أنباء وآراء

البيولوجيا المجهرية: هَدْم الجدران

يكشف التصوير عند مستويات النانو أن الإنزيمات البكتيرية والفطرية تستخدم آليات مختلفة لتفكيك جدران الخلايا النباتية. وقد يُقدِّم هذا الاكتشاف أدلة حول كيفية تعزيز كفاءة إنتاج الوقود الحيوي السائل من الكتلة الحيوية.

  • Published online:

يزداد استخدام النباتات كمواد خام في إنتاج الإيثانول ـ وأنواع الوقود الحيوي السائل الأخرى ـ بشكل مطّرد. وتمثل صعوبة الوصول إلى السكريات الموجودة في داخل جدران الخلايا النباتية ـ وتعرف بـ«الاستعصاء» recalcitrance ـ عقبة رئيسة أمام التطبيق العملي لهذه التقنيات1. وبرغم أن «الاستعصاء» هو خاصية ملازمة لجدران الخلايا، إلاّ أن الكائنات الدقيقة (الميكروبات) المختلفة تستخدم الإنزيمات المتباينة لتحليل الجدران، وعدم فهم هذه التفاعلات قد حَدَّ من تصميم نباتات بدرجة منخفضة من «الاستعصاء». وكما نُشِر بمجلة «ساينس»، وظّف دينج وزملاؤه2 أحدث تقنيات الفحص المجهري للنظر ـ عند مستويات نانو من التكبير ـ في تَحلُّل جدران الخلايا النباتية بفعل البكتيريا والفطريات التي تستخدم آليات مميزة.

وتبدو مقولة «ليس هناك شيء اسمه وجبة غداء مجانية» كما لو كانت في محلها تمامًا، خصوصًا عند النظر إلى تطوّر جدران الخلايا النباتية، إذ تُحاط بعض الخلايا النباتية بجدار خلية ثانوي يحوي طبقة سميكة من السليلوز (جزيء متعدد السكريات)، وهو جزيء متصل بالبوليمر العضوي المعقد المعروف باسم لِجنين (خَشَبين) lignin. وتُقدِّم هذه الثخانة الثانوية القوة المادية اللازمة لدعم النمو رأسيًّا، ولتعزيز خاصية «كراهية الماء»؛ مما يسمح بنقل الماء، كما توفِّر حماية ضد تغلغل الميكروبات. وفي موازاة ذلك، طوَّرت الميكروبات آليات لتحليل جدران الخلايا النباتية ـ كاستخدام الإنزيمات المُحلِّلة للسليلوز ـ بهدف الوصول إلى السكريات النباتية المغذية، فتستخدم الفطريات الإنزيمات المُحلِّلة التي تدعى «سلوليز» cellulase، أمّا في البكتيريا، فتقوم الإنزيمات بالتجمع مع بعضها البعض في المركّب «سليلوسوم» cellulosome3. ويمثِّل مركب لجنين ـ في جدران الخلايا النباتية التي تعرضت لتقوية ثانوية ـ حاجزًا فعالًا ضدّ أغلب النظم الإنزيمية الميكروبية. وتتألف مواد خام عديدة مستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي من «لجنين سليلوزي» lignocellulosic، بما في ذلك مخلفات أعشاب معمرة، وأشجار، والذُرة الصفراء، أي مخلفات تتألف من أوراق وسيقان النبات المتبقية بعد جني محصول الحبوب.

في الولايات المتحدة، ضمّ قانونُ سياسة الطاقة لعام 2005 معيارًا للوقود المتجدد (RFS)، يخصص الحد الأدنى من الوقود الحيوي الذي سيستخدم سنويًّا في إمدادات النقل القومي. ومؤخرًا استنتجت4 أكاديمية العلوم الوطنية الأمريكية (NSF) أنه في حالة عدم ظهور «ابتكارات تكنولوجية كبرى.. فمن غير المرجح أن تتحقق متطلبات المعيار الذي يفرض استهلاك 16 مليار جالون من الوقود الحيوي السليلوزي (المعادل للإيثانول) بحلول 2022». وقد يكون التغلب على استعصاء جدار الخلية هو الابتكار التكنولوجي بالغ الأثر في الحدّ من تكاليف إنتاج الوقود الحيوي السائل من المواد الأولية من اللجنين السليلوزي. ومن الواضح أن خفض محتوى اللجنين، إما من خلال الاستفادة بالتنوع الطبيعي لأصناف النبات، أو من خلال مقاربات «التعديل الوراثي المُستَهدَف» بإمكانه تعزيز إطلاق سكريات جدار الخلية5,6، رغم احتمال نشوء آثار سلبية على نمو النبات7. فهل توجد طرق أخرى لاستهداف الاستعصاء؟ سعى دينج وزملاؤه لتحديد أيّ سمات جدار الخلية النباتية هي الأكثر تأثيرًا في قابلية الجدار للتحلل ميكروبيًّا.

