الأمتار. ومِثْل هذا الحدث لا مناص من تكرار وقوعه في وقت ما آخر، رغم أن أحدًا لا يعلم أيقع هذا غدًا، أم بعد عشرة آلاف عام.

ANDY POTTS


في هذا الأسبوع، نشر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريره لعام 2013 عن المخاطر العالمية، وتضمَّن قِسمًا ـ بالتعاون مع مجلة «نيتشر» ـ عن عوامل إكس (X factors): وهي المخاطر منخفضة الاحتمال، شديدة التأثير، الناجمة أساسًا من النشاط البشري (انظر: go.nature.com/outhzr). هذا.. ولكن في عالم الطبيعة هناك مخاطر لا يمكن التنبؤ بها.. فالسجل الجيولوجي حافل بالأدلة على وقوع كوارث نادرة مهولة، تتراوح من اصطدامات كويكبية، مرورًا بالبراكين العظمى إلى انفجارات أشعة جاما. تتناول «نيتشر» بعض الأحداث المهدِّدة للحياة، التي قد يُلقِي بها في طريقنا كوكبُ الأرض، أو حتى الكون الفسيح.


الموت بالبركان

الأرض الآن في منتصف احتدام نشاط بركاني فائق1.. فخلال الـ13.5 مليون سنة الأخيرة، حدث ما لا يقل عن 19 اندلاعًا عملاقًا، قذف كل منها بأكثر من ألف كيلومتر مكعب من الصخر، وهو ما يكفي لتغطية قارة بأكملها ببضعة سنتيمترات من الرماد، والزَّج بالكوكب في «شتاء نووي». وكان أحدثُ تلك الاندلاعات هو بركان «توبا» Toba في إندونيسيا، الذي ثار منذ 74 ألف سنة، وكان حدثا كارثيًّا، لدرجة أن بعض العلماء ينحون عليه، باللائمة باعتباره هو الذي بدأ العصر الجليدي الأخير، وخَفَّضَ تعداد البشر إلى نحو 10 آلاف نسمة. ويشير أحد التقديرات1 إلى أن هناك احتمالًا بنسبة %1 لاندلاع بركاني فائق العنف في فترة تتراوح بين الـ460 و7200 سنة المقبلة.

إن أصغر أربعة براكين عظمى وأكثر أنظمتها نشاطًا في العالم هي: «توبا» في إندونيسيا، و«كامبي فليجري» Capmi Flegrei في إيطاليا، و«يِلوستون» Yellowstone في شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية، و«توبو» Taupo في نيوزيلندا. وتجري مراقبة جميع الأنظمة البركانية الأربعة من حيث الأمواج الهوجاء والموجات الزلزالية ـ مجموعات من الزلازل الصغيرة تشير إلى صهارة متحركة ـ وكلها من حين إلى آخر تُصْدِر هذه الإشارات، لكن لا أحد يدري ما إذا كانت نتيجةُ كل انفجار ستكون صغيرة، مثل نفثة بخار، أم أكثر خطرًا بكثير، كاندلاع حمم عظيم. يقول شان دي سيلفا عالِم البراكين بجامعة أوريجون، بمدينة كورفاليس: «إذا كان شيء ما يختمر، سنحصل على إنذارات قبلها بساعات وأيام وأشهر»، ثم يستدرك: «أما حجمه، فليس لدينا مؤشرٌ عليه».

