تأبين

فاريش أ. جينكِنز جيه آر (1940–2012)

عالِم حفريات، وخبير تشريح، ومستكشف، وفنان.

نيل شوبين
  • Published online:

S. KREITER/BOSTON GLOBE VIA GETTY

جَمَعَ فاريش جينكنز جيه آر ـ الذي كان يحمل بندقيته على ظهره صيفًا، ويمسك مشرطًا شتاءً، وينظر بعيون الفنان إلى الأشياء طوال العام ـ بين علم استكشاف الحفريات، وعلم التشريح التجريبي في مزيج تام بينهما؛ للوصول إلى جواب حول كيفية تطور الحيوانات؛ لتصبح قادرة على المشي والجري والقفز والطيران.

تُوُفِّي فاريش جينكنز في 11 نوفمبر 2012، نتيجةَ إصابته بالتهاب رئوي. ويُذكر أنّ جينكنز لم يُبْدِ في طفولته بمدينة راي بنيويورك أيَّ ميول واضحة نحو العلوم والاستكشاف، ولكن سرعان ما تبدَّل الحال بعد خوضه تجربتين.. فأثناء دراسته الفلسفة في جامعة برينستون بولاية نيو جيرسي في أوائل الستينات، كان يقضي صيفه كمساعد لجلين لويل جيبسن، الذي كان يدير برنامجًا ميدانيًّا شهيرًا في وايومينج، حيث كان ينقِّب عن الحفريات الثدييّة. وكانت تلك بداية رحلة جينكنز مع علم استكشاف الحفريات. وبعد تخرُّجه في الجامعة، جُنِّدَ في سلاح مشاة البحرية الأمريكية، وهناك تعلم الجَلَد والإصرار والثقة بالنفس لتنفيذ الأعمال الميدانية، التي أصبحت سمةً مميزة، وعلامة فارقة في قصة نجاحه.

في عام 1964، بدأ جينكنز دراسة شهادة الدكتوراة في جامعة ييل بمدينة نيو هافن في ولاية كونيتيكت. وعندما عمل مع أ. و. كرومبتون، المدير المعيّن حديثًا آنذاك لمتحف ييل بيبودي للتاريخ الطبيعي، بدأ جينكنز يهتم بالثدييات الأوليّة، والفصائل القريبة منها. وأصبح بحثه العلمي حول تشريح منطقة خَلْفَ القِحْف لهذه الحيوانات من الدراسات البارزة، إذ بيَّن كيف يمكن للفحص التشريحي الدقيق، والتحليل ثلاثي الأبعاد للمفاصل أن يكشف عن المراحل الرئيسة في تطور الحركة.

في عام 1971، أصدر كرومبتون قرارًا بتعيين جينكنز في منصب بمتحف علم الحيوان المقارن في جامعة هارفارد بمدينة كامبريدج، بولاية ماساتشوستس، حيث كان كرومبتون يشغل منصب المدير العام. وأنشأ الاثنان معًا معملاً، أصبح من أكثر المعامل ذائعة الصيت في الوقت الحالي، واستخدما معًا تقنية تسجيل النشاط الكهربائي المنتج من قبل العضلات، بجانب استخدام أجهزة التصوير السينمائية بالأشعة - الجديدة في ذلك الوقت - لإنشاء أفلام من صور الأشعة السينية الناجحة. وكشف كرومبتون وجينكنز وتلاميذهما عن كيفية اقتران حركة العظام في الحيوانات ـ بدءًا من السحالي وفأر الزباب حتى الضفادع ـ مع نشاط العضلات أثناء تناول الطعام، أو أثناء الحركة. وبعد أن أصبحوا مسلحين بهذه الأدلة التجريبية الجديدة، انطلق جينكنز وزملاؤه لتنقيح ومراجعة آراء جُمِعَت على مدى ما يقرب من قرن كامل حول التشريح الوظيفي الذي كان يعتمد على الحفريات فقط.

كان نتاج البحث الذي قام به جينكنز منهجيًّا منضبطًا، مثلما كان تدريبه العسكري. نشر جينكنز خلال فترة السبعينات سلسلة من التحليلات العقلانية القوية عن المفاصل الرئيسة في أجسام الثدييات، ودورها في تطور التحولات الوظيفية الرئيسة. لقد كانت فترة السبعينات من الأوقات المثيرة حقًّا في متحف علم الحيوان المقارن، مشت فيها الحيوانات وقفزت وزحفت تحت الأشعة السينية السينمائية، وكان الطلاب والزملاء يتوافدون من كل حدب وصوب لطرح أسئلة جديدة. وفي الوقت نفسه، عكف جينكنز على إعداد منهج استكشافي للحفريات؛ أثمر عن تحقيق أعظم إنجازاته المعرفية.

