أنباء وآراء

علم المناعة: الفيتامينات تُطْلِق المناعة الأساسيّة

يمكن لمشتقّات فيتامين «ب» التقيد بالبروتين الذي يقدّم المستضدّات، ويحفّز أنواعًا متخصصة من خلايا المناعة، مما يطرح آلية جديدة، يمكن للجهاز المناعي بواسطتها أن يكتشف عدوى الميكروبات.

  • ويي جين شوا
  • تيد هـ. هانسُن
  • Published online:

تلعب فيتامينات عديدة دورًا محوريًّا في وظائف الجهاز المناعي، فضلًا عن وظائفها الحيويّة في عمليّات التطوّر والنمو والأيض. ومن المعروف أنّ كلًا من فيتامين«د»1، وفيتامين«أ»2، القابلين للذوبان في الدهون يؤدي دورًا كبيرًا في تعديل الاستجابة المناعيّة، لكن ما يطرحه كيير نيلسُن وآخرون في تقرير نشر سابقًا في «نيتشر» الإنجليزية هو وظيفة مناعية مختلفة تمامًا، يقوم بها الفيتامين «ب2» (الريبوفلافين) وشقيقه «ب9» (حمض الفوليك)3، وهي الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء؛ حيث يطرح المؤلّفون البرهان على أنّ الجزيئات الناتجة عن الأيض الذي تبذله البكتيريا على أنواع بعينها من فيتامين «ب» لها قدرة على تنشيط فئة من الخلايا المناعية التائيّة T-cells المُسمّاة الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة (MAIT) الّتي تقوم بدورها باكتشاف الخلايا المُصابة بالعدوى عبر أيض الفيتامينات المرتبطة بسطح هذه الخلايا، وهو ما يعني أنّ الفيتامينات لها القدرة على العمل كمستضدّات (مواد تقوم بتنشيط الخلايا المناعيّة التائيّة T-cells والبائيّة B-cells ) كما يعزّز من تفهّمنا لهذا الذراع الجديد للجهاز المناعي.

تُمثّل الخلايا التائيّة T-cells بمختلف أنواعها لاعبًا أساسيًّا في الجهاز المناعي، مقدّمة الحماية اللازمة ضد الإصابة بالعدوى. ومن أشهر أنواع الخلايا التائيّة: T-cells CD4+ وT-cells CD8+ الموجودتان في معظم أنحاء الجسد، كما تحمل كل منهما على سطحها طيفًا واسعًا من مستقبلات المستضدّات؛ حيث ترتبط هذه المستقبلات بمستضدّات الببتايد (أجزاء من تركيب البروتينات) الموجودة على سطح الخلايا الأخرى بواسطة أحد بروتينات الغشاء الخلوي، الذي ينتمي بدوره إلى عائلة «مركّبات التوافق النسيجي الرئيسة» (MHC). ويذكر أنّ تطوّر هذين النوعين من الخلايا التائيّة التقليديّة يعتمد أساسًا على جزيئات «مركّب التوافق النسيجي الرئيسة» (MHC).

وعلى النقيض، فإنّ الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة تمثّل نوعًا غير تقليدي من الخلايا التائيّة؛ حيث توجد بأعداد كبيرة في الأمعاء والكبد، وكذلك في الرئتين4 كما تتمتّع بتنوّع محدود لمستقبلات المستضدّات. ويذكر أنّ تطوّر هذا النوع من الخلايا التائيّة يعتمد في الأساس على أحد البروتينات المرتبطة بمركّبات التوافق النسيجي الرئيسة، ويُطلق عليه اسم «MR1»، وقد تم الإبقاء عليه طوال رحلة تطوّر الثدييات. ونظرًا إلى التشابه الشديد بين تسلسل الأحماض الأمينيّة في جزيء «MR1» وتلك الموجودة بجزئيات مركّبات التوافق النسيجي الرئيسة، فإنّ مركّب MR1 يرتبط بمستضدّات بعينها، تقوم بدورها بتنشيط الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة. وتطرح الدراسات الجينيّة والكيميائيّة الحيويّة الدور الذي يلعبه المركّب MR1 في تقديم المستضدّات لتنشيط الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة، رغم عدم التعرّف على الطبيعة الكيميائيّة له إلى الآن5.

