تحقيق إخباري

طاقة نووية: مفاعلات راديكالية

على مدى عقود، هيمن تصميم واحد على المفاعلات النووية، بينما تُرِكًت جانبًا خياراتٌ ذات إمكانات أفضل. وربما حان الوقت الآن لتصاميم بديلة.

م. ميتشيل ولدروب
  • Published online:

في عام 2000، حينما كان كيرك سورنسن مهندسًا بوكالة «ناسا»، ينظر في خيارات إنتاج الطاقة النووية للمستوطنات على سطح القمر مستقبلًا، عثر على كتاب يضع مواصفات مفاعل الملح المنصهر كمصدر للطاقة، حيث كان الوقود النووي فيه سائلًا.

بدا الأمر غريبًا، كما يقول سورنسن. حيث إن كل مفاعل سمع عنه في أي وقت مضى استخدم شكلًا من أشكال وقود اليورانيوم الصلب، بدءًا بمفاعلات «الماء الخفيف» التي تهيمن حاليَا على صناعة الطاقة النووية. وقد بيَّن الكتاب أن تقنية الملح المنصهر تم عرضها قبل نحو ثلاثة عقود في مختبر «أوك ريدج الوطني» بولاية تينيسي، وأن الوقود الذي يحتوي على اليورانيوم السائل، أو «الثوريوم»، أتاح مزايا كبرى.. فمفاعلات الملح المنصهر ستكون منيعة إزاء الانصهار الكارثي، وعلى سبيل المثال.. بدلًا من إنتاج نفايات نووية ملوثة بالبلوتونيوم وغيره من النظائر المشعة طويلة الأجل، يمكنها أن تدمر معظم تلك النظائر بالكامل تقريبًا.

يقول سورنسن إن لائحة المزايا كبرت أكثر وأكثر.. ففكرة الملح المنصهر «كانت كفيلة بأن تحل كل مشكلات الطاقة النووية تقريبًا بطريقة بديعة، بل أكثر إبداعًا من مفاعلات الماء الخفيف». ويتساءل قائلاً: «إذن لماذا لم نفعل ذلك بهذه الطريقة في المقام الأول؟»

ظل كثير من الناس يسألون هذا السؤال في العقد الماضي، وليس فقط عن مفاعل الملح المنصهر، إذ إن تلك التقنية بالتحديد تم التخلي عنها في عام 1976، بسبب الأجندات المتصارعة داخل برنامج الأبحاث بالولايات المتحدة، لكنها كانت مجرد واحدة من عدة تقنيات بديلة طُرحت جانبًا أثناء الانطلاقة الأولى لتسويق الطاقة النووية. وتشمل التقنيات الأخرى المفاعلات «السريعة» التي كانت أيضًا ستحرق النفايات النووية، ومفاعلات الحرارة العالية التي كان من شأنها أن تأخذ جزءًا ضخمًا من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عن طريق توليد حرارة بلا كربون (تستخدم) للصناعة. وكان يمكن لتلك التقنيات البديلة القضاء على معظم ـ أو كل ـ عيوب الطاقة النووية، لكنها لقيت اهتمامًا غير كثيف من الباحثين على مدى عقود، والفضل في ذلك يعود إلى تغير الأجندات باستمرار ومستويات التمويل.

ربما يكون قد حان الوقت للتغيير.. فعلى مدى العقد الماضي، أثارت الحاجة إلى طاقة آمنة وخالية من انبعاثات الكربون ـ لا سيما بدول سريعة النمو كالصين ـ اهتمام الحكومة بالتقنيات النووية البديلة، بجانب جهود تجارية لإحياء وتسويق بعض التصاميم. ويعتقد المتفائلون أنه حتى الكارثة النووية بمشروع الطاقة في فوكوشيما دايتشي باليابان في عام 2011 ستعزز في نهاية المطاف سوق مفاعلات بديلة أكثر أمانًا.. من شركات مبتدئة كـ«فليبي للطاقة» Flibe Energy؛ التي أسسها سورنسن العام الماضي في هنتسڤيل بولاية ألاباما؛ لتسويق مفاعل الملح المنصهر، إلى عمالقة الصناعة، مثل جنرال إليكتريك ـ هيتاشي للطاقة النووية، التي تطور مفاعلا تجاريا سريعا، تأمل الشركات أن تكون مستعدة.