تتلخص وصفة فاريش جينكنز للقيام برحلات استكشافية ناجحة في تحديد سؤال جوهري، ثم استكشاف الصخور التي تحتوي في الغالب على حفريات تحتاجها للإجابة عليه، ثم إضافة الإصرار القوي إلى هذا الخليط. ولفهم أفضل الأصول الارتقائية في الثدييات بصورة أفضل، بدأ جينكنز بحثه في الصخور الطباشيرية في مونتانا، حيث اكتشف حفريات لثدييات أولية. وفي الفترة من 1977 حتى 1983 قام جينكنز بسلسلة من الرحلات الاستكشافية للتشكيل الصخري الجوراسي بكاينتا في ولاية أريزونا. لقد اكتشف علماء آخرون وجود حفريات في هذه الصخور، إلا أن جينكنز تميَّز عنهم بنهجه الجديد، حيث رأى أنه طالما أن الهدف هو فهم نشأة الثدييات، ولأن الثدييات الأولى صغيرة الحجم، فلا بد إذن من تركيز البحث على الرواسب التي تحتوي في الغالب على أصغر الحفريات.

كانت النتيجة مذهلة، إذ لم يسفر تنقيبه في حجر الغرين عن اكتشاف حفريات الثدييات الأولى فحسب، بل اكتشف أيضًا حفريات للسلمندر، والضفادع، ومجموعة من الحيوانات البرمائية، يُطلق عليها «السيسيليان» caecilians؛ مما أدى ـ بمحض الصدفة ـ إلى تطور برنامجه البحثي؛ ليشمل مجموعات أخرى من الحيوانات رباعية الأطراف. وفي فترة التسعينات، والعقد الأول من الألفية الجديدة، استخدم جينكنز النهج نفسه للتنقيب في الصخور الترياسية في جرين لاند، ورواسب العصر الديفوني في كندا القطبية؛ بغية اكتشاف الحفريات. واكتشف «الهاراميديات» haramiyids (بعض من أنواع الثدييات الأولى) عند تنقيبه في الصخور التي ترجع إلى العصر الترياسي، كما اكتشف سَمَك «التيكتاليك» Tiktaalik (نوع من السمك تميّز بزعانف مفصَّصة) عند تنقيبه في الصخور التي ترجع إلى العصر الديفوني.

شغل جينكنز منصب رئيس جمعية حفريات الفقاريات في عامي 1981 و1982، كما حاز في عام 2009 على ميدالية رومر سيمبسون؛ تقديرًا لإنجازاته التي حققها طيلة حياته. سوف يظل جينكنز خالدًا في ذاكرة أجيال من الطلاب الجامعيين والخريجين، وطلاب الطب والأساتذة المساعدين في جامعة هارفارد، وبرنامج هارفارد بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا للتدريب على العلوم الصحية والتكنولوجيا، لما أبداه نحوهم من رقة وإنسانية، دعّم بها حياتهم المهنية. لقد حاز جينكنز على عديد من الجوائز، إلا أنه كان يعتز ـ على وجه الخصوص ـ بحصوله على شهادة الأستاذية من جامعة هارفارد؛ تقديرًا لجهوده ودوره في مجال التدريس الجامعي. كان فاريش جينكنز يتمتع بأداء استعراضي أسطوري في المحاضرات بجامعة هارفارد. فقد كان جينكنز يحاكي شخصية كابتن آهاب، بطل رواية هيرمان ميلفيل وهو يعرج في مشيته، وفي أحيانٍ أخرى، كان يرتدي زيًّا يغطي جسده كله، عليه رسم لهيكل عظمي.

كما كان جينكنز رجلا أنيقًا، سواء وهو في المعمل حاملاً لساعة الجيب، ومرتديًا قميصًا كاملا أبيض اللون مع مشبك رابطة العنق، أم في الموقع وهو يحمل مِعْوَل عامل المناجم والسلاح الناري؛ (ليحمي نفسه والآخرين من الدببة القطبية). بجانب ذلك كان جينكنز فنانًا موهوبًا، مثلما كان مستكشفًا وعالمًا بارعًا في الحفريات والتشريح. ولم يكن غريبًا عليه أن يأتي إلى قاعة المحاضرات قبل موعد المحاضرة بأربع ساعات؛ ليرسم مخططات تشريحية ثلاثية الأبعاد على السبورة. وفي واقع الأمر، كانت أوراقه العلمية تحتوي على عروض مجسمة تستلزم شهورًا لتنفيذها. إنك إذا شرعتَ في كتابة بحث علمي مع فاريش جينكنز، فستجد نفسك أنك انتهيت إلى رسم صور، وانشغلتَ بعالم الفن، قبل أن تكتب كلمة واحدة.