وللمساعدة في الإجابة على هذه الأسئلة، يحفر العلماءُ الآن في قلب أهم البراكين المرشحة للانفجار التالي؛ جُفـْرَة caldera «كامبي فليجري»؛ وهي فوهة بركانية بعرض 13 كيلومترًا، تحتضن مدينة نابولي. منذ عام 1969، نتأت الأرض في «كامبي فليجري» إلى أعلى بحوالي 3.5 متر، والعلماء حريصون على معرفة ما إذا كان المسؤول عن ذلك هو بخار من تحت الأرض، أم بركة صهارة. وقد جاءت النوبات السابقة من النشاط البركاني في الجفرة بعدما ارتفع سطح الأرض عدة أمتار أو أكثر2. ويرجح الباحثون أن نشاطًا كبيرًا قد يحدث في العقود أو القرون القليلة القادمة. وللوقوف على (مدى) الخطر، يخطط العلماء في «كامبي فليجري» لحفر الفوهة بعمق 3 كيلومترات، رغم مخاوف بعض الباحثين من أن يُطلِق الحفرُ زلازلَ أو انفجارًا.

وأحد أهداف الحفر هو دراسة بركة الصهارة تحت الفوهة؛ فكلما كانت أكثر ضحالة وانصهارًا (سيولة)، تعاظمت فرص اندلاع الانفجار العظيم. إن تشخيص مثل تلك البرك من خلال الدراسات الزلزالية أمر صعب، وهامش الخطأ ضخم. لذا.. يقول دي سيلفا: «نحن حقًّا نتلمَّس طريقنا في الظلام». ويقدِّر العلماء أن ما بين %10 و%30 من الصهارة أسفل «يِلوستون»، مثلاً، سائلة، أي أقل قليلًا من نسبة الـ%50 التي يُعتقَد أنها لازمةٌ لحدوث انفجار عظيم، لكنّ جيوبًا من الصهارة السائلة في الحجرة (الصهارية) لا تزال قادرة على إحداث اندلاعات أكبر بعدة أضعاف من انفجار سنة 1980، الذي اندلع من بركان «جبل سانت هيلينز» بولاية واشنطن، وهذا ما يحذِّر منه جاكوب لوينستِرن، رئيس مرصد بركان يلوستون التابع للمساحة الجيولوجية الأمريكية في ميلنوبارك بكاليفورنيا.

يقول لوينستِرن إن الجهود الرامية إلى الحفر في «كامبي فليجري» وقياس معالم، مثل درجة الحرارة، ونفاذية الصخور ينبغي أن تساعد الباحثين في تفسير التصوير السيزمي بدراسات بـِرَك الصهارة. ويضيف لورانستِرن موضحًا «إذا أردنا أن نكون قادرين على تصوير الأرض بنجاح، فإننا نحتاج من وقت إلى آخر أن نعمل شقوقًا استراتيجية قليلة في جسم المريض». أما بالنسبة إلى مخاطر الحفر، فإن لوينستِرن مقتنع بأن المشروع سيكون له تأثير ضئيل، ويقول للتقريب «إنها مثل وخز فيل بالإبر». لقد أنهى فريق «كامبي فليجري» حفر الـ500 متر الأولى من بئر اختبار في ديسمبر 2012، دون وقوع حادث. كما حفر علماءُ الزلازل بأمانٍ ثقبًا بالحجم نفسه في جُفرة لونج فالي في كاليفورنيا، وهي موقع بركان عظيم ثار منذ 760000 سنة، يحمل في طياته الاحتمال القاتل نفسه لبركان «يِلوستون» العظيم.

وحتى يُعرف أكثر عن هذه الأنظمة، فإن على المجتمعات أن تتقبَّل أن خطر الثوران العظيم حقيقيٌّ، لكنه بعيد حتى الآن. يقول لوينستيرن إنه على الرغم من أن فرص وقوع بركان في عامنا هذا ضئيلة، «إلا أن الفرصة ممكنة من الناحية النظرية».