إن إحياء التقنيات لن يكون سريعا أو سهلا. وعلى الرغم من أن التصاميم الأساسية وُضعت منذ عقود، إلا أنه يجب على المهندسين الذين يأملون أن يضعوها قيد التنفيذ أن يطوروا أشياء، مثل مواد مقاومة للإشعاع، ومبادلات حرارية أكثر كفاءة، وأنْ يحسِّنوا نظم السلامة. ويجب أن يثبتوا بعد ذلك للجهات المنظمة أن كل هذه الأنظمة ستعمل. ويلخص هذه المسألة إدوين ليمان ـ محلل شؤون الأمن الدولي بـ«اتحاد العلماء المهتمين» في كمبريدج، بولاية ماساتشوستس بقوله: «إن المشروعات النووية صعبة». ويضيف ليمان قائلاً: «إنها مكلفة، وبطيئة، والمخاطر بها كبيرة جدًّا، لأن السلامة عامل مهم دائمًا». أما هؤلاء المعنيّون بها، فلديهم اقتناع بأن أفضل أمل لمستقبل الصناعة النووية هو استدعاء ماضيها. ويشير سورنسن إلى إلغاء برنامج الملح المنصهر، قائلاً: «لم يَقُلْ أحدٌ أبدًا: «ربما ارتكبنا خطأ ما؛ وربما ينبغي علينا إعادة النظر في ذلك القرار».

الأسبق.. لا الأفضل

فرضت مفاعلات الماء الخفيف هيمنتها، لا لأنها كانت الأفضل، بل لأنها كانت الأسبق. فقد طورت أصلًا بأواخر أربعينات القرن العشرين، كمصدر طاقة صغير للسفن النووية والغواصات، وتم تكييف تصميم (مفاعل) الماء الخفيف وتكبيره خلال الخمسينات، عندما كانت الولايات المتحدة تسعى لوضع وجه سلمي للطاقة الذرية بإنشاء صناعة طاقة نووية تجارية. «الماء الخفيف» هو الماء العادي (H2O)، الذي يتدفق عبر قلب المفاعل، يمتص حرارته، ويديره على التوربينات البخارية التقليدية التي تحول الحرارة إلى كهرباء (انظر: «دقائق وتفاصيل النووي»).

كبر الصورة

في نهاية المطاف، كان مفترضًا أن تكون تلك المفاعلات جزءًا من نظام أكبر، من شأنه سد الخلل في قصور أساسي، يتمثل في أنّ تَرْك أي مفاعل نووي وحده سوف يسمم نفسه بسرعة. إذ أثناء سير التفاعل المتسلسل، والوقود يتخلف منه المزيد من شظايا تبقى بعد انشطار ذرات اليورانيوم، وهذه بدورها تمتص المزيد من النيوترونات اللازمة للحفاظ على استمرار التفاعل. وربما بعد 18 شهرًا «يستنفد» الوقود وتجب إزالته، برغم أنه لا يزال يحتوي على كثير من طاقته الأصلية.

يقول وليم ماجوود المدير السابق لمكتب الطاقة النووية بوزارة الطاقة الأمريكية، وعضو «هيئة تنظيم الطاقة النووية» الأمريكية حاليًا: «لذلك.. كانت هناك دومًا رؤية أن تكون ثمة بنية تحتية لإعادة تدوير الوقود المستنفد، بما يسمح باستعادة مزيد من طاقة الوقود»، أي أن شبكة عالمية من محطات إعادة المعالجة ستأخذ الوقود المستنفد، وتستخلص كيميائيا المكونات التي لا تزال صالحة للاستخدام، وأغلبها يورانيوم-235، بالإضافة إلى بلوتونيوم-239 الانشطاري المتكون عندما يتم التقاط النيوترونات من قبل اليورانيوم-238 غير الانشطاري، ثم يتم تحويلها إلى وقود طازج للمفاعل. وقد كانت الخطة في الأساس هي الانتقال إلى جيل جديد من المفاعلات «الولودة»، المصممة لتعظيم إنتاج البلوتونيوم. وسوف تكون النفايات مجرد بقايا صغيرة نسبيًّا من نواتج انشطار مكثف، ويمكن التخلص منها في مدافن خرسانية تكون مصممة تصميمًا جيدًا.

