تعليقات

سوق الخيارات: عَطَش «وول ستريت» للمياه

لا بدَّ من وقف التوجه نحو إنشاء سوق للسلع المائية، حيث يُحذِّر فريدريك كوفمان من أنَّ إنشاء مثل هذه السوق قد يرفع من أسعار الغذاء، بشكل يتخطّى الأسعار القصوى التي وصلت إليها في الخمس سنوات الماضية.

فردريك كوفمان
  • Published online:

كنتُ قد نشرتُ العام الماضي في مجلة «السياسة الخارجية» مقالاً، يشرح كيف تجني «وول ستريت» أرباحًا من الجوع، تعقَّبت فيه تاريخ الأسواق المالية للغذاء، ولاحظت كيف حطمت أسعار حبوب الذرة، والصويا، والأرز، والقمح السعر القياسي ثلاث مرات خلال الخمس سنوات المنصرمة1، وقمت باختبار تداعيات تأثير تغيُّر المناخ والتمثيل التجاري للوقود الحيوي على أسواق الحبوب المستقبلية. وكنت آنذاك قد قدمت طرحًا يفيد بأنَّ نظام تسعير الغذاء العالمي ـ الذي طالما جلب الفائدة للمزارعين والخبازين والمستهلكين من قبل ـ تم تحييده بواسطة البنوك الاستثمارية، إثر إقدامها على إنتاج مشتقات مالية.

فتاة تشرب ماءً من نهر في أثيوبيا، حيث يفتقر 49 مليون شخص إلى الوصول إلى مياه آمنة.

فتاة تشرب ماءً من نهر في أثيوبيا، حيث يفتقر 49 مليون شخص إلى الوصول إلى مياه آمنة.

M. Ostergaard/Panos

وقد أدت صناديق مؤشر السلع الأولية هذه إلى تدمير العملية التقليدية للوصول إلى السعر الواقعي في التعاملات المستقبلية للحبوب في شيكاغو، وكانساس، ومينيابولس، محوِّلةً هذه الأسواق إلى محركات ربح للبنوك، وصناديق للمضاربة؛ وبالتالي متسبِّبة في رفع أسعار غذائنا اليومي2.

وعلى الرغم من الوعود التي أُطلقت لتنظيم مشتقات الغذاء العالمية، إلا أن سنوات انقضت دون تجسيد لهذه الوعود، ففي واشنطن دي سي عام 2010، تم إصدار وثيقة «دود - فرانك وول ستريت لأعمال الإصلاح وحماية المستهلك»، وهي عبارة عن وثيقة مكونة من 30,000 صفحة لقوانين تنظيمية جديدة، وليدةِ سوءِ استخدام أسواق السلع الأولية وغيرها من الأسواق. وكما هو متوقع، واجهت هذه القوانين االتحديات في ساحات المحاكم؛ وتم تجميدها. وحتى إنْ كانت هذه اللوائح قد نجحت في تخطي دائرة المؤسسات السياسية وصنع القرار، سيظل هناك حيِّزٌ يمكن من خلاله أن تحصل البنوك الكبيرة على استثناءات.

لذا.. فمن الحكمة أن نفكر في ماهية الموارد العالمية التي ستتشكل منها الاشتقاقات المالية المستقبلية، وما هو الأكثر مأساوية من الرهان على المخزون العالمي للغذاء، ماذا عن الماء؟. في الوقت الحاضر، أصبح بمقدور المضاربين المراهنة على الجليد والهواء والمطر بمساعدة عقود الطقس المستقبلية التي تُشتَرى وتُباع في بورصة مركانتايل شيكاغو. وقد شهدت قيمة سوق الطقس هذا ارتفاعًا بنسبة 20% بين عامي 2010 و2011، إلّا أنَّ هذا القطاع ما زال صغيرًا ـ لا يتعدى 11.8 مليار دولار أمريكي ـ لكنَّ الملفت للنظر هو أنَّ عقود الطقس المستقبلية هذه تشير إلى أي مدى بلغ الاضطراب بـ«وول ستريت»؛ ليحوِّل الطبيعة الأم إلى مجموعة من نوادي القمار.

