تحقيق إخباري

أمراض معدية: ثأر السُّل

بدأ العالم يكسب حربه ضد السل،ولكن أشكاله المقاوِمة للعقاقير تمثل تهديدًا جديدًا.

ليه فيليبس
  • Published online:

إذا كان هناك أي شك بأن السل سيقاتل للعودة، فلقد انتفى هذا الشك في عام 2005 في مستشفى «تشرش أوف سكوتلاند» في قرية «توجيلا فيري» بجنوب أفريقيا. في ذلك المستشفى، وفي زاوية بعيدة ووعرة من إقليم كوازولو-ناتال، اعتاد الأطباء على رؤية الناس تموت بالرصاص، ومن الإيدز، لكن حتى هؤلاء الأطباء أصيبوا بالذعر والحيرة عندما رأوا كيف صار المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية ـ الذين كانوا يستجيبون جيدًا للأدوية المضادة للفيروس ـ يموتون سريعًا بسبب السل.

<p>صورة صدر بالأشعة السينية لمريض بالسل من ليرا في أوغندا، وهي إحدى 22 دولة تضم %80 من إصابات السل الجديدة.</p>

صورة صدر بالأشعة السينية لمريض بالسل من ليرا في أوغندا، وهي إحدى 22 دولة تضم %80 من إصابات السل الجديدة.

J. Matthews/Panos


عادةً يتحسن المصابون بالسل العادي بعد عدة أسابيع أو شهور من تناول مزيج مختار من أربعة مضادات حيوية أساسية، لكن من بين 542 مريضًا بالسل في المستشفى في عام 2005 وبداية 2006 كان لدى 221 مريضًا منهم (%41) مقاوَمةً ما للأدوية المتعددة (MDR)؛ أصبحت معه هذه العلاجات عديمةَ الفائدة. والأسوأ من هذا أن 53 مريضًا منهم لم يستجيبوا حتى للمضادات الحيوية التي تشكّل خط الدفاع الثاني. وفي النهاية، لم يبق شيء لم يجربه الأطباء: وهكذا مات هؤلاء المرضى الثلاثة والخمسون كلهم، باستثناء واحد فقط، ومات نصفهم في غضون 16 يومًا من تشخيص المرض. ويُعدّ هذا أول اندلاع ضخم لِمَا أصبح معروفًا فيما بعد بالسل واسع المقاومة للأدوية (XDR)، وفي الوقت نفسه كان جرس إنذار للعالم بأن السل قد أصبح أسوأ1.

في بداية الثمانينات تراجعت حالات السل إلى معدلٍ منخفض، لدرجة أن صانعي القرار الغربيين كانوا غالبًا ما يتكلمون عن استئصال المرض نهائيًّا. ثم جاء وباء فيروس نقص المناعة البشرية الذي أشعل فتيل السل في أواخر التسعينات. أما التقرير الأخير لمنظمة الصحة العالمية، الصادر في أكتوبر الماضي، فقد كشف مؤشرات تحسُّن في الحالات العادية من مرض السل ـ أو الحساسة (المستجيبة) للأدوية ـ فانخفض عدد الإصابات الجديدة، كما انخفض معدل الوفيات بما يعادل %41 منذ 1990.

ويحذر التقرير من أن «السل المقاوم للأدوية يهدد السيطرة العالمية على هذا المرض». وهناك حوالي %3.7 من الحالات الجديدة و%20 من الحالات التي عولجت سابقًا هي من النوع المقاوم للأدوية المتعددة. وبينما كان أعلى معدل للإصابة بالسل المقاوم للأدوية المتعددة هو %14 في 2000 في أستونيا، ارتفعت النسبة في 2010 إلى %35 في إقليم أرخانجليسك في روسيا. ويقدّر أن %9 من حالات مقاومة العلاجات هي من السل شديد المقاومة للأدوية (XDR)، الذي تم رصده الآن في 84 بلدًا.