أصبحت هذه الرؤية تمثّل استراتيجية الولايات المتحدة الغالبة في الستينات من القرن الماضي وأوائل السبعينات، حسب قول ماجوود، إلى الحد الذي جعل السلطات تنهي كثيرًا من تمويل البحوث لتصاميم المفاعلات غير «الولودة»، بما في ذلك مفاعل الملح المنصهر. وانطلق المخطط.. حيث إنه من بين 437 مفاعلًا نوويًّا لإنتاج الطاقة التي تعمل حاليا في جميع أنحاء العالم، كان 356 مفاعلًا منها هي مفاعلات الماء الخفيف.

وفي مايو 1974، اختبرت الهند قنبلة نووية مصنوعة من البلوتونيوم المستخرج من وقود مفاعل. ووجب على الحكومات آنئذ في جميع أنحاء العالم مواجهة الحقائق الجيوسياسية، إذ إن إعادة المعالجة على نطاق تجاري واسع ستكون مدعاة لانتشار عشوائي للأسلحة النووية، لأن كل محطة إعادة معالجة سوف تتعامل مع بلوتونيوم يُستخدم في صنع القنابل بالطن، وعند ذلك.. كيف يمكن لمفتشي الطاقة الذريّة التيقن من أنه لا أحد قد حوَّل الـ4-6 كيلوجرامات اللازمة إلى سلاح؟

لذلك.. ففي أبريل 1977، حظر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر من إعادة المعالجة تجاريًّا، ثم رفع الرئيس رونالد ريجان ذلك الحظر بعد عدة سنوات، لكن تكاليف المنشآت كانت عالية جدا، لدرجة أنه تم فتح مصنعين فقط لإعادة معالجة وقود المفاعلات تجاريا منذ ذلك الحين، وكلاهما في فرنسا. توقف البحث في المفاعلات «الولودة» إلى حد كبير، لأنها ـ على ما يبدو ـ لا تعني أي شيء دون إعادة المعالجة. وجد المهندسون أنفسهم قد تُركوا، ولديهم مشكلة معقدة، هي التخلص من النفايات؛ إذ سيتحتم عليهم عزل عشرات آلاف الأطنان من الوقود المستنفد لمئات السنين، وذلك لأن فترة عمر النصف للبلوتونيوم-239 هي 24100 سنة. ولا أحد حتى الآن عمل على كيفية ضمان العزل خلال هذا المدى الزمني. (انظر «نيتشر» 473، 266-267؛ 2011).

في الوقت نفسه، جلبت السبعينات أيضًا غضبًا متزايدًا حول مسألة السلامة، فإذا ما انقطع تدفق المياه خلال مفاعل ماء خفيف، لأي سبب من الأسباب؛ ستصبح الحرارة محصورة في قلبه. وحتى لو تم إيقاف المفاعل من الناحية الفنية، يمكن لنواتج الانشطار أن تظل تنتج حرارة من التحلل الإشعاعي، كافية لصهر الوقود، وتسربه إلى البيئة. إن جميع مفاعلات الماء الخفيف بها أنظمة تبريد احتياطية للطوارئ، لكن ماذا لو فشلت هذه الأنظمة؟ وقد تحقق هذا الخوف في مارس 1979، عندما حدث فقدانٌ عارضٌ في المبرد؛ حدث على أثره انصهار جزئي بمفاعل محطة جزيرة «ثري مايل أيلاند» للطاقة النووية بالقرب من هاريسبرج بولاية بنسلفانيا. وتأكد ذلك الخوف دراماتيكيًّا في فوكوشيما، التي شهدت انهيارًا كاملاً في مارس 2011 (انظر «نيتشر» 483، 138-140؛ 2012).

