رؤية كونية

ما مدى قدرة بلدك على التكيُّف مع المخاطر البيئية؟

"إن الأحداث المناخية بالغة القسوة في ازدياد واضح. ولذلك.. يجب على الحكومات تطبيق استراتيجيات وطنية متكاملة لإدارة المخاطر" إروان ميشيل - كِرْجان

إروان ميشيل ـ كرجان
  • Published online:

ينما تواصل الولايات المتحدة إزالة مخلفات الإعصار العظيم «ساندي»، نلاحظ مجددًا مدى عُرْضتنا للأحداث المناخية شديدة القسوة، فقد كان الدمار كبيرًا، حيث تشير الإحصاءات إلى خسائر اقتصادية بلغت 50 مليار دولار، وإلى إجلاء سكاني واسع النطاق، وإغلاق آلاف الشركات والمؤسسات والهيئات أبوابها وقائيًّا، وبقاء ملايين الأميركيين من دون تيار كهربائي لأيام عديدة، لكن طريقة استخدام العلوم لدعم صناعة القرار أحاطت الكارثة ببصيص من الأمل.

ورغم ذلك.. ينبغي بذل جهد أكبر بكثير؛ لجَعْل تعامُل الدول إزاء الأحداث المناخية شديدة القسوة أكثر مرونة، من خلال تطوير استراتيجيات وطنية متكاملة لإدارة المخاطر.

لقد اختلف تعامل الولايات المتحدة مع إعصار «ساندي» بشكل كبير عنه مع إعصار «كاترينا». ففي 2005، فوجئ العالم بعدم قدرة البلاد على استشراف انهيار محتمل لنظام السدود في نيو أورليانز، والإبلاغ عنه بفاعلية، وبعدم قدرة الحكومة على تلبية المتطلبات الرئيسة للمتضررين.

وقد تسبب إعصار «كاترينا» في مقتل 1300 شخص في الولايات المتحدة ـ كان يمكن لكثير منهم تجنُّبه ـ أما إعصار «ساندي»، فكان عدد ضحاياه أقل بكثير. والمقارنات بين الإعصارين ليست بالغة الدقة، لكن من الواضح أن الاستخدام الممنهج للدليل العلمي من قبل الحكومة والإعلام قاد إلى إدارة أكثر فاعلية للأزمة. وقد ساعدت المعلومات عن المسار المحتمل لإعصار «ساندي» والظروف المرافقة حال بلوغه اليابسة كثيرًا، وذلك بناء على توقعات محلية ودولية لسرعة الرياح واندفاع العاصفة.

بعد مرور أيام على إعصار «ساندي»، سافرتُ من نيويورك إلى مكسيكو سيتي؛ للمشاركة في الجولة الأخيرة من اجتماعات مجموعة العشرين، التي ضمت وزراء مال ومديري مصارف مركزية في عشرين قوة اقتصادية رئيسة. وقد أقرَّت المجموعة رسميًّا هذا العام اعتبار تمويل مخاطر الكوارث وإدارتها على قائمة الأولويات.

يرسل هذا إشارة مهمة إلى المجتمع الدولي، لأن إعصار «ساندي» لم يكن نموذجًا استثنائيًّا، بل قد يكون هذا هو المعيار الجديد في ظل استمرار التطوير المتواصل في المناطق الأكثر عرضة للكوارث الحادة التي تنتج أضرارًا متزايدة باستمرار.

لقد ارتفعت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية حول العالم من مليار دولار في الفترة من 1981-1990 إلى 1,213 مليار دولار خلال الفترة 2001-2010، وبلغت في عام 2011 وحده 380 مليار دولار، غالبًا بسبب الهزات الأرضية، وتسونامي، والحادث النووي في اليابان. وخلال العام الماضي، خلّفت الهزات الأرضية خسائر جمّة في هايتي، وشيلي، ونيوزيلاندا، وغمرت فيضانات واسعة أستراليا والصين وباكستان وتايلاند. وخلال العقد الماضي خلفت سلسلة أعاصير خسائر اقتصادية بمئات مليارات الدولارات في الأميركتين.