إنها حكاية نوعين من السل: ما إنْ يتم تشخيص السل الحساس للأدوية؛ تصبح معالجته سهلة، طالما تم التزويد بالأدوية الملائمة، وتم تناولها. ومن الغريب.. كيف يمكن لممارسات بسيطة، كأنْ يتم التأكد من تناول المريض لدوائه، أن تشكل فرقًا جوهريًّا. في بعض البلدان ـ خاصة بشرق أوروبا وآسيا وأفريقيا ـ انهارت أنظمة الرعاية الصحية أو تدهورت خلال العقدين الماضيين، ما يعني أن المرضى قد لا يكملون تلقي أدويتهم دائمًا، أو أنهم يأخذون الدواء الغلط؛ مما يسمح بظهور وانتشار سلالات مقاومة للأدوية، يمكنها أنْ تنتقل بسهولة شديدة.

والسل المقاوِم للأدوية أصعب علاجًا وأبهظ كلفةً، ويستغرق علاجه وقتًا أطول. ورغم الحاجة إلى أدوات علاجية جديدة، لم تظهر منذ أكثر من خمسين سنة أي عقاقير جديدة مقاوِمة للسل، بينما لا يجدي اللقاح الحالي نفعًا. إن تحليل عينات من البصاق مجهريًّا هو تقنية التشخيص الأكثر شيوعًا، لكنها لا تحسم تواجد بكتيريا «متفطِّرة السل» Mycobacterium tuberculosis، أو ما إذا كانت مقاوِمة للأدوية. في الوقت نفسه، لم يهتم الباحثون بتطوير عقاقير واختبارات جديدة، كما أن شركات الدواء لا تملك حوافز السوق الكافية لخوض هذا المجال.

إن نمو مقاوَمة لعديد من للأدوية هو «حالة طارئة ومتفاقمة بمجال الصحة العامة»، حسب قول جرانيا بريجدن، مستشارة السل بـ«منظمة أطباء بلا حدود» في جنيف بسويسرا. وتتابع بقولها: «لا يمكن معرفة الحجم الهائل للمشكلة طالما أن واحدًا فقط من بين 20 مصابًا يتم فحصه لتحديد مقاومته للأدوية».

ومع ذلك.. يحرص العلماء على ضبط نبرة التحذيرات التي يقرعونها. ففي العقد الأخير، خاض الباحثون وصناع القرار معركة، انتصروا بها، وفازوا بعودة التمويل وعودة السل تحت الأضواء. ويجري الآن تطوير عدة عقاقير، كما تحقق تقدُّم في سبيل إيجاد لقاح فعال.

يقول تيم ماكهْيو، رئيس مركز علم الأحياء المجهري الإكلينيكي، بكلية لندن الجامعية: «أشعر بالقلق عندما يقف البعض في المؤتمرات، ويتكلم عن السل المقاوِم للأدوية المتعددة، ويقولون إنها كارثة كبيرة، وسوف ينهار العالم بأكمله. إن الأمر ليس بهذه الحدة بعد». يرأس ماكهيو فريقًا يقوم بتجربة واحدٍ من اثنين من أكثر الأدوية المتقدمة المرشحَة لتكون دواءً ضد السل، وهو يقول: «المقلق حقًّا أنه لو لم نفعل شيئًا ما الآن؛ فسيفلت الموضوع من أيدينا بسهولة».


صعود وسقوط

إنّ السل أحد أكبر القتلة في العالم، إذ إنه حصد 1.4 مليون نَفْس، وسبّب 8.7 مليون عدوى جديدة أو معاودة في 2011. ويحمل ثلث سكان العالم البكتيريا، ولكن لن يظهر على معظمهم الشكلُ الفعّال للداء.