فرصة ثانية

خلق رد الفعل العام والسياسي بعد حادث «ثري مايل أيلاند» خفضًا في جهد الطاقة النووية بجميع أنحاء العالم، استمر لمدة ربع قرن. وألغت شركات الطاقة النووية خططها التوسعية، و ألغيت تقريبًا جميع طلبات مفاعلاتها، بل صارت الصناعة أكثر عزوفًا عن استكشاف تقنيات جديدة. يقول پـير پـيترسُن، المهندس النووي بجامعة كاليفورنيا، بيركلي: «إن هذه الصناعة تنفر من المخاطر؛ للتحرك وتجاوز التقنيات والمواد التي لديهم خبرة طويلة بها»، وهم يعرفون أن بإمكانهم الحصول على موافقة الجهات الرقابية.

وباهتمام قليل من جانب الصناعة، وانعدام الأمل عمليًّا في نشر تقنيات جديدة، كافحت أبحاث المفاعلات المتقدمة للبقاء في ظل دعم غير ثابت وتوجهات متقلبة. يقول مايكل كوراديني، مهندس نووي بجامعة ويسكونسن في ماديسون: «من الصعب جدا القيام بتخطيط وبهندسة متقدمة في البحث والتطوير، إذا كانت الأوضاع متقلبة بشكل كبير».

لم تبدأ هذه الصورة في التغير حتى مطلع الألفية الثالثة، حسبما يتذكر تشارلز فورسبرج، المهندس النووي بمعهد تكنولوجيا ماساتشوستس في كامبردج، حين «نهضت المشروعات النووية في الصين وجنوب آسيا – أيّ مكان لا يملك نفطًا ولا غازًا». ويذكر أن هناك حاليًا 64 مفاعلًا قيد الإنشاء بأنحاء العالم، مع مئات أخرى يُخطط لإنشائها. في الولايات المتحدة، يقول فورسبرج: «أدركت السلطات الاتحادية أننا إذا لم نقم بشيء في الشأن النووي، فلن نكون على الطاولة (مع الكبار)». كذلك، جدَّدَ تغير المناخ الاهتمام بالتكنولوجيا النووية في الولايات المتحدة وأوروبا. ونظرًا إلى عدم انتظام إنتاج مولدات من الرياح والطاقة الشمسية، يشير فورسبرج إلى أنه «إذا كنت تريد التخلص من الوقود الأحفوري، فينبغي أن يكون لديك برنامج نووي جاد».

استثمار راديكالي

من نتائج هذا التركيز المتجدد كان برنامج الطاقة النووية الأمريكي 2010. وقد أُعلن من قبل وزارة الطاقة في فبراير 2002، وصُمِّم هذا المشروع ـ الذي تتقاسم الحكومة والصناعة تكاليفه ـ لمساعدة الشركات المصنعة؛ لتطوير وترخيص مفاعلات الماء الخفيف ذات مزايا السلامة المتقدمة، كالقدرة على الاحتفاظ بالمبرِّد متحركًا خلال (وقوع) حادث، وذلك باستخدام الجاذبية والحمل الطبيعي. ومؤخرًا، جرى التخطيط لبناء عدة مفاعلات منها بأنحاء العالم، بما في ذلك أربعة مفاعلات قيد الإنشاء بالولايات المتحدة، ستمثل أول مفاعلات الجيل الجديد.

قد تجد التصاميم الأكثر راديكالية منفذًا لها مع برنامج تقاسم التكاليف، التابع لوزارة الطاقة؛ لأجل تطوير مفاعل معياري صغير، دُشِّن هذا العام. وهدف هذا المخطط هو الابتعاد عن المشروعات النووية الحالية التي تحسب قدرتها بعدة جيجاوات، وتكلف بين 10 و15 مليار لبنائها، والتوجه نحو مفاعلات بقدرة 250 ميجاوات أو أقل، أي صغيرة بما يكفي لإنتاجها بكثافة في مصنع، ونقلها إلى الموقع المختار. وتتنافس شركات تصنيع وتوريد المفاعلات الأربعة الكبرى، ذات التصميمات المتقدمة بالماء الخفيف، للفوز بالجائزة، التي ذهبت في 20 نوفمبر إلى مجموعة بقيادة شركة «بابكوك وويلكوكس» في شارلوت، بِنورث كارولينا.