وتفيد إحدى الأطروحات ـ التي يقدمها بعض المختصين البيئيين ـ بأن تسعير المياه العذبة قد يشكِّل أفضل رهان؛ لإنقاذ مخزون كوكبنا، بحيث كلما زاد ثمنها، قلَّ هدرها. وفي الواقع، يعتبر تثمين الموارد النفيسة أساس مبادرة «اقتصاد الأنظمة البيئية والتنوع البيولوجي TEBB»، وهي مبادرة دولية ـ باستضافة برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة، وبدعم من قبل المفوَّضية الأوروبية، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وهولندا، والنرويج، والسويد، واليابان ـ تهدف إلى حساب القيمة الدقيقة للأنظمة البيئة حتى آخر تريليونات الدولارات، أو الريالات، أو الرِّنْمِنْبِي، بالإضافة إلى حركة «الدفع مقابل الخدمات البيئية PES»، مثل الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه. ويعتبر البنك الدولي، ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من ضمن عدد كبير من الداعمين لهذه الفكرة. ويصف تقرير «اقتصاد الأنظمة البيئية والتَّنوُّع البيولوجي» للأعمال، الصادر في عام 2010، الوضعَ كالتالي: «إنَّ تركيز المجتمع الحديث على مكونات الرفاهية المشتقة من السوق، واعتمادنا شبه الكلي على أسعار الأسواق؛ لتحديد القيمة، يعني أننا عادةً لا نقيس أو ندير قيم التبادلات الاقتصادية إلا عبر الأسواق».

في هذا الصيف المنتهِي، ومع تربُّح «وول ستريت» من وراء فقاعة الغذاء، بالإضافة إلى عجز واشنطن عن تنظيم المشتقات العالمية، وضغوط تحويل الطبيعة إلى سلع استهلاكية أوَّلية عبر مبادرة «اقتصاد الأنظمة البيئية والتَّنوُّع البيولوجي»، و«الدفع مقابل الخدمات البيئية»، احتشدت هذه العوامل في بؤرة واحدة بالتزامن مع الجفاف الذي اجتاح الولايات المتحدة الأمريكية، وترافقت معها توقعات اجتماعية وبيئية واقتصادية تنذر بالشؤم، حيث سيعاني 3 مليار شخص حول العالم من «الإجهاد المائي» بحلول عام 2035؛ وسيصبح نقص المياه ضائقة مزمنة، وستنتشر الحرائق الطبيعية، وتنحسر القدرة على توقع الرياح الموسمية، بالإضافة إلى نفاد واسع لكميات الثلوج بزيادة حرارة فصول الشتاء.

في الوقت نفسه، باتت المياه ضرورية لمختلف الصناعات، التي يتزايد تنوُّعها باستمرار، بدءًا بصناعات إنتاج الطاقة الهيدروكهربائية والتكسير الهيدروليكي، وحتى إنتاج الجعة، أو أشباه الموصلات. ويُحذِّر المختصون في علوم المياه من انحسار خرائط المياه الجوفية عبر قارة آسيا، كما يتوقع خبراء السياسة ظهور نزاعات حول حقوق ملكية واستخدام أنهار الهيمالايا، كما يَعْرِف كلُّ حفّار آبار في نبراسكا أنَّ طبقة المياه الجوفية المعروفة باسم «أوجالَّالا» ـ الممتدة تحت جزء من مناطق الغرب المتوسط للولايات المتحدة ـ تنحسر بنسبة مفزعة هي الأخرى.

أمَّا التداعيات التي قد تؤول إليها هذه التوقعات، فهي رهيبة، ومنها: تدمير الأنظمة البيئية المائية، وانقراض عدد لا حصر له من فصائل الكائنات الحية، بالإضافة إلى مخاطر الصراعات الإقليمية والدولية، بحيث يكون أشدُّها «حروب المياه» في القرن الواحد والعشرين. ولَكَ أنْ تتخيل مثلاً.. ما الذي ستفعله مصر، إنْ أقدمت إثيوبيا على حجز مياه النيل الأزرق؟، أو ماذا سيحدث عندما تكون اليمن أول دولة تنضب فيها المياه؟. والإجابة باختصار: لا شيء يبدو جيدًا.

