تعليقات

نماذج كائنات حية: هناك كائنات حية كثيرة غير الفئران والذباب..

تحـذِّر جيسيـكـا بولكـر، قائـلةً: «قـلـة أعـداد الكائنـات الحيـة التي تُجْرَى عليـها التـجـارب تفرض قيـودًا على الأبحــاث بطــرق ينبــغي الإقرار بها ومعالجتها»

جيسيكا بولكر
  • Published online:

تتمحور الحياة بالنسبة لمعظم علماء الأحياء التجريبيين حول حفنة من الأنواع: الفأر المنزلي (Mus musculus)، والديدان الأسطوانية (Caenorhabditis elegans)، وذبابة الفاكهة (Drosophila melanogaster)، ونبات الرشاد (Arabidopsis thaliana). ومع افتراض أن الكائنات النموذجية توفر لمحة شاملة عن طبيعة موضوع البحث، نرى وكالات التمويل تقدم قدرا كبيرا من الدعم؛ للعمل المستند إلى قائمة موجزة من الأنواع المفضلة (www.nih.gov/science/models).

ولا يحتاج العلماء الذين يقدمون طلبات الِمنح لمشروع يستخدم نماذج الكائنات الحية الشائعة في التجارب إلى الكثير من الشرح لتفسير خيارهم. وعلى النقيض من ذلك.. فإن اختيار نموذج أقل شيوعا، يكون ملائمًا بشكل خاص للبحث يتطلبُ تبريرا مطولاً؛ لإقناع الزملاء المشككين، وغالبا ما يترافق رفض طلبات المنح الخاصة بالمشروعات التي تستخدم أنواعا نادرة، مع اقتراح أن يستخدم مقدم الطلب كائنا نموذجيا بدلاً منها، إذ ينبغي لأي نموذج معروف أن يكون قادرًا على الإجابة على الأسئلة المهمة.

ILLUSTRATION BY PHIL DISLEY

تعود الاستثمارات في مجال الأبحاث التي تستخدم عددا قليلا من النماذج بنتائج وفيرة في المعرفة الأساسية والتطور الطبي، وتقوم مهن عديدة ومختبرات ومنشورات علمية على مكانة الذبابة، والفأر والدودة1، بيد أن دراسة عدد قليل فقط من الكائنات يحدّ من قدرة العلم على توفير الإجابات التي يمكن لهذه الكائنات أن تقدمها.

ولا تأتي القوة الاستثنائية لنماذج الكائنات الحية المستخدمة بالتجارب خالصة دون عيوب كالعدسة المكبرة التي يمكنك أن تحصل من خلالها على قدرة تكبيرية، لكن مع نطاق ضيق للرؤية. وعلى سبيل المثال.. تم اختيار نماذج الكائنات الحية التقليدية في تجارب علم البيولوجيا التطورية ـ كالذبابة ـ نظرًا إلى أن أنماطها الظاهرية تعكس مباشرة أنماطها الجينية، بأدنى قدر من التدخل البيئي. ولا تتناسب هذه النماذج مع الأسئلة التي يطرحها العلماء في المجالات الناشئة حديثا، كعلم «البيولوجيا التطورية البيئية» eco-devo، ذلك العِلْم الذي يركز على التأثير الخارجي على الأنماط الظاهرية المتطورة.

وتنطوي مثل تلك القيود على عواقب خطيرة، فقد تفسر لنا الفوارق بين الفئران والبشر لماذا أنتجت ملايين الدولارات ـ التي تم إنفاقها على الأبحاث الأساسية ـ عددًا قليلاً محبِطًا من الإنجازات العلمية1-4. إن تضييق مجال البحث للغاية يحدّ من الفهم الأساسي بطريقة يمكن أن تقود مباشرةً إلى فشل التجارب الإكلينيكية. وعلى سبيل المثال.. فقد أدى علاج تجريبي للتصلب اللويحي لدى سلالات الفئران المرباة داخليا إلى تحسّن حالتها، لكن هذا العلاج للبشر أدَّى إلى استجابات غير متوقعة، وأحيانا عكسية. لقد أخفق نموذج سلالات الفئران المرباة داخليًّا في بيان التنوع الوراثي والمناعي للخلايا البشرية، وهو عيب لم يُرصَد في آنِهِ، وإنما اتضح لاحقاً². لقد حان الوقت لإعادة التفكير في كيفية استخدامنا للنماذج، الأمر الذي يعني مناقشة بعض الافتراضات الضمنية، ومنها ـ على سبيل المثال ـ مدى كفاءة نماذج القوارض؛ لبيان أعراض مرض بشري معين بشكل كامل، مما يعني ضرورة التمعّن في كيفية انتقائنا واستخدامنا لأنواع نماذجنا المفضلة، والإقرار بكل نقاط قوتها وقصورها، وهذا بدوره يعني ترحيب المموِّلين والمنشورات العلمية باستخدام نماذج كائنات غير تلك المتعارف عليها.