ويتوقع پـيترسُن أن تستفيد تصاميم أخرى أيضًا، حيث يضيف موضحًا: «إذا تمكنّا من إنشاء سوق لمفاعلات الماء الخفيف المعيارية الصغيرة، فإن ذلك يجعل تنمية سوق لنماذج مفاعلات أولية متقدمة أكثر سهولة». ويمكن لشركات الطاقة أن تجرب التكنولوجيا الجديدة بمجرد الانتقال لبناء وحدة معيارية أخرى، فإذا نجحت، كان ذلك عظيمًا، كما يقول پـيترسُن، وإذا لم تنجح، فالخسارة ليست كبيرة، مما «يخفض من مخاطرها الإجمالية».

والمفاعلات عالية الحرارة هي المرشح الأبرز كـ«وحدات مفاعلات معيارية» جديدة، وهي تقوم بالضبط بما يوحي به الاسم: إنها تولد بخارًا تصل حرارته إلى 1000 درجة مئوية، أي أعلى بكثير من مستوى 300 درجة مئوية تقريبا التي تتيحها مفاعلات الماء الخفيف. وهذا يتطلب خيارات تصميم مختلفة راديكاليًّا، كاستخدام غاز الهيليوم، بدلًا من الماء لاستخلاص الحرارة (من أجل التبريد)، واستخدام وقود مقاوم للحرارة من أكاسيد وكربيدات اليورانيوم.

ولا يمكن لتلك المفاعلات أن تنصهر؛ فالوقود ثابت حتى درجة حرارة 1600 مئوية، أي أسخن بمئات الدرجات مما يمكن أن يصير إليه قلب المفاعل، حتى لو فقد كل الطاقة والمبرد. إن درجات الحرارة المرتفعة تجعل المفاعلات أكثر كفاءة في إنتاج الكهرباء. ويمكنها خفض انبعاثات الكربون بتوفير الحرارة للعمليات الصناعية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يتم استخدام ما يقرب من 23% من مجموع الطاقة في التطبيقات الصناعية، مثل تكرير البترول وتصنيع البلاستيك، وكثير منها يحتاج إلى درجات حرارة لا تقل عن 700 درجة مئوية. وحاليًا، هناك نزوع إلى توليد درجات الحرارة تلك عن طريق حرق الغاز الطبيعي؛ بينما يمكن أن توفر مفاعلات درجة الحرارة العالية بديلًا خاليًا من الكربون.

وهناك عدد من مفاعلات الحرارة العالية التجارية قيد التطوير بأنحاء العالم. وقد شهد عام 2012 اتفاق مجموعة من شركات البتروكيماويات والشركات المصنعة للمفاعلات على دعم تصميم مفاعل أنتريه Antares عالي الحرارة من شركة أريفا AREVA الفرنسية، بباريس. يقول فريد مور، رئيس القسم الذي يوفر الطاقة والبخار لشركة «داو» Dow للكيماويات، ومقرها ميدلاند بولاية ميتشيجان: «كل ما تبقى هو حوالي 800 مليون دولار لتصميم العمل المطلوب لترخيص التقنية، والوصول بها إلى حيث يمكن لـ«هيئة التنظيم النووي» الموافقة عليها». ويقدِّر مور بأن هذا قد يستغرق من 5-7 سنوات. وإذا سارت الأمور وفق الخطة، فإن أنظمة المفاعلات النووية عالية الحرارة ستكون بين المفاعلات المتقدمة الأولى التي يتم نشرها بعد عقدين من الزمان.