الموت بفعل الفطريات

على الرغم من أن الفيروسات والبكتيريا تجتذب اهتمامًا أكبر، إلا أن الفطريات هي أشد الكائنات فتكًا على كوكب الأرض.. فمن بين كل مسببات الأمراض التي يتم تعقُّبها، تسببت الفطريات في أكثر من %70 من حالات الانقراض المسجَّلة عالميًّا وإقليميًّا3، وتهدد الآن البرمائيات والخفافيش والنحل. ولقد كشفت مجاعة البطاطس الأيرلندية في أربعينات القرن التاسع عشر لأي مدى يمكن أن تكون مسببات الأمراض هذه مدمِّرة. إن الفطر المسبِّب (لمرض اللفحة المتأخرة) infestans Phytophthora (كائن حي، يشبه الفطريات، وغالبا ما يُصَنَّف معها) محا نحو ثلاثة أرباع محصول البطاطس في أيرلندا؛ وأدَّى إلى وفاة مليون شخص.

ولا تزال آفة البطاطس (اللفحة المتأخرة) تشكل تهديدًا.. فالسلالة 13_A2 شديدة الشراسة من الفطر لا تزال مستشرية في أوروبا وشمال أفريقيا. وعبر الكوكب، يتسبب هذا الفطر في تلفيات سنوية قُدِّرت بنحو 6.7 مليار دولار أمريكي، وفق تقديرات4 عام 2009. ومن الناحية النظرية تقدِّر سارة جور ـ وهي متخصصة في علم أمراض النبات بجامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة ـ أن انتشار الإصابة بمحصول البطاطس من شأنه أن يحرم نحو 1.3 مليار نسمة من الغذاء كل عام. وهناك محاصيل أساسية أخرى تواجه تهديدات مماثلة؛ مثل الفطر المسبِّب للفحة الأرز (Magnaporthe oryzae)، وتَفَحُّم الذرة (Ustilago maydis)، وصدأ فول الصويا (Phakopsora pachyrhizi)، وصدأ ساق القمح (Puccinia graminis). وفي السنوات الأخيرة خفضت السلالة الفائقة Ug99 المسبِّبة لصدأ الساق الإنتاجية في أجزاء أفريقيا بنسبة تصل إلى %80.

وتواصل جور قائلة إنه إذا أصيبت كل المحاصيل الأساسية الخمسة مع تفشٍّ فطري في الوقت نفسه، فإن أكثر من %60 من سكان العالم يمكن أن يجوع. وتضيف جور: «ذاك الأمر كارثي، بيد أنه من غير المحتمل أنْ يكون كأحد أفلام جيمس بوند». ويضيف ديفيد هيوز ـ وهو متخصص في علم الحيوان بجامعة ولاية بنسلفانيا في جامعة بارك ـ قائلًا إن الإرهابيين يمكنهم استخدام الفطريات لتعيث فسادًا من خلال استهداف المحاصيل ذات الأهمية الاقتصادية. ففي ثمانينات القرن العشرين ـ على سبيل المثال ـ أتت عدوى ربما كانت مدبَّرة عن عَمْد على أخضر ويابس محاصيل الكاكاو في شمال البرازيل، وغيَّرت التركيبة السكانية للبلاد والبيئة عندما انتقل الناسُ من المَزارع غير المنتجة إلى المدن؛ وتسببت في إزالة المزيد من الغابات المطيرة. يقول هيوز: «إذا كنتَ تريد زعزعة استقرار العالم، يمكنك بسهولة أن تُدخِل مرض لفحة المطاط إلى جنوب شرق آسيا»، الذي من شأنه أن يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل ذات آثار اقتصادية وسياسية.

تقول جور إن الزراعة الحديثة فاقمت ضَعْفَ المجتمعات بتشجيع المزارعين على زراعة سلالات المحاصيل نفسها ذات الإنتاجية العالية؛ مما تسبب في الحدّ من مجموعة متنوعة من جينات المقاومة لدى النباتات. وتستطرد قائلة: «لقد انحرفنا بسباق التسلح لصالح مسببات الأمراض.. وهذا هو السبب في أننا على شفا كارثة».