<p><b>الشكل 1 |</b> تحلُّل جدران الخلايا النباتية بفعل الإنزيمات الميكروبية. تقوم الإنزيمات المُفكِّكة للسليلوز بتحليل جزيئات «السليلوز»، ذلك البوليمر الذي يُشكِّل جزءًا كبيرًا من جدران الخلايا في النباتات. وتُنتج أنواع عديدة من البكتيريا مركّبات إنزيمية مُفكِّكة للسليلوز، تُسمَّى مركّب «السليلوسوم»، في حين تهاجم الفطريات جدران الخلايا بإفراز إنزيمات مستقلة مُفكِّكة للسليلوز. استخدم دينج وآخرون<sup><a href="#ref2">2</a></sup>&nbsp;تقنيات مجهرية على مستوى النانو، تبين أن تحلّل النبات بفعل هاتين الاستراتيجيتين يحدث من خلال آليات مختلفة. <b>أ</b> لاحظ المؤلفون أن مركّب السليلوسوم البكتيري يسلخ الألياف السليلوزية الدقيقة واحدةً بعد الأخرى من سطح جدار الخلية، ومن حول الروابط البلازمية (أنابيب صغيرة تربط الخلايا النباتية المتجاورة). <b>ب</b> وعلى نقيض ذلك.. تظهر صورهم المجهرية أن إنزيم «السليليز» الفطري يخترق عمق شبكة النظام الليفيّ الدَقيِق للسليلوز.</p>

الشكل 1 | تحلُّل جدران الخلايا النباتية بفعل الإنزيمات الميكروبية. تقوم الإنزيمات المُفكِّكة للسليلوز بتحليل جزيئات «السليلوز»، ذلك البوليمر الذي يُشكِّل جزءًا كبيرًا من جدران الخلايا في النباتات. وتُنتج أنواع عديدة من البكتيريا مركّبات إنزيمية مُفكِّكة للسليلوز، تُسمَّى مركّب «السليلوسوم»، في حين تهاجم الفطريات جدران الخلايا بإفراز إنزيمات مستقلة مُفكِّكة للسليلوز. استخدم دينج وآخرون2 تقنيات مجهرية على مستوى النانو، تبين أن تحلّل النبات بفعل هاتين الاستراتيجيتين يحدث من خلال آليات مختلفة. أ لاحظ المؤلفون أن مركّب السليلوسوم البكتيري يسلخ الألياف السليلوزية الدقيقة واحدةً بعد الأخرى من سطح جدار الخلية، ومن حول الروابط البلازمية (أنابيب صغيرة تربط الخلايا النباتية المتجاورة). ب وعلى نقيض ذلك.. تظهر صورهم المجهرية أن إنزيم «السليليز» الفطري يخترق عمق شبكة النظام الليفيّ الدَقيِق للسليلوز.

كبر الصورة

استخدم المؤلفون مجموعة من مقاربات الفحص المجهري متعددة الوسائط، ومرتبطة ببعضها البعض، للرصد المباشر أثناء الوقت الحقيقي. لذلك.. وباستخدام إنزيمات ميكروبية ـ مصبوغة بالصبغات الفلورية ـ تقوم بتحليل الجزيئات متعددة السكريات في جدران الخلايا في مخلفات الذُرة. كشف هذا الفحص عن فروق مدهشة فيما بين الاستراتيجيات الهضمية في كل من البكتيريا والفطريات (الشكل 1). وتُظهِر الصور مركّب السليوسوم البكتيري وهو يشرع في هضم جدران الخلايا، بدءًا من الصفيحة الوسطية، أي طبقة الخلايا الجدارية التي تضمُّ الخلايا النباتية المجاورة لبعضها البعض. وعلى النقيض من ذلك..يذيب إنزيم السليوليز الفطري الجدار بطريقة منظمة، بدءًا من الأطراف الداخلية، ويترك الصفيحة الوسطية سليمة كما هي. وإضافة إلى ذلك.. يبدو أن إنزيم السليوليز الفطري يخترق شبكة النِظَام اللِيفيّ الدَقيِق لينتج حفرًا للهضم، حيث يقوم إنزيم السليوليز بسلخ (تقشير) الألياف الدقيقة واحدة بعد الأخرى من سطح جدار الخلية. 