وسوف تأتي المفاعلات السريعة ـ ليس بعدها بكثير ـ التي تعالج مشكلة لا تستطيع مفاعلات الحرارة العالية علاجها؛ وهي الوقود النووي المستنفد، إذ يمكن للمفاعلات السريعة أن تستهلك الوقود، وتحويل النفايات إلى طاقة، وتخفيف مشكلة التخلص منها.

تكون نيوترونات الانشطار ‹سريعة› عندما تنطلق لتوها من أنوية منشطرة حديثًا بمتوسط طاقة نحو 2 مليون إلكترون فولت. وفي مفاعلات الماء الخفيف، يُبطئ الاصطدام بأنوية الهيدروجين في مياه المبرد من سرعة النيترونات إلى جزء صغير فقط من الإلكترون فولت، مما يجعلها أكثر عرضة لتوليد تفاعل انشطاري آخر، لكن يعيب النيوترونات البطيئة أنها بدلًا من شطرها أنوية اليورانيوم المستهدفة، فإنها غالبًا ما تُمتص، وتحول الأنوية إلى نظائر معمرة من البلوتونيوم، والنبتونيوم، والأمريسيوم، والكوريوم، أو عناصر ثقيلة أخرى، حيث تجعل التخلص من الوقود المستنفد كابوسًا. أما النيوترونات السريعة، فعلى النقيض من ذلك.. إذ نادرًا ما يتم امتصاصها. فهي غالبا لا ترتطم بأهدافها، لكن عندما تفعل ذلك، ينشطر الهدف دائمًا تقريبًا. ونتيجة لذلك.. فالمفاعلات السريعة ليست فقط تُجَنِّب مشكلة إنتاج النظائر المعمرة، لكن يمكن أن تدمرها، حتى في الوقود المستهلك.

ويرى پـيترسُن أن بناء مفاعل سريع أمر معقد يتطلب براعة، لأسباب ليس أقلها أنه لا بد من تبريده بواسطة الصوديوم السائل، أو بعض المواد الأخرى التي لن تبطئ النيوترونات، بينما المياه تبطئها. وهذا يمكن أن يتجه بنا نحو تصميم ضخم. ويضيف پـيترسُن: «ذلك يجعل بناء مبادلات الحرارة تحديا كبيرا»، لتوليد بخار لتزويد التوربينات بالطاقة، لأن الصوديوم يتفاعل بعنف مع الرطوبة لإنتاج غاز هيدروجين متفجر. وبحسب پـيترسُن أيضًا، يدرس باحثون بنشاطٍ خيارات تبريد أخرى أقل تفاعلاً، مثل الرصاص، وثاني أكسيد الكربون فائق الحرج.

ومع ذلك.. فقد تم تشغيل نحو 20 مفاعلًا سريعًا بمرور السنين، جاء كثير منها بعد تصميم (المفاعل) الولود في سبعينات القرن الماضي، التي بُنيت لتعظيم إنتاج البلوتونيوم، بدلًا من استهلاكه، وما لا يقل عن أربع شركات مصنعة تطوِّر مفاعلات سريعة صغيرة؛ لاستهلاك الوقود المستنفد. ومن الأمثلة الرائدة لذلك.. مفاعل ابتكاري معياري صغير فائق الطاقة (S-PRISM)، تطوره شركة «جنرال إلكتريك-هيتاشي» في ويلمينجتُن بولاية نورث كارولينا. إنه يستعين بمفاعل سريع صغير مُبرَّد بالصوديوم، مُدمَج بوحدة إعادة تدوير، سوف تأخذ وقود المفاعل المستنفد، وتزيل نواتج الانشطار التي قد تسمم التفاعل النووي، وتعيد الوقود المتجدد مرة أخرى إلى المفاعل. وستعزل سريعًا البلوتونيوم الصالح لإنتاج القنابل.