انطلق أول وَبَاء حديث للسل في أواخر القرن الثامن عشر خلال الثورة الصناعية. فقد انتقل عمال الريف في أوروبا وشمال أمريكا إلى المدينة بأعداد كبيرة، حيث الفقر وسوء التغذية والازدحام بيئةٌ مثالية لانتشار الداء، ولكن مع تطور النظافة الصحية والتغذية والأدوية، بدأ ما كان يُسمى «الطاعون الأبيض» في الانحسار.

يقول ماكهيو، الذي يعادل اهتمامُه بتاريخ الداء اهتمامَه بالأحياء المجهرية: «بحلول أربعينات وخمسينات القرن العشرين، ابتدأت الأمور تتحسن». ساعدَ في هذا لقاح «BCG» الذي استُخدم للمرة الأولى في عشرينات القرن الماضي، لكن هذا اللقاح الآن فعال بشكل رئيس ضد سل الأطفال فقط، وهو مرض ليس معديًا، لكنه ليس فعالًا ضد سل الراشدين. كانت الضربة التي قصمت ظهر السل بالفعل هي ظهور عقار «أيزونيازيد» في عام 1952، ثم عقار «ريفامپسين» في السبعينات. يقول ماكهيو: «لو نظرنا إلى رسم بياني لمعدل الإصابة بالسل في خمسينات القرن العشرين وما بعدها، لوجدنا هبوطًا كبيرًا فيه».

ثم جاءت ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، حيث وَجَّهَ فيروس نقص المناعة البشرية ضربته. وحسب قول ماكهيو، لا يمكن الاستخفاف بخطورة هذا الفيروس. إن العدوى المشتركة بالسل وبفيروس نقص المناعة البشرية تنتج تآزرًا بيولوجيًّا قويًّا يسرّع تحطيم دفاعات الجسم المناعية، كما إن السل الكامن يصبح قابلًا أكثر بعشرين إلى ثلاثين مرة لأنْ يصبح فعالًا عند الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. في عام 1993 أعلنت منظمة الصحة العالمية مرض السل حالة صحية عالمية طارئة. وبجميع أنحاء العالم، أصبح السل السبب الأول في وفاة مرضى فيروس نقص المناعة البشرية.

تمهد عودة السل العادي الطريقَ لظهور أنواع مقاوِمة للعلاجات، إذ إن المقاوَمة تنشأ عندما لا يلتزم المرضى بالأنظمة الدوائية الموصوفة لهم، وتدوم عادة 6 أشهر لدى علاج السل الحساس للأدوية، و20 شهرًا في السل المقاوِم للأدوية المتعددة؛ مما يسمح طبيعيًّا بنمو وتطور طفرات (تحويرات) مقاوِمة. إن السل المقاوم للأدوية المتعددة ـ الذي تعاظم تهديده خلال التسعينات ـ يستعصي على عقاري «أيزونيازيد»، و«ريفامپيسين». ويحتاج المصابون بهذا النوع أدوية خط الدفاع الثاني: مضادات حيوية واسعة الطيف، تدعى «فلوروكينولونات»، أو العوامل القابلة للحقن (أميكاسين، كابريمَيْسين، كانامَيْسين). هذه العلاجات أقل فعالية وأكثر سُمِّيَّة، وتحتاج إلى شهور أطول لتبدأ بالعمل، عند مقارنتها مع علاجات الخط الأول. ويتم تصنيف الإصابة على أنها سل واسع المقاوَمة، إذا كان مقاومًا أيضاً للفلوروكينولونات، ولواحد على الأقل من الأدوية القابلة للحقن. وعندما حصلت هجمة السل واسع المقاومة في عام 2006 في «توجيلا فيري»، كانت كافية لهز أبحاث السل ومجتمع صناع القرار.