يقدِّر الباحثون أن هناك من 1.5 مليون إلى 5 ملايين نوع من الفطريات في العالم، لكن مئة ألف فقط هي التي تم تحديدها. إن التقارير عن أنواع جديدة من العدوى الفطرية في النباتات والحيوانات ارتفعت لحوالي عشرة أضعاف منذ 1995 (مرجع 3). وترى جور أن تغير المناخ ربما يكون متهمًا.

وهناك داع آخر لقلق البشر، ففي العقد الماضي، تكيَّف نوع من الفطريات Cryptococcus gattii ليزدهر في أماكن أكثر برودة، وغزا غابات شمال غرب المحيط الهادئ في أمريكا الشمالية. وبحلول 2010، أصابت عدواه حوالي 280 شخصًا، مات العشرات منهم بسببه. وعلى الرغم من عدم انتقال الفطريات بسهولة من شخص إلى آخر، مثل الفيروسات، فيمكن للعوامل المضادة للفطريات التصدِّي بفعالية لمعظم أنواع العدوى، إلا أنه لا تزال هناك أسباب تدعو إلى القلق.. فالفطريات مستمرة في التطور، وما إنْ تترسخ في نظام بيئي، يصبح من المستحيل تقريبًا محوها منه، والقضاء عليها.

وبالنظر إلى تلك الاتجاهات، نجد أن الخبراء يقولون إن الفطريات لم تَلْقَ اهتمامًا كافيًا من الباحثين والحكومات. لذا.. يقول ماثيو فيشر، الباحث في الأمراض الناشئة بالكلية الملكية في لندن: «سأكون مندهشًا للغاية إذا قتلتْ عدوى فطرية مفاجئة جماعةً كبيرة من الناس، ولكن الأمر ليس مستحيلًا»، ويستدرك قائلا: «إن التهاون ليس مستحسَنًا كمنهاج للعمل».


الموت مِنْ عَلٍ

إن السماوات يحملن الكثير من التهديدات.. فالشمس تطلِق من حين إلى آخر انفجارات شمسية بأحجام أكبر من المألوف؛ الأمر الذي يؤدي إلى حرق شبكات الكهرباء بتوليد تيارات شديدة في الأسلاك. وقد أضرمت أحدث العواصف الشمسية الكبرى (في عام 1859) النيرانَ في مكاتب البرق. واليوم، قد تبطش عاصفةٌ ذات حجم مماثِل بالأقمار الاصطناعية، وتعطل شبكات الكهرباء لعدة شهور، وربما لفترة أطول. وقد يتسبب هذا في خسائر اقتصادية تقدَّر بتريليونات الدولارات.

 وربما كان انفجار شمسي أكبر من هذا بنحو 20 ضعفًا قد ضرب الأرض في عام 774، وفق ما يظن أدريان ميللوت، عالِم العلوم الكونية بجامعة كنساس في لورنس، وبريان توماس، عالِم الفيزياء الفلكية بجامعة واشبورن في توبيكا بولاية كنساس. يقول ميللوت: «إن هذا ليس حدثًا لانقراض» ثم يكمل قائلاً: «ولكنه بالنسبة إلى حضارة تكنولوجية، قد يقتل مئات الملايين من الناس، ويعود بنا إلى الوراء 150 عامًا». ولحسن الحظ، هناك طرق لتخفيف هذا السيناريو الأسوأ في حال حدوثه؛ إذ يمكن للمهندسين حماية الشبكة بواسطة (أنظمة) التأمين عند الخلل، أو عن طريق إيقاف تشغيل الطاقة في مواجهة انفجار وارد.