انطلاقًا من ذلك.. ينبغي على الحكومات أن تستطيع الإجابة بشكل شامل وكُلِّي على خمس أسئلة، تشكل ركيزة الإدارة الوطنية للمخاطر: ما هي المخاطر التي نواجهها وأين؟ وما هي الممتلكات المعرَّضة للخطر، والسكان المعرَّضون للمخاطر، وإلى أي درجة؟ وما هي الأعباء المالية التي تلقيها هذه المخاطر على الأفراد والأعمال وموازنة الحكومة؟ وما هي الطريقة المثلى للاستثمار؛ لتقليص المخاطر، وتعزيز المرونة الاقتصادية والاجتماعية؟ هناك حكومات كثيرة لا تعرف الإجابة عن هذه الأسئلة.

في إحصائية أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2011، لم يستطع أكثر من نصف الحكومات المستطلعة تقييم المبالغ الإجمالية للخسائر المؤمّن عليها من الكوارث «ويتطلب هذا مجرد جمع المعلومات من شركات التأمين»، حيث لا يملك معظمها معلومات منظمة ومتوفرة حول إجمالي الخسائر؛ لتقييم مدى التعرض للكوارث.

يتطلب الاستعداد لمواجهة الكوارث إجراءات عديدة، بدءًا من وضع أجهزة للإنذار المبكر، وضرورة التخطيط العمراني وتخطيط المناطق على أعلى المستويات مع وجود نظرة مستقبلية، وصولاً إلى التكيّف والحماية المالية، وعمل تقديرات مفصلة لأقسام المجتمع كافة، بما فيها الكشف المالي للحكومة نفسها، إلا أنه حتى الولايات المتحدة الأمريكية لا تملك قاعدة معلومات وطنية متوفرة حول المساكن والمباني في المناطق المعرَّضة للفيضانات.

هذا الأمر محبِط لا شك، إذا أخذنا في الاعتبار التحسينات الهائلة في قدرتنا على إجراء تقييم تقديري واسع النطاق لمخاطر الكوارث؛ من أجل قياس المخاطر، وتقييم مدى عُرضة المباني والبنية التحتية وسبل العيش للكوارث، واحتساب الخسائر المتوقعة.

لا تزال التقديرات غير مثالية، لكنها في تحسن مستمر، ويستخدمها قطاع التأمين لإدارة تريليونات اليورو من التغطيات حول العالم. وإذا ما أُجريت على صعيد وطني، فستتمكن من وضع أسس استراتيجية وطنية لإدارة المخاطر، مرتكزةً على العلوم، لن تكون متدنية الكلفة، لكنها ستكون استثمارًا حكيمًا.

يتطلب إجراء ذلك ومواجهة جميع الأحداث المناخية شديدة القسوة ـ التي ربما يواجهها بلد ما، ومن أجل التخفيف من حدتها، وتمويلها، والتغلب على العوائق السلوكية ـ عملاً استثنائيًّا، وتنسيقاً كبيرًا بين كل من العلماء والوزارات الحكومية. وأقترحُ أن تعيِّن الحكومات مسؤولين وزاريين عن المخاطر الوطنية، على غرار مسؤولي إدارة المخاطر لدى مؤسسات القطاع الخاص.

في عام 2008، جمع البنك الدولي والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، مجموعة صغيرة من الخبراء لهذه الغاية في المغرب. كنتُ مشاركًا منذ البداية.. ومع انتهاء المرحلة التقييمية المبدئية، ندعم اليوم المغرب في تطوير استراتيجية وطنية متكاملة؛ لتخفيف تأثيرات الفيضانات والهزّات الأرضية، والأعاصير، والجفاف، وتقلب أسعار السلع، والمخاطر الزراعية، أتمنى أن يشكل المغرب نموذجًا جيدًا لما يمكن فعله. وبالنسبة إلينا، كعلماء ومهندسين وخبراء ماليين، فإن إدراك أن عملنا سيسهم مباشرة في إنقاذ حياة الناس ومساعدة الملايين من العائلات على التعافي من الكوارث؛ لهو شيء رائع للغاية.

يريد عدد متزايد من قادة الدول أن يجعلوا أولوية في جداول أعمالهم ومخططاتهم لأهمية التكيُّف مع الأخطار المناخية والاستعداد لها، لكنهم غير واثقين من الخطوة الأولى التي يجب عليهم أن يتخذوها، إذ تتطلب الممارسة الجيدة مزيجًا من المعرفة الكميّة، والقيادة العليا الرشيدة.. فهلّا بدأنا؟