فرص الاستثمار

يعشق المستثمرون ـ بمختلف اهتماماتهم الاستثمارية ـ ريح الدمار، حيث تكون الفرص سانحة لجني أموال ضخمة في غمار العنف والفوضى. وفي أيامنا هذه لا تُجنى الأرباح الطائلة من بيع وشراء المقتنيات (كالبيوت، أو السيارات، أو القمح)، ولكن من التلاعب بالمصطلحات الأثيرية، مثل «المخاطر»، و»التزام الدين المضمون»، وهنا تتدفق الثروة من الأدوات المالية التي تقع على بعد خطوة واحدة من الحقيقة.

لقد بات الاستثمار في مؤشرات المياه أكثر شعبيةً من أيِّ وقت مضى. وهناك أكثر من 100 مؤشر3، كلها تتتبَّع وتقدِّر قيمة الأسهم التابعة لشركات ناشطة في إدارة الأعمال ذات الصلة بالمياه، كمرافق الخدمات العامة، ومعالجة مياة الصرف الصحي، وتحلية المياه، وهناك عدد منها يعرض عوائد صحية (انظر: go.nature.com/zrl4qo).

في ظل هذا الوضع.. نجد أنّ بَحْث كلٍّ من البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي دائمًا عن أسواق توفر ضمانات لقروض الائتمان التي يمنحانها، التي تصل إلى مليارات الدولارات، يدفع الدولَ إلى خصخصة مواردها. وتشمل هذه الموارد البحيرات، والينابيع، وأحواض المياه في كل من الأرجنتين، وبوليفيا، وغانا، والمكسيك، وماليزيا، ونيجيريا، والفلبين (انظر، على سبيل المثال: go.natre.com/iuwp8m)، بالإضافة إلى أي شيء يضمن ـ بشكل أفضل ـ الثراء لمجموعة من متعددي الجنسيات الحريصين على جَنْي الأرباح من شيء لا يستطيع أحد أن يتدبر أمره بدونه.

في هذا الصيف المنتهِي، ومع ذبول حقول الذرة، بدءًا من أوكرانيا، حتى كانساس، وتصدُّر نقص لحوم الخنزير المقدَّد الأخبار، وما لم يجده اللَّبانون ليعلفوا به أبقارهم، تبثُّ هذه الأوضاع رسالة قوية جديدة، مفادها أنَّ سلعة الاستهلاك الأولى القادمة في العالم لن تكون الذهب، ولا الحبوب، ولا النفط، وإنما المياه.. المياه الصالحة للاستعمال. ومع أن تجميع حصص شركات التجارة العمومية أمر جيد، إلى جانب الأرباح القابلة للتوقع التي تدرها المياه، ألن يكون أكثر فاعلية أن تتم ترجمة قيمتها نقداً؟ ربما تآمر المموِّلون والمضاربون، لكن هذا لا يمنع وجود سوق للمياه كسلعة أولية، تمامًا كما تتوفر أسواق للذهب وللحبوب، تضمن تبادلات تجارية مستقبلية بنقل وتلقِّي المياه في وقت يتم تحديده، كما هو متاح في التعاملات بالأموال النقدية.

عند النظر في جوانب معينة، يمكن اعتبار المياه مرشحًا محتملا مناسبا للاستخدام في العقود المستقبلية لتبادلات السلع الأولية، أولها أنَّ المياه قابلة للتبادل.. فالمياه التي يتم ضخها من بحيرة أو نهر أو نبعٍ ما تُشابِه تلك التي تُجمَع من جبال الجليد، أو تُستخلَص من طبقات الأرض، أو مياه الأمطار المجمعة. وعمَّا قريب، سيتوفر في المياه المطلب الثاني الذي يميِّز السلع الأولية، ألا وهو «السيولة»، من حيث سهولة تحويل المياه إلى عملات نقدية، فمن الواضح أنَّ المياه تتسم بصفة العالمية، إذ يُعتبر موضوع إدارة أحواض الأنهار من أكثر الموضوعات سخونةً لمبادرة إدارة نهر الفولتا، مثلما هو بالنسبة للسنغال4. وبالمفهوم المالي، لا فرق بين كون النهر هو نهر وادي الكويڤر الإسباني، أو الرون الفرنسي، أو النيجر أو ساكرامنتو في كاليفورنيا.