وبصورة فريدة عن أنواع الخلايا التائيّة الأخرى، تعتمد الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة ـ في بقائها ـ على البكتيريا المتطفّلة الّتي تُعدّ كائنات ميكروبيّة غير مُمرضة تعيش على الجسم البشري وبداخله. كذلك ينشط هذا النوع من الخلايا بواسطة الخلايا المُصابة بالعدوى من قبل طيف واسع من أنواع البكتيريا والفطريات (وليس الفيروسات)6,7. وحسب هذه النتائج، فإنّ جزيئات المركّب MR1 تتقيد غالبًا بمستضدّات ميكروبيّة يتمّ تقديمها بعد ذلك للخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة.

وبهذا.. يُمكن القول إنّ كيير نيلسن وزملاءہ قد تخطّوا مرحلة رئيسة نحو التعرّف الدقيق على كيفيّة تقديم جزيء MR1 بتحديد التركيب البلوري للجزيء المرتبط بأحد نواتج الأيض لحمض الفوليك «6 -فورميل الپيتيرين» (6-FP). انطلقت هذه الدراسة عن ملاحظة عارضة قابلت الباحثين؛ حيث عزّز استخدام وسائط محتوية لحمض الفوليك طي جزيئات بروتين MR1 المشوهة.

الشكل 1 | أنمطة تقديم المستضدّات. أ) ترتبط الخلايا التائية التقليدية CD4+، وCD8+ بالمستضدّات المقدّمة على جزيئات مركّبات التوافق النسيجي MHC على سطح الخلايا الأخرى، وتكون هذه المستضدّات في الغالب عبارة عن سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية (الببتايدات) المشتقّة من البروتينات، وتعبر الكرات الصغيرة الممتدّة من الببتيد عن سلاسل الأحماض الأمينية الجانبية التي تربط الببتيد بمركّبات التوافق النسيجي MHC أو يمكن اكتشافها بواسطة مستقبلات الخلايا التائية، مثل الببتيد المشتق من فيروس الأنفلونزا، الذي يحفّز الخلايا التائية CD8+ كما يظهر في الصورة أسفل الخلايا. ب) فئة أخرى من الخلايا التائية تُسمّى الخلايا القاتلة الطبيعية NKT التي تتعرّف على المستضدّات المشتقّة من جزيئات الدهون المقدّمة بواسطة خلايا تحمل جزيئًا يُسمّى CD1d، الذي يتميّز بوجود تجويفات عميقة يُمكنها استيعاب سلاسل الدهون الموجودة في المستضد، كالدهن السكّري الذي يقوم بتحفيز الخلايا القاتلة الطبيعية، كما هو مصوّر في الشكل. ج) يُظهر كيير نيلسن وزملاؤه أنّ نوعًا ثالثًا من جزيئات تقديم المستضدّات يُسمّى MR1 يقوم بتقديم أيضات الفيتامين ب لنوع من الخلايا التائيّة يُسمّى الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة (MAIT)، ويقدّم المؤلّفون هيكلًا بلوريًّا للجزيء MR1 المرتبط بمشتقات فيتامين«ب9» الذي يُظهر بدوره التجويف الذي يرتبط فيه المستضدّ، ويستوعب هياكل حلقات البترين المميّزة للفيتامين ب وأيضاتها، مثل أيضات الفيتامين ب<sup>2</sup> التي تقوم بتحفيز الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة (MAIT).