والكارثة القادمة ـ حسب ترتيب التأثير ـ هي الاصطدام بمذنب كبير، أو كويكب. فمنذ 65 مليون سنة، ارتطم كويكب ـ عرضه 10 كيلومترات ـ بالأرض؛ وتسبب في انقراض جماعي بنهاية عصر الطباشيري؛ لذا.. يُعتقد أن صخورًا عرضها 2 كيلومتر قد تُحْدِث انقراضًا على نطاق أصغر، إذا ارتطمت بالكوكب مرة أو مرتين كل مليون سنة. إن الفلكيين يبذلون وسعهم لتسجيل الكويكبات في جوار الأرض، واقتفاء آثارها، والعلماء يختبرون طرقًا لتحويل أيّ تهديدات حقيقية عن مسارها، وجَعْلها تنحرف.

وهناك خطر آخر بعيد يندر حدوثه، لكن لا يمكن تفاديه، وهو عاصفة إشعاعية ناتجة من انفجار قريب لأشعة جاما. وربما كان أكثر ما يخيف من تلك الانفجارات العلوية هو انفجارات أشعة جاما «القصيرة النفاذة»، التي تنشأ بسبب اندماج عنيف لاثنين من الثقوب السود، أو النجوم النيوترونية، أو لمُرَكَّب (منهما). وإذا توجهت عاصفة مثل تلك الانفجارات نحو الأرض من بُعد في حدود 200 فرسخ فلكي (أقل من %1 من المسافة عبر مجرة درب التبانة)، فإنه قد يغمر الأرض بفوتونات عالية الطاقة تمحو %30 من طبقة الأوزون الواقية بالغلاف الجوي لحوالي عقد من الزمان5. إنَّ حدثًا كهذا يُتوقع وقوعه كل 300 مليون سنة، أو نحو ذلك، وسوف يضاعف كمية الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى الأرض، ويحرق العوالق النباتية، التي تشكل قاعدة الشبكة الغذائية في المحيطات.

وما من طريقة يدري بها علماء الفلك إذا كان حدث نادر هكذا وشيكـًا، أم بعيدًا.. فالنجوم النيوترونية صغيرة ومعتمة، لذا.. ليس هناك «كتالوج» لتلك القريبة التي نحن في مرماها. يقول توماس: «إننا لن نراها وهي قادمة». وفي عمل لم يُنشر بعد، يقدر توماس أن حدثًا كهذا قد يتسبب في زيادة أضرار الأشعة فوق البنفسجية على المحاصيل بنسبة %60، وفي خفض يناهز %60 في إنتاجية المحاصيل.

ومن مسافة حوالي 2000 فرسخ فلكي، قد تتسبب أيضًا انفجارات أشعة جاما «الطويلة الضعيفة» ـ التي تنجم عن انهيار أكبر النجوم كتلةً ـ في إحداث انقراض، لكن هذه الأحداث أندر من الانفجارات القصيرة النَّفَّاذة، وأيسر في رصدها مسبقًا، لأنها تأتي من نجوم أكبر وأكثر سطوعًا. إن نظام النجمين WR 104 ـ الذي يبعد عن الأرض بنحو 2500 فرسخ فلكي ـ بعيد بما فيه الكفاية بجانب دورة حياته التي يتوقع أن تنفجر في وقت ما قادم بعد بضع مئات الآلاف من السنين، على الرغم من أن شعاع الانفجار من غير المرجح أن يصل إلى الأرض.

ويُحتمَل أن انفجارًا لأشعة جاما قد ضرب الأرض من قبل. ويرى ميللوت وتوماس وزملاؤهما أن الانقراض الكبير في نهاية عصر الأوردوفيشي، منذ 440 مليون سنة، قد يكون مَبعثه ناجمًا عن انفجار أشعة جاما، وقد محا بعض الأنواع من خلال التعرض للأشعة فوق البنفسجية، وقتل غيرها بسبب توليده لظُلَّة ضبابية من ثاني أكسيد النيتروجين6 حجبت ضوء الشمس عن الأرض. وهذا يفسر السبب في أن بعض الأنواع انقرضت قبل أن تبرد الأرض خلال تلك الفترة. وهذا يتسق ونمط الانقراض، الذي يُظْهِر أن من بين الكائنات البحرية كانت أكبر أعداد للقتلى في العوالق، وأنواع الكائنات الحية الأخرى التي تعيش في الجزء العلوي من المحيط.