وينظر المراقبون الماليون إلى هذا الأمر على أنَّه مشابه للسلع التي يتم الإتجار بها ـ مثل المعادن النفيسة - فالمياه الصالحة للاستخدام ستصبح عملة نادرة في المستقبل؛ مما سيولِّد الحاجة إلى التنقيب عنها، ومعالجتها، وتعبئتها، وأهم من هذا كلّه.. نقلها حول العالم، وهذا هو الدافع وراء التفكير في وجود سوق عالمية مستقبلية للمياه.

حصص مرتفعة

لقد كان عام 1996 نقطة فارقة في تاريخ المياه والمال، إذ استخدمت المياه من ويستلاند في كاليفورنيا في الري؛ لإنتاج ما قيمته مليار دولار من الغذاء سنويًّا؛ على امتداد 2000 كم2، وتعتبر أوسع إقليم مياه زراعي في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 1996 قدم الإقليم لوحة إعلانات إلكترونية موجهة للمزارعين؛ لحثِّهم على بيع وشراء حقوق ملكية مياه ويستلاند، من خلال أجهزة الحاسوب الخاصة بهم. وأصبح الإتجار بحقوق ملكية المياه عبر جهاز حاسوب نقال واقعًا ملموسًا، بينما في السابق لم يكن بالإمكان إجراء التبادلات التجارية على السلع الاستهلاكية، إلا في الأماكن المخصصة لها في شيكاغو، أو كانساس سيتي. أمَّا اليوم، فيعمل حمَلةُ درجة الدكتوراة في الرياضيات في الإتجار بهذه المعاملات في صناديق المضاربة بولاية كونيتيكت بشكل روتيني. وعندما يصبح بالإمكان الإتجار في مشتقات المياه، عندها ستنضم المياه إلى خام برنت، ووقود الطائرات، وزيت حبوب الصويا، بحيث سيكون بالإمكان الإتجار بها عن طريق أي شخص، في أي وقت، ومن أي مكان.

سيدة من مخيم لاجئين في جاما بجنوب السودان، تحمل دلوًا مملوءًا بالماء من بئر مؤقتة.

سيدة من مخيم لاجئين في جاما بجنوب السودان، تحمل دلوًا مملوءًا بالماء من بئر مؤقتة.

C. ALS/PANOS

إن الحصول على الأرباح بمجرد فتح صنبور المياه يقضى بأنَّه لا بد من تسعير المياه العذبة ـ في أي مكان يُتاجر بها ـ بسعر عالمي، يحدد سعر صرفها عبر القارات. وهؤلاء الموجودون في مومباي، أو في وسط مانهاتن، الذين يقدِّرون جيدا القيمة المتزايدة للمياه في الاقتصاد العالمي، سيضاربون على هذه «السلعة»، التي عادةً ما يُتَهاوَن في تقدير قيمتها، وستقود استثماراتهم تلك إلى ارتفاع الأسعار في كل مكان5. وسيكون لأي كارثة مائية في الصين أو الهند ـ بالإضافة إلى مشكلات تضخم الغذاء، وعدم الاستقرار السياسي، والأزمات الإنسانية ـ صدى مُدَوٍّ في ارتفاع أسعار الأسهم من لندن، حتى سيدني؛ وهذا ما سيدرّ الأرباح على المصارف.