الشكل 1 | أنمطة تقديم المستضدّات. أ) ترتبط الخلايا التائية التقليدية CD4+، وCD8+ بالمستضدّات المقدّمة على جزيئات مركّبات التوافق النسيجي MHC على سطح الخلايا الأخرى، وتكون هذه المستضدّات في الغالب عبارة عن سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية (الببتايدات) المشتقّة من البروتينات، وتعبر الكرات الصغيرة الممتدّة من الببتيد عن سلاسل الأحماض الأمينية الجانبية التي تربط الببتيد بمركّبات التوافق النسيجي MHC أو يمكن اكتشافها بواسطة مستقبلات الخلايا التائية، مثل الببتيد المشتق من فيروس الأنفلونزا، الذي يحفّز الخلايا التائية CD8+ كما يظهر في الصورة أسفل الخلايا. ب) فئة أخرى من الخلايا التائية تُسمّى الخلايا القاتلة الطبيعية NKT التي تتعرّف على المستضدّات المشتقّة من جزيئات الدهون المقدّمة بواسطة خلايا تحمل جزيئًا يُسمّى CD1d، الذي يتميّز بوجود تجويفات عميقة يُمكنها استيعاب سلاسل الدهون الموجودة في المستضد، كالدهن السكّري الذي يقوم بتحفيز الخلايا القاتلة الطبيعية، كما هو مصوّر في الشكل. ج) يُظهر كيير نيلسن وزملاؤه أنّ نوعًا ثالثًا من جزيئات تقديم المستضدّات يُسمّى MR1 يقوم بتقديم أيضات الفيتامين ب لنوع من الخلايا التائيّة يُسمّى الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة (MAIT)، ويقدّم المؤلّفون هيكلًا بلوريًّا للجزيء MR1 المرتبط بمشتقات فيتامين«ب9» الذي يُظهر بدوره التجويف الذي يرتبط فيه المستضدّ، ويستوعب هياكل حلقات البترين المميّزة للفيتامين ب وأيضاتها، مثل أيضات الفيتامين ب2 التي تقوم بتحفيز الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة (MAIT).

كبر الصورة

ويُظهر التركيب البلوري الذي اقترحه المؤلّفون أن تجويف ارتباط المستضدّات يشتمل ـ بشكل خاص ـ على حلقات البترين الّتي تتمثّل في صورة مركّبات مُسَقّلة تحتوي عليها بعض الفيتامينات ب وأيضاتها، كما تمكّنوا من التوصّل إلى قدرة مشتقّات الريبوفلافين على تنشيط الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة (MAIT) خارج الجسم البشري عند الارتباط بالمركّب MR1 على النقيض من مركّب «6-FP–MR1» الّذي لا يستطيع القيام بهذا الدور، وهو أول البراهين على قدرة مركّب MR1 على الارتباط بأيض فيتامين«ب»، وقدرة بعض الأيض على تنشيط الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة فيما يحدّد بدوره من نموذجًا جديدًا من تقديم المستضدّات للخلايا المناعيّة؛ فمن المعروف مسبقًا أنّ مركّبات التوافق النسيجي الرئيسة تقوم بتقديم الببتايدات للخلايا التائيّة «CD4+»، و«CD8+»، بينما يقوم مركّب آخر شبيه -يُطلق عليه «CD1d»- بتقديم جزيئات الدهون لفئة أُخرى من الخلايا التائيّة، يُطلق عليها «القاتلة الطبيعيّة» NK، لكن ما أصبح لدينا الآن هو دليل على أنّ جزيئات مركّب MR1 تقوم بتقديم أيض فيتامين«ب» للخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة (الشكل 1).

وما زالت الآلية الدقيقة الّتي ترتبط بها عملية تقديم المستضدّات بالمناعة ضد الميكروبات غير واضحة تمامًا، لكن ما يقترحه كيير نيلسن وزملاؤه هو آلية تتمكّن بها الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة من اكتشاف ومجابهة الإصابة بالعدوى، عن طريق تقديم أيض الفيتامين«ب» على سطح الخلايا المُستضيفة المُصابة بالعدوى. ودعمًا لهذا المقترح، أدرج المؤلّفون النتيجة السابقة الّتي أظهرت أنّ المسار الأيضي الذي يُنتج جزيئات المستضدّات لا يوجد إلّا في الميكروبات التي سبق التعرّف على قدرتها على تنشيط الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة خارج الجسم البشري6,7، لكن ما زال هذا الارتباط بحاجة إلى إخضاعه للاختبار بطريقة تجريبية؛ لتحديد مدى أهمية تقديم أيض الفيتامين«ب» في التصدي للعدوى.