ويتفق الخبراء على أن أهم دور في نمو السل المقاوِم للأدوية يؤديه التدهور في البنية التحتية للرعاية الصحية ببعض البلاد، بما في ذلك برامج السل منذ التسعينات، خاصة في الكتلة السوفيتية السابقة. وهذا الانحدار يعني أنه لا يتم تشخيص المرضى، ولا علاجهم، كما أن إمكان شراء أدوية السل ببعض البلاد ـ بدون وصفة طبيب ـ يشجع الناس على تناول علاجات غير ملائمة (من خط الدفاع الثاني)؛ مما يسرّع بنمو مقاوَمَة الدواء. وفي ضربة حظ سيئ، انتشرت سلالة السل الخبيثة المقاوِمة للأدوية والمشهورة بـ«سلالة سل بكين»، التي تم التعرف عليها في الصين في عام 1995، وتكتسح روسيا وشرق أوروبا، بينما كان يتم تفكيك الإمدادات (الموارد) الصحية لهذه الأقاليم. يقول ماكهيو: «كان هناك حشد لبيولوجية هذا الكائن (بكتيريا السل)، وتقدمها نحو روسيا، حيث كان الكثير من الناس غارقين في نظام رعاية صحية يتداعى من حولهم». وفي عام 2010 وُجِدت سلالة بكين في حوالي %13 من إصابات السل الفعالة بأنحاء العالم. ويساعد كل هذا في تفسير أن العبء الأكبر للسل متعدد المقاومة ـ بحسب آخر تقرير لمنظمة الصحة العالمية ـ هو في إقليم أرخانجيلسك في روسيا، وفي روسيا البيضاء، وإستونيا، وكازاخستان، وقيرغيزيا، ومولدوڤا (انظر: «وجهان للسل»).

كبر الصورة

SOURCE: WHO

لا استسلام

خلال العقد الماضي أو نحو ذلك، انفصل مسار السل الحساس للأدوية عن مسار السل المقاوِم لها. إن الحل بالنسبة للسل الحساس للأدوية هو ببساطة تسليم الأدوية والسبل التشخيصية للمريض، وقد تحسنت هذه الخطوات. لقد كان أحد أهداف الأمم المتحدة التنموية للألفية الثالثة هو وضع حد للإصابة بالسل، ومحاولة عكس مساره بحلول عام 2015. وفي 2001، تم تأسيس مشارَكَة وقف السل الدولية، التي جمعت برامج حكومية وباحثين ومؤسسات خيرية ومنظمات غير حكومية والقطاع الخاص.

ومن أهم نواتج هذا الجهد وغيره هو توسع استراتيجية DOTS التي تشجعها منظمة الصحة العالمية؛ للحد من الأدوية المقاوِمة للسل، وهي «علاج تحت مراقبة مباشرة، دورة دوائية قصيرة». فما إنْ يتم تشخيص مريض بالسل الحساس للأدوية، يعالَج بأدوية خط الدفاع الأول التي يتم تناولها تحت مراقبةٍ لصيقةٍ للعاملين بالرعاية الصحية، وذلك لضمان أن ينهي المرضى الدورة الدوائية الموصوفة. وبفضل مثل هذه الجهود، تقول منظمة الصحة العالمية إن العالم في طريقه إلى خفض معدل الوفيات بالسل إلى النصف بحلول 2015، مقارنة بما كان عليه منذ عام 1990.

بيد أن معالجة مشكلة السل المقاوِم للأدوية لا تتطلب فقط بناء البِنَى التحتية للصحة العامة، بل أيضًا أسلحة جديدة، كأدوات التشخيص والعقاقير واللقاحات. لم يكن لدى القطاع الخاص حوافز كبيرة للاستثمار في البحوث الأساسية التي قد تؤدي إلى منتجات نهائية ستباع بسعر قليل في البلدان الفقيرة. ويدرك أنتوني فوتشي ـ رئيس المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في بيثيسيدا بميريلاند ـ هذا، ولذلك يقول إن «عليهم النظر إلى النتيجة النهائية».