إن السوق المرتقبة كبيرة، حسب قول إريك لووين، رئيس تطوير المفاعل المتقدم بشركة «جنرال إلكتريك-هيتاشي». كما يقول لووين: «لدينا دراسة عن القابلية للاستخدام، تجري بالتعاون مع المملكة المتحدة، حيث إننا سنأخذ 100 طن بلوتونيوم من محطاتهم لإعادة المعالجة، وتحويلها إلى مورد طاقة». ويضيف لووين قائلاً إن في الولايات المتحدة وغيرها، تتمركز «رؤيتنا في (إنشاء) شبكة مراكز متقدمة لإعادة التدوير»، كل منها بها ستة مفاعلات ابتكارية معيارية صغيرة فائقة الطاقة (S-PRISM)، ومركز واحد لإعادة التدوير، يمكنه الاضطلاع بتدوير النفايات الناتجة من مفاعل واحد إلى ثلاثة مفاعلات ماء خفيف، والتخلص من النفايات المكدسة والمتراكمة حاليًا.

يقول لووين: «لن تكون تلك الشبكة رخيصة. فالتحدي الأساسي سياسي»، مرددًا بذلك صدى ما يقوله فورسبرج وخبراء آخرون كثيرون. ويضيف: «ثمة حاجة (لوضع) إطار سياسة عامة، تجعل الناس ينظرون إلى الوقود المستنفد كمورد، بدلًا من النظر إليه كشيء يجب أن يُلقى بعيدًا».

مفاعلات الملح المنصهر

الميزة العظمى للمفاعلات الصلبة هي هندستها (الموضعية) المتوقعة، بينما عيبها الكبير هو تعقيدها. وشدة القصف النيوتروني، وتوزيع نواتج الانشطار، وإتلاف الإشعاع للهيكل البلوري للوقود؛ كل شيء منها يختلف من نقطة إلى نقطة. هذا صداع مستمر للمصممين الذين يحاولون التيقن من أن تشغيل المفاعل مستقر، ويحاولون إقناع الجهات المنظمة أنه حتى (لو وقع) أسوأ انصهار لن يسمح لأي جزء من الوقود بالانهيار نحو كتلة حرجة.

وكل هذه المخاوف تزول عندما يكون الوقود سائلًا بالفعل. وهذا سبب رئيس وراء رغبة أوك ريدج في تطوير مفاعل الملح المنصهر في الستينات. ويشير «الملح المنصهر» إلى الوقود، وعادة ما يكون رباعي فلوريد اليورانيوم، الذي يكون سائلًا في درجات حرارة التشغيل عند مزجه مع «FLiBe» (خليط من فلوريد الليثيوم «LiF» وفلوريد البريليوم «BeF2») الذي يعمل كمبرد. يقول فورسبرج: «إنها قِدر؛ قدر كبيرة صماء»، ويضيف: «إنك تلقي بالوقود فيها، ممتزجًا؛ ولا يتغير التركيب الكلي على الإطلاق».

يقول سورنسن: «للوقود السائل ميزة أخرى كبيرة، فليس عليك إزالته من المفاعل حتى يُستهلك تمامًا». وبدلًا من ذلك.. يتم تدوير الوقود من خلال وحدة إعادة تدوير خارجية تستخلص نواتج الانشطار باستمرار، ومن ثم الحفاظ على الوقود من تعرضه للتسمم. ويلفت سورنسن إلى أن هذا التصميم أيضا يسمح بنهج رائع فيما يتصل بالأمان والسلامة، إذ يوجد في الجزء السفلي من المفاعل ثقب، مسدود بقطعة من الوقود، يتم الاحتفاظ بها صلبة بواسطة وحدة تبريد، فإذا فقد المفاعل الطاقة في حالة طارئة؛ سيتوقف التبريد، وسوف يذوب السدد ويتم تصريف الوقود منسابًا بأمان إلى خزانات تحت الأرض. وأخيرًا، يمكن لتصميم الملح المنصهر استيعاب مجموعة متنوعة من الوقود، تتراوح من اليورانيوم التقليدي إلى النفايات النووية الخام، أو الثوريوم، وهو عنصر أكثر وفرة من اليورانيوم بثلاث مرات تقريبًا.