نماذج التوافق

كيف تمركزَ البحثُ العلمي حول حفنة من الأنواع؟. يتعلق الأمر أحيانا بالتوافق، أكثر مما يرتبط بالتخطيط الاستراتيجي. لقد برزت ذبابة الفاكهة إلى الواجهة جزئيا في أوائل التسعينات، نظرا إلى أن أجيالها قصيرة العمر كانت ملائمة لمشروعات الطلاب، ولأن أزواجها الأربعة من الصبغيات الكبيرة كانت مثاليةً لدراسة علم الوراثة لدى الكائنات حقيقية النواة5. وبعد ذلك أصبحت الخمائر، والفئران، والدجاج، والأنواع المألوفة الأخرى هي المفضلة، نظرًا إلى شيوعها وتوفرها. وقد أدى استخدام تجمعات ضفادع المختبرات (Xenopus laevis) في اختبارات الحمل إلى تجنيدها كنموذج للأبحاث التطورية.

ومع نمو العلم المرتكِز على النماذج؛ أصبحت تلك الأنواع شائعةً على نحو متزايد، على الرغم من الطريقة الاعتباطية التي تم ـ بناءً عليها ـ اختيارها في الأساس. والآن، نجد أنه إذا عجز الباحثون عن معالجة المشكلة باستخدام الأنواع المعروفة، فربما لا يقومون بدراستها على الإطلاق¹.

لنأخذ ـ على سبيل المثال ـ علم البيولوجيا التطورية الحديث، حيث يتمحور هذا الحقل حول الكائنات الصغيرة سريعة التطور ذات الأجيال قصيرة العمر؛ وأكثرها شيوعا ذبابة الفاكهة، والديدان الأسطوانية.

يأتي الكم الأكبر من فهمنا الحالي للمبادئ التطوريّة، بناءً على تجارب تجرى على هذه الأنواع، إلا أن اختيار دراسة عمليات التطور السريعة له تأثيرات واسعة، إذ يبدو أنه يفضّل التحكم الوراثي الأقوى خلال التطور، أكثر من المرونة. ومقارنةً بالأنواع ذات الصلة، تتجاوب الكائنات الحية المتَّخَذَة كنماذج بشكل أقل مع الإشارات الخارجية، سواء بشكل تأقلمي، أو هدّام. ونتيجة لصعوبة دراسة الليونة ودور البيئة التطورية بالتفصيل، عن طريق استخدام النماذج الرئيسة، فإن هذه المجالات لا تحظى سوى بالقليل من العناية والاهتمام6 نسبيا.

وقد وقع تضييق مماثل في أبحاث الطب الحيوي؛ ففي حالة مرض باركنسون، غالبا ما يتم تقييم العلاج المحتمل من خلال قياس الوظيفة الحركية لدى فأر مصاب، بيد أن نموذج الفأر لا يبين بوضوح الأعراض الخطيرة لمرض باركنسون التي تبدو على المرضى البشر، كتدهور الإدراك مثلا. ولذلك قد لا يتمكن الباحثون من مقاربة أعراض المرض تلك.

وقد تسهم التحيزات المماثلة في استخدام نماذج معينة تجاه «انقطاع ترجمة العلاجات التي طبقت على الكائنات المتَّخَذَة كنموذج، والبشر» فيما يتعلق بالأمراض التنكسية العصبية، كمرض الزهايمر، والتصلب الجانبي الضموري3,4. ولا تستطيع سلالة القوارض المرباة داخليا منها والمعدلة وراثيا تمثيل التنوع الهائل في المرضى من البشر وأعراضهم. وقد أثار هذا القصور الشكوك حول مقدرة تلك النماذج، حتى ضمن مجتمعات الأبحاث التي تستخدمها1-47.