في العقد الأخير تقريبًا ضخت برامج السل العالمية أموالاً بمجال الأبحاث. وقد حدث تطور أساسي كبير في عام 1998 عندما أصدر الباحثون بـ«معهد ويلكوم ترست سانجر» في هنكستُن ببريطانيا متتابعات جينوم لبكتيريا «المتفطرة السُّلِّيّة»؛ ما سمح للباحثين بتمييز ودراسة الجينات التي تقرر فوعة البكتيريا، وقدرتها على غزو الجهاز المناعي2. في 2012، بدأت معاهد الصحة القومية الأمريكية في بيثيسيدا بمشروع أوسع نطاقًا لفك متتابعات الجينوم، بهدف كشف الجذور الجينية لمقاوَمَة البكتيريا للدواء. ويقول فوتشي «سنستخدم تقنيات الجيل القادم لفك متتابعات جينومات بكتيريا من ألف عينة إكلينيكية سُلِّيّة معزولة من مختلف أنحاء العالم ـ جنوب أفريقيا، وكوريا، وروسيا، وأوغندا ـ ومن أي مكان يوجد فيه بكثرة السل المقاوِم للأدوية».


حرب في الصدر

توجد الآن عشرة أدوية جديدة مضادة للسل، تجري تجربتها إكلينيكيًّا. والهدف هو إيجاد مركبات فعالة ضد السلالات المقاوِمة، تعمل أسرع، وأعراضها الجانبية أقل؛ ما يشجع المرضى على استكمال دورة الدواء الموصوف لهم. فمثلاً، يدير ماكهيو وفريقه الآن تجربة إكلينيكية بعدة مواقع عبر أفريقيا وآسيا لاختبار المضاد الحيوي «موكسيفلوكساسين» moxifloxacin المستخدَم لعلاج التهاب الرئة والتهابات الجلد (يتوقعون إصدار نتائجهم الأولية في 2013). كما يعمل الباحثون لتسريع عملية مسح لبعض العقاقير المحتملَة، وذلك عن طريق استخدام سلالات من بكتيريا السل «المتفطرات» أقل مرضية، وأكثر توالدًا من المتفطرة السُلية التي تتميز ببطء نموها، وتشكيلها خطرًا على الأمن الحيوي. يقول ماكهيو: «كان الكيميائي سابقًا يقول: لديّ هذا الجزيء، وأثق أنه يقتل بكتيريا «الإشريكية القولونية» Escherichia coli، ومتأكد إلى حد ما من أنه يقتل بكتيريا السُل، لكن لا أملك وسيلةً للتحقق من هذا».

إن تطوير اختبارات دقيقة وسريعة لتشخيص سلالات السل المقاوِمة للأدوية جزء أساسي من المعركة، وقد ظهر خلال السنين الخمس الأخيرة عدد من الاختبارات على الانترنت، أحدها يدعى «جين إكسبرت» GeneXpert، ويستغرق استكماله 90 دقيقة، ويعتمد تقنية تكبير الجين التي تتحرى متتابعات معينة في تسلسل الحمض النووي (DNA)، تخص المتفطرة السُّلِّية ومقاومة عقار «ريفامپيسين». تمت الموافقة على هذه المنظومة من قِبَل منظمة الصحة العالمية، ويموِّلها ائتلاف منظمات، ومع ذلك لا يزال الباحثون يبحثون عن خيارات أبسط وأرخص.

ولا يحل المشكلة نهائيًّا إلا لقاحات أفضل. تقول هيلين ماكشين، باحثة اللقاحات بجامعة أكسفورد ببريطانيا: «ينبغي الاستثمار والإنفاق على بحوث اللقاحات، إذا كانت أهدافنا النهائية هي منع المرض، وليس السعي الأبدي لمكافحة مقاوَمَته للأدوية».

في عام 2008، سعت الهيئة الأوروبية لتشكيل مبادرة لقاح السل المموَّلة من دول أوروبية ومنظمات غير حكومية ومموِّلين أفراد. نجحت هذه الجهود وغيرها في رفع عدد اللقاحات المرشحَة للترخيص من صفر إلى 12 لقاحًا، وذلك منذ عام 2000.