وتؤكد مشاهدات المؤلفين أيضًا أن اللجنين (الخشبين) هو بالفعل العائق الرئيس أمام تحلّل جدار الخلية بفعل أي من إنزيم السليوليز الفطري، أو مركّب السليوسوم البكتيري. ويمضي الفريق في شرح النتائج، محققًا خطوة مهمة إلى الأمام، من خلال إظهار أن المشكلة الرئيسة هي أن اللجنين يُغطي النِظَام اللِيفيّ الدَقيِق للسليلوز، بدلا من ترك السليلوز مكشوفًا، بحيث يتشرّب الإنزيمات المُحلِّلة لمركب اللجنين. وبقياس الصور المُتحصَّلة كميًّا باستخدام مجهر القوة الذَرية، بيّن المؤلفون أن الأسطح المستوية الكارهة للماء من جزيئات السليلوز هي المواقع المُفَضَّلة للارتباط لدى الإنزيمات الميكروبية، ومن ثم تعتبر مواقع حاسمة لنشاط (وصول) الإنزيم. وتكون الأسطح الكارهة للماء مكشوفة في جدران الخلايا الأولية، لكن مغلّفة باللجنين في الجدران الثانوية، إمّا جزئيًّا، كما في بعض الخلايا «الحشوية» parenchyma، أو كليًّا، كما في خلايا ألياف «سْكلِرِنشيما» schlerenchyma. 

ماذا تعني هذه النتائج بالنسبة إلى تقنيات استخلاص مواد أولية من الكتلة الحيوية؟ إن تعزيز لجنين الخلايا لا يحدث في بعض أنواع الخلايا، إلاّ بعد انتهاء النبات من مرحلة النمو، لكن حصاد النباتات الفصلية مبكرًا يتسبب في مشكلات استدامة، لأن المغذيات الرئيسة مثل النتروجين والفوسفور لا تعاد مجددًا إلى نظام الجذور إلاّ خلال مرحلة الهِرم في دورة حياة النبات8. وترى دراسة دينج وزملائه أن هندسة النباتات بمستويات منخفضة من اللجنين المرتبط بالجزيئات متعددة السكريات قد تكون بنفس درجة جدوى محاولة تقليل مستويات روابط اللجنين بالسكريات المتعددة عمومًا، إنْ لم تكن أجدى. وسينتج عن هذا سليلوز بنِظَام لِيفيّ دَقيِق، أكثر ملاءمةً للتحلّل، وسيقلّل بشكل كبير من شدة المعالجة اللازمة لجعل الكتلة الحيوية من اللجنين السليلوزي كتلةً مناسبة لتوليد الوقود الحيوي. 

إنّ تطبيق التقنيات المجهرية لدينج وزملائه لدراسة التفاعل بين نظم الإنزيمات الميكروبية والنباتات المُعدّلة وراثيا كي تكون أقل استعصاءً سيكون مثيرًا للاهتمام، وذلك باستهداف مكونات الخلايا الجدارية. ومن خلال فهم الاستعصاء من ناحيتي النبات والميكروب، سيكون بالإمكان تطوير نظم معالجة حيوية فعّالة. ويبقى أن ننتظر لنرى إنْ كان تعديل جدران الخلايا النباتية ـ بهدف التحلّل الأمثل ـ سيسمح للكائنات الحية الدقيقة بالقفز إلى غدائها من النباتات المعدلة، فتسبب أمراضًا للنباتات التي تستهدفها أم لا. 

  1. Department of Biological Sciences, University of North Texas, Denton Texas 76203, USA

    • ريتشارد أ. دِكسون
  1. Himmel, M. E. et al. Science 315, 804–807 (2007).
  2. Ding, S.-Y. et al. Science 338, 1055–1060 (2012).
  3. Bomble, Y. J. et al. Biol. Chem. 286, 5614–5623 (2011).
  4. National Academy of Sciences. www.nap.edu/openbook.php?record_id=13105&page=R1 (2011).
  5. Studer, M. H. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 6300–6305 (2011).
  6. Chapple, C., Ladisch, M. & Meilan, R. Nature Biotechnol. 25, 746–748 (2007).
  7. Hoffmann, L. et al. Plant Cell 16, 1446–1465 (2004).
  8. Yang, J. Bioenergy Res. 2, 257–266 (2009).