لذلك كله.. فإن إحياء مفاعل الملح المنصهر بعد توقف دام أربعة عقود هو مهمة شاقة. يقول سورنسن إنه «يجب علينا إعادة بناء القاعدة المعرفية التي تلاشت إلى حد كبير». لقد أسس سورنسن شركة Flibe Energy للطاقة ليحاول عمل ذلك، على أي حال. وتطوِّر هذه الشركة حاليًا مفاعلاً بقدرة 40 ميجاوات، قد يُستخدم في القواعد العسكرية، بحيث يعمل مستقلاً عن الشبكة.

فرصة أكيدة

في سبتمبر 2011، أصبح فورسبرج، وپـيترسُن، ولين-وين هُو من معهد تكنولوجيا ماساتشوستس، وكذلك تُود ألن المهندس النووي بجامعة ويسكونسن في ماديسون، باحثين رئيسين لمدة 3 سنوات في مشروع تموله وزارة الطاقة الأمريكية يمثل خطوة على طريق مفاعل الملح المنصهر؛ مفاعل عالي الحرارة بتبريد “FLiBe”. يقول پـيترسُن: «ما من أحد شيد مفاعلاً مبردًا بالملح يعمل بالوقود الصلب في أي وقت مضى»، لكن إذا نجح المشروع، فإن قلب المفاعل يمكن أن يكون أصغر بأربع أو خمس مرات من الموجود بالتصاميم الأخرى. ونظرًا إلى استقرار ملح FLiBe، فإنه «سيكون دائما دون حدود الانهيار بمئات من الدرجات»، بحسب پـيترسن.

يقول پـيترسن أيضا إن الشركة يمكنها حيازة مفاعل اختبار خلال عقد من الزمن، برغم أن «ذلك يفترض وفرة في الموارد». وذلك افتراض كبير حسبما يقول؛ فالأزمة الاقتصادية العالمية جعلت الحصول على تمويل لجميع المفاعلات المتقدمة أصعب بكثير. ويلاحظ كوراديني أن «مشروعات عديدة للطاقة النظيفة بالولايات المتحدة قد تأجلت، وليس فقط النووية، بسبب رخص الوقود الأحفوري»، مشيرًا إلى وفرة الغاز المفاجئة بطبقات الطين الصفحي بالولايات المتحدة.

يستشرف بول جنوا ـ مدير تطوير السياسات بـ«معهد الطاقة النووية»، وهي مجموعة تجارية بواشنطن العاصمة ـ رؤيةً أبعد. يقول جنوا: «لقد شيدنا مفاعلات الماء الخفيف أولًا، لبدء سير العمل». وفي عشرينات هذه الألفية ستأتي مفاعلات الماء الخفيف المتقدمة لزيادة السلامة، تليها المفاعلات عالية الحرارة التي ستوسع الهجوم على انبعاثات الكربون. وبعد ذلك.. «نبني مفاعلات سريعة؛ لتستهلك النفايات».

يقول جنوا إن مفاعلات الملح المنصهر شيء يشبه بطاقة اللعب الرابحة، لكنها تستحق التطوير. وحتى بعض البطاقات الأكثر ربحية قيد البحث، وأحد أمثلتها البارزة مفاعل يدار بمعجل ذري، من شأنه دفع انشطار النيوترونات عن طريق معجل جسيمات عالي الطاقة. ويمكن تغذية (المفاعل) بالثوريوم، وإغلاقه فورًا بقطع التيار عن المعجل.

تُرى هل تتطور الطاقة النووية حقا؟ العاملون في هذا الحقل يرون سببًا للتفاؤل، خاصة إذا كانت الحكومات مدفوعة بالعواقب الملموسة لتغير المناخ بشكل متزايد إلى وضع سعر للكربون. ويقول جنوا إنه حتى كارثة فوكوشيما النووية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى نشوء تقنيات جديدة. ويضيف قائلاً إنها أخافت العامة، وجعلتهم يشعرون بقلق إزاء الطاقة النووية. وبينما يدقق الناس النظر، تراهم يقولون «مهلاً، تلك كانت محطة عمرها 30 عامًا». في الوقت المناسب، ستبدو المفاعلات الذكية الجديدة إجمالاً أكثر جاذبية بكثير.ية بكثير.