تقترب هيلين ماكشين وفريقها من أولى النتائج الفعالة للقاح «MVA85A»، وهو أحد أكثر لقاحات السل الفعالة إكلينيكيًّا في الوقت الراهن. وقد طوَّرت ماكشين التطعيم أثناء قيامها ببحوث الدكتوراة منذ 15 سنة، ويحتوي على فيروس مصمَّم لدعم فعالية الخلايا التائية التي تمت تقويتها أساسًا بلقاح «BCG». وفي عام 2009، وبالمشاركة مع مبادرة جنوب أفريقيا للقاح السل، أطلقت ماكشين طورًا أساسيًّا ثانيًا من تجربة إكلينيكية مهمة تُجرَى بجنوب أفريقيا على 3000 طفل رضيع، تم تطعيمهم بلقاح «BCG»، وتُتوقع النتائج الأولية خلال الربع الأول من 2013. بالتوازي، تختبر ماكشين وزملاؤها فعالية اللقاح لدى الكبار المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية بجنوب أفريقيا والسنغال.

والسؤال الآن.. هل تكفي هذه الجهود؟ «للأسف لا»، وفقًا لكارين وَيَر، منسقة المختبرات والتشخيص ومقاومة الأدوية في دائرة وقف السل بمنظمة الصحة العالمية بجنيف. ويُتوقع أن تصل التمويلات السنوية لتشخيص وعلاج السل إلى 4.8 مليار دولار في 2013، لكن يُتوقع أن تحتاج الرعاية والسيطرة على السل 8 مليار دولار سنويًّا بحلول 2015. كما أن الستمائة مليون دولار المخصَّصة لدعم أبحاث السل في 2010 لا تكفي لسد الحاجة السنوية التي تقدرها منظمة الصحة العالمية بملياري دولار، كما أن الأزمات الاقتصادية قد خفضت التمويل عمومًا. تقول وَيَر: «أريد أن أكون متفائلة.. لكننا ما زلنا نعمل بميزانية هزيلة، مقارنةً بالميزانية المخصصة لأبحاث فيروس نقص المناعة البشرية».

في هذه الأثناء.. لا تستريح البكتيريا. ففي ديسمبر 2011، أورد3 الأطباء المعالجون في مومباي بالهند أنباءً عن 12 إصابة مما يسمونه السل المقاوِم كليًّا للأدوية (TDR-TB). وثمة ادعاءات مماثلة بإيطاليا وإيران؛ لكن هذه المرة أخذت منظمة الصحة العالمية الأمر على محمل الجد، وأجرت تحقيقًا في الأمر. في مارس 2012، جمعت منظمة الصحة العالمية 40 خبيرًا، وخلصوا إلى عدم كفاية الأدلة المتاحة للجزم بأن السل المقاوم كليًّا للأدوية يختلف جوهريًّا عن السل متعدد المقاومة.

ويوافق ماكهيو على هذا، لكنه ليس بحاجة إلى أدلة أكثر للقيام بشيءٍ ما حيال الأمر. ففي وجه زحف المقاوَمة للعقاقير، تقع المسؤولية على عاتق كل باحث، للإفصاح بصراحة عن ذلك، «أعتقد أنه لم يعد بمقدورنا أن نقتصر على كوننا علماء نقوم بعمل مخبري مدهش، ونظن أننا نُحْسِن صُنعًا. علينا الآن نشر الوعي بخطورة الموقف».

  1. Gandhi, N. R. et al. Lancet 368, 1575–1580 (2006).
  2. Cole, S. T. et al. Nature 393, 537–544 (1998).
  3. Udwadia, Z. F., Amale, R. A., Ajbani, K. K. & Rodrigues, C. Clin. Infect. Dis. 54, 579–581 (2012).