في الوقت نفسه، غالبا ما يتم التغاضِي عن تأثيرات التغيرات البيئية التي تبدو غير مهمة ظاهريا، كتفاصيل ظروف معيشة الفأر8، إذ تُعتَبَر عدائية النمط السلوكي الظاهري الرئيس لدى الفأر الذكر ترجمةً لمعاناته من نقص إنزيم صانع أحادي أكسيد النيتروجين العصبي، وهو الأمر الذي لم يُلاحظ ـ ولا يمكن رصده - ما لم يُسمَح لهذه الحيوانات بالعيش في مجموعات، بدلاً من الأقفاص الفردية الاعتيادية9. إن عددًا قليلًا من نماذج الكائنات المختبرية يعبِّر صراحةً عن بيئة الكائنات، على الرغم من الإدراك المتنامي بأن هذا الأمر قد يؤثر على نتائج التجارب7، وقابلية الحصول على النتائج نفسها من خلال تكرارها.

وباختصار.. إذا قمنا بتأطير نموذج أو نظام البحث ضمن أفق ضيق للغاية، مُغْفِلِين بذلك العناصر السببية الرئيسة، كالتأثيرات البيئية، فعلينا ألا نعقد آمالاً كبيرة على قدرتنا على بناء صورة متكاملة للآليات التي تشكل الأساس للتغيرات الحاسمة، كما في التطور والمرض، على سبيل المثال. ولدراسة التأثيرات البيئية، لا بد لنا من دراسة الأنواع التي تقع عليها مثل تلك التأثيرات. وعليه، فإن الميزات التي تحدد النموذج الناجح ينبغي أن تتبدل بتطور المسائل التي نستخدمها من أجلها.

الاختيار المثالي

ينبغي أن يُنظَر إلى اختيار كائن كنموذج لبحث أكثر من كونه مسألة ملائمة أو تقليدًا متبَعًا، إذ يتوجب على العلماء طرح المزيد من الاستفسارات حول أهداف تجربة معينة، ومدى ملاءمة النموذج المقدَّم لتحقيق تلك الأهداف، ومعرفة العوامل البيئية أو الخارجية الأخرى التي قد تتصل بمدى جدوى النموذج. وعند طرح سؤال ما، من المهم تقرير ما هي الجوانب المهمة من علم الأحياء البشري (ومنها مثلاً: تنوعنا الوراثي، والخصائص الفريدة التي يتمتع بها نظام مناعتنا، أو أعراض مرض معين) ومن ثم تقييم مدى جودة النموذج المرشح في تمثيله لتلك الجوانب (انظر «اختيار المرشح المناسب»). وعندما تظهر مواضع التعارض، ينبغي علينا الحد من استدلالاتنا بدراسات الحيوان، والبدء بالنظر في توقيت وكيفية وجوب الانتقال إلى البحث في البشر. وبالنسبة إلى بعض أنواع الأبحاث الطبية البيولوجية، فقد لا يهمّ ظهور الأضرار أو الأعراض في النموذج المطور بطريقة مختلفة عن تلك التي تحدث لدى المرضى. ومن أمثلة ذلك.. إصابات جراحة تقويم العظام، لكن في بعض المجالات ـ كعلم الأوبئة ـ يُعدّ هذا مهمًّا إلى حد كبير.


1 التطابق بين النموذج وما يمثله

مثـــــــال: هل تلقي دراسة علم المناعة في نماذج الفئران المربّاة داخليا الضوءَ على تنوع الوظيفة المناعية لدى البشر والأمراض1؟

السؤال الرئيس

- ما الذي نحتاج إلى معرفته حول المرض؛ لتطوير علاج له؟

- ما هي الآليات التي تربط أصل المرض بالأعراض؟

أهداف البحث

- كشف أسباب أعراض المرض.

- مقارنة بداية وتقدم المرض بين ما هي عليه لدى النماذج، وما هي عليه لدى البشر.

- تقييم ما إذا كانت الأهداف العلاجية ممثلة جيدا لدى نماذج معينة.

- تحديد الثغرات بين النماذج والمرضى، التي قد تكون مهمةً فيما يتعلق بالمعرفة الأساسية وطرق العلاج.