هذا.. ومن المثير أيضًا أن يتم التعرف على الموضع الخلوي، والآلية التي تتمكّن بها أيضات الفيتامين ب من الارتباط ببروتينات المركّب MR1، والدور الّذي تلعبه الإصابة بالعدوى في هذه العمليّة؛ ففي الفئران الخالية من الميكروبات ـ الّتي لا تحتوي على أي من البكتيريا الطفيلية، بما يجعلها لا تحتوي على الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة ـ تسمح إضافة أنواع بعينها من البكتيريا الطفيلية بتكوّن ذلك النوع من الخلايا7، لكن ما يثير الفضول أنّ أنواع البكتيريا الطفيلية لا تحتوي جميعها على المسار الأيضي الذي يُنتج الأيض الذي درسه كيير نيلسن وزملاؤه، وهو ما يتضمّن وجود روابط أخرى لمركّب MR1، تلعب دورًا في اكتشاف الميكروبات بواسطة الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة، فضلًا عن جزيئات خلوية ناقلة للإشارة، كالإنترلوكين 12 و23 (IL-12، IL-23) المعروفة بقدرتها على تنشيط الخلايا التائيّة الثابتة8,9 الخاصّة بالأغشية المخاطيّة، وهو ما قد يخفف من أهمية الإشارات المنشّطة المُشتقّة من تقديم الفيتامين بواسطة مركّب MR1.

يُثار سؤال آخر حول الأدوار التي تؤدّيها الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة في الأمعاء؛ فمن المعروف أنّ الفيتامينات تعمل على تنسيق العلاقات بين مناعة الثدييات، وبين البكتيريا المعوية المتطفّلة وغيرها من الميكروبات المُمرضة10. وعلى سبيل المثال.. يعمل الفيتامين«ب9» ومشتقاته كإنزيم مساعد في المسارات الأيضية الأساسية11، فضلًا عن حاجة الخلايا التائية المنظّمة إليه للبقاء12. ويرى كيير نيلسن وزملاؤه أنّ التفاعلات بين الجسم المُضيف والبكتيريا المعويّة قد تتأثّر بتقديم المستضدّات الميكروبيّة عبر مركّب MR1 للخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة.

ويبزغ عن هذه الفكرة نموذج لتطوّر الثدييات، يشتمل على تكاثر البكتيريا الطفيلية بأعداد كبيرة في الجسم المضيف، بما يسمح للخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة بالتكوّن والنمو في الغدة الزعترية (thymus)، لتنتقل بعد ذلك إلى غيرها من الأعضاء، وخاصةً الرئتين والكبد والأمعاء، حيث تقوم بدورها في التصدي للعدوى البكتيريّة13. ورغم الحاجة إلى مزيد من الجهد، فإنّه من المثير أن تتضاعف الحماية التي تقدمها الخلايا التائيّة الثابتة الخاصّة بالأغشية المخاطيّة بمواجهة المُمرِضات عند تزايد نسب الفيتامينات في الغذاء، أو عند تناول علاجات تحتوي على الپيتيرين، وهو ما يعزّز الاستجابة المناعية لمواجهة الميكروبات، أو حتّى علاج أمراض العوز المناعي.

  1. US Food and Drug Administration, Bethesda Maryland 20892, USA

    • ويي جين شوا
  2. Washington University School of Medicine, St Louis Missouri 63110, USA

    • تيد هـ. هانسُن
  1. Chun, R. F., Adams, J. S. & Hewison, M. Expert Rev. Clin. Pharmacol. 4, 583–591 (2011).
  2. Hall, J. A., Grainger, J. R., Spencer, S. P. & Belkaid, Y. Immunity 35, 13–22 (2011).
  3. Kjer-Nielsen, L. et al. Nature 491, 717–723 (2012).
  4. Treiner, E. et al. Nature 422, 164–169 (2003).
  5. Huang, S. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 106, 8290–8295 (2009).
  6. Gold, M. C. et al. PLoS Biol. 8, e1000407 (2010).
  7. Le Bourhis, L. et al. Nature Immunol. 11, 701–708 (2010).
  8. Chua, W.-J. et al. Infect. Immun. 80, 3256–3267 (2012).
  9. Chiba, A. Arthritis Rheum. 64, 153–161 (2012).
  10. Nicholson, J. K. et al. Science 336, 1262–1267 (2012).
  11. Said, H. M. Biochem. J. 437, 357–372 (2011).
  12. Kunisawa, J., Hashimoto, E., Ishikawa, I. & Kiyono, H. PLoS ONE 7, e32094 (2012).
  13. Koenig, J. E. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108 (suppl. 1), 4578–4585 (2011).