يقول توماس إنّ أيًّا من هذه الكوارث المحتمَلة لا يُتوقّع أنْ يوقظه ليلًا، ولكنْه مطمئن إلى أن «هناك بعض الأغذية المعلبة لديه في الطابق السفلي»، كاحتراز احتياطي في حال وقوع أية كارثة.


الموت بالمياه

منذ ثمانية آلاف سنة، انزلقت الرواسب التي تغطي مساحة تحت الماء بحجم اسكتلندا من مراسيها قبالة الساحل الغربي للنرويج، وتسابقت متجهةً نحو قاع البحر. وَلَّد انزلاق «ستوريجا» Storegga موجات تسونامي اندفعت بارتفاع 20 مترًا على الأقل إلى جزر شتلاند القريبة، وربما اكتسح بعض القبائل الساحلية ومحاها، كما أنه ضرب الشطآن المحيطة بشمال أوروبا. والندبة التي تركها على قاع المحيط تمتد بطول 300 كيلومتر تقريبًا. «إنها ضخمة للغاية، وأنا لا أستخدم كلمة (ضخمة) باستخفاف» هكذا يقول بيتر تولينج، وهو متخصص في علم الرواسب في جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة، ويقود مشروعًا لتقييم مخاطر تعرض البلاد لانزلاقات مماثلة.

إنّ المملكة المتحدة ليست الدولة الوحيدة المعنِيّة بالانهيارات الأرضية العملاقة تحت البحر. يقول الجيوفيزيائي يوري تِن برينك: «بالتأكيد هناك مناطق لديها إمكانية». يعمل برينك في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في وودز هول بولاية ماساتشوستس، وقد أجرى دراسة في عام 2008 عن المصادر المحتملة (لإحداث) موجات تسونامي على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، إذ إن بعض محطات الطاقة النووية في مرمى هذه الموجات. يقول تِن برينك: «ثمة أكوام من الرواسب هنا وهناك في أيامنا هذه، أكبر بكثير من رواسب ستوريجا أيا كانت»، بما في ذلك الرواسب التي بطول ساحل آلاسكا الجنوبي، وقبالة دلتات أنهار الأمازون، والنيجر، والنيل. إن الانهيارات الأصغر هي الأكثر احتمالًا، ولكنها يمكن أن تكون ذات وقع كبير محليًّا، وغالبًا ما تقع دون سابق إنذار. ففي عام 1998، تَسَبَّب زلزالٌ صغير نسبيًّا ـ قوته (7 درجات) ـ في انهيار أرضي تحت الماء؛ ما أطلق موجات تسونامي ارتفاعها 15 مترًا، وصلت إلى بابوا غينيا الجديدة؛ مما أسفر عن مقتل 2200 شخص.

يقول الباحثون إنه من الصعب تقدير حجم التهديد من الانهيارات البحرية، ولا سيما تلك العملاقة. لذا.. يقول تِن برينك: «هناك معلومات قليلة للغاية عن الأحداث التي يندر حدوثها جدًّا»، ثم يختم برينك بقوله: «إن علينا فقط أن نتعلم قدر ما نستطيع».

  1. Mason, B. G., Pyle, D. M. & Oppenheimer, C. Bull. Volcanol. 66, 735–748 (2004).

  2. Isaia, R., Marianelli, P. & Sbrana, A. Geophys. Res. Lett. 36, L21303 (2009).

  3. Fisher, M. C. et al. Nature 484, 186–194 (2012).

  4. Haas, B. J. et al. Nature 461, 393–398 (2009)

  5. Melott, A. L. & Thomas, B. C. Astrobiology 11, 343–361 (2011)

  6. Melott, A. L. et al. Int. J. Astrobiol. 3, 55–61 (2004).