2 الحاجة إلى نماذج إضافية

مثـــــــال:حيــث تــوجــد عوائــق عديــدة معـــروفة تَحُـــــول دون تــرجــــمة النتـــــائج مــن الفئــــران إلــى البــشــــر، كيــــف يــمكنــنا تطويـــر قنـــوات بديـلة؛ لإيـجــاد علاجــات جديـــدة للأمراض البشــريـــة3؟

السؤال الرئيس

- ما هي جوانب الأمراض البشرية التي لا تبدو واضحة لدى النماذج الحالية؟

- كيف يمكن توسيع نطاق خدمة النماذج الحالية؟

- ما هي النماذج الجديدة المحتملة المتوفرة، أو التي يمكن تطويرها؟

أهداف البحث

- تطوير استراتيجيات لتقييم جوانب أخرى للأمراض البشرية في النماذج الحالية.

- تحديد النماذج الجديدة المرشحة لمسائل معينة.

- تطوير معايير اختيار النماذج الجديدة.

إن الإقرار بوجود قيود في النماذج المعيارية لا يعني بالضرورة التخلي عنها، أو نبذها. وعلى النقيض من ذلك ينبغي علينا التفكير بتمعنٍ في قيودها، بوصفها جزءًا من تصميم الدراسة. ومثال ذلك.. عن طريق تحليل دور الجين في سلالات الفئران ذات الخلفيات الجينية المختلفة.

يستحيل لنوع واحد، مهما كانت هندسته عالية، أن يكون نموذجًا عالميًّا، إذ إن لكل نوع مزاياه الفريدة التي قد تكون مصدر قوته أو ضعفه، بناءً على الأسئلة المطروحة. وعلى سبيل المثال فإن نقص مرونة التطور لدى ذبابة الفاكهة، وضعف قابلية التغير الجينية لدى سلالات الفئران المرباة داخليا يحدّ مما يمكن لهذه النماذج أن تقدمه لنا حول التأثيرات البيئية على التطور، لكن ذلك يجعلها أداةً حيوية لدراسة الوظيفة الجينية خلال التطور. كما ينبغي علينا أيضا توسيع نطاق نماذجنا؛ لتشمل أنواعًا أخرى من الكائنات الحية، ومنها سَمَك القطب الجنوبي، والمشطيّات، وسَمَك السكليد، وفئران الرمال، والعصافير، التي منحها التطور الطبيعي مزايا ترتبط بالأمراض البشرية10. وقد تثمر دراسة أساس تلك الميزات التأقلمية الفريدة في هذه الحيوانات تعمقاً في دراسة الأمراض البشرية، كتخلخل العظام، والسُّدّ (إعتام عدسة العين)، والسرطان.

وينبغي على المركز الوطني الأمريكي لتطوير العلوم المتعدية في بيثيسدا بميريلاند تقديم الدعم بشكل فوري وعملي لتطوير الأنظمة الجديدة لمشاكل البحث، التي يصعب حلها في النماذج المفضلة حاليا. كما يجب عليه أيضا تمويل دراسة الاستفسارات الأساسية حول الأبحاث المرتكزة على نماذج التجارب (انظر «اختيار المرشح المناسب»). وسوف تساعد هذه الأفكار المنتجة العلماءَ على اختيار النماذج الأفضل؛ لتطوير الأبحاث الرئيسة والمطبقة؛ وبالتالي تدعيم الصلة فيما بينها.

  1. Davis, M. M. Immunity 29, 835–838 (2008).
  2. von Herrath, M. G. & Nepom, G. T. J. Exp. Med. 202, 1159–1162 (2005)
  3. Geerts, H. CNS Drugs 23, 915–926 (2009)
  4. Schnabel, J. Nature 454, 682–685 (2008)
  5. Kohler, R. E. Lords of the Fly: Drosophila Genetics and the Experimental Life (Univ. Chicago Press, 1994).
  6. Bolker, J. A. BioEssays 17, 451–455 (1995)
  7. Beckers, J., Wurst, W. & Hrabé de Angelis, M. H. Nature Rev. Genet. 10, 371–380 (2009)
  8. Hurst, J. L. & West, R. S. Nature Methods 7, 825–826 (2010)
  9. Nelson, R. J. et al. Nature 378, 383–386 (1995)
  10. Maher, B. Nature 458, 695–698 (2009)