وقد بدأ خبراء الاقتصاد في بناء نموذج لأسواق المياه، تبرز فيه الطروح والاستدعاءات المالية، والسندات الممتازة، والسندات طويلة وقصيرة الأجل، وصناديق الاستثمار المتداولة، ومؤشرات الأسهم، وكافَّة أصناف الفرص الأخرى من المقايضات التي تحدث خارج سوق التداول. وسترغب شركات تأمين الفيضانات ـ بدون شك ـ في شراء أسهم، تستطيع من خلالها أن تبدِّد مخاطرها المالية. وفي الواقع، سترغب أي مؤسسة تدير أعمالاً في مجال الفيضانات في أيِّ مكان في الاشتراك، كما سيرغب المزارعون أيضًا في الحفاظ على رهاناتهم فيما إذا كان سينزل المطر، أم لا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العاملين في حقل التكسير الهيدروليكي والصيد، أما بالنسبة إلى المضاربين، فلا يخفى علينا مَنْ هؤلاء، وما يمكن أن يفعلوه.

في الوقت الحالي، لا يوجد مَنْ يتاجر بسوق للمياه، إلّا أنه لن يمر وقت طويل، حتى تدب الحياة في هذه السوق، فعندما وصلت الخسائر الاقتصادية في ولاية تكساس إلى 10 مليارات دولار أمريكي، بسبب الجفاف الأخير، بدأ الأكاديميون في وضع النظريات لكيفية ربط مياه ريو جراندي بمؤشر في سوق مستقبلية6، كما أقدمت مفوضية أمان وبورصة تايلاند على دراسة مشتقات مالية، يتم ربطها بمؤشر لمياه الأمطار والسدود7، بعدما تسبب فيضان تايلاند السنة الماضية في حدوث خسائر، بلغ حجمها 46 مليار دولار أمريكي. وقد تكون شركة إنتاج أشباه الموصلات «إنتل» مهتمة بأمر هذه السوق، فقد كلفتها الأضرار التي لحقت بعملياتها لإنتاج الشرائح، جراء الطين والأوساخ، ما يعادل مليار دولار أمريكي.

وعلى التجارة العالمية في الأسواق المستقبلية للمياه أن تنتظر، حتى ينجح المموِّلون في إيجاد مقياس يتم تبنيه عالميًّا لقياس «الإجهاد المائي». وإلى أن يتم إنجاز هذا الأمر، ستقتصر ظاهرة نشوء أسواق المياه على المستوى المحلي بما يتماشى مع الاهتمام المحلي بهذا الشأن. وعلى سبيل المثال.. في أستراليا ـ المُنهكة من الجفاف ـ نجد أن كافة عناصر السوق المستقبلية المرتبطة بمؤشر جاهزة للانطلاق في بورصة أستراليا، وبورصة فيوتشرز في سيدني، (انظر go.nature.com/u7hdas). أما في مقاطعتي ميدنبور، وتومكور في غرب البنغال وكارناتاكا الهندية، حيث أصبح من الصعب أكثر فأكثر الاستدلال بشأن التوقعات المتعلقة بالرياح الموسمية، فقد تم تجسيد فكرة لبورصة جنوب آسيوية لسوق مستقبلية للمياه، يبدأ الإتجار فيها في بورصة دلهي للأسهم8.

سوف يغطي التداول بالسوق المستقبلية أكثر الأنهار أصالة وعراقة، وسيمتد ليشمل حتى أدخنة مصانع القمامة الصلبة التي هي بالكاد مرخصَّة. وقد بدأ منظِّرو السلع في سويسرا الخطوات الأولى لإنشاء أسواق مستقبلية للإتجار بالمياه المُشتقة من المجاري، ويُكنِّي أفراد فريق العمل فكرتهم هذه بالسوق الأخلاقية المستقبلية للمياه (انظر: go.nature.com/dq6fm4). وأعتقد أن فكرتهم هذه ما هي سوى برنامج لبيع المياه المعالَجة لأعلى مُزايِد.

في كل هذه الحالات، سوف تنبثق العقود المستقبلية من التقدير النسبي لندرة أو وفرة المياه، بناءً على مؤشرات منسوب المياه في السدود، ومتوسط هطول الأمطار، أو أي دلائل أو عوامل تنبؤ أخرى. وفي نهاية المطاف، ستكون للأداة المالية نفس الهيكلية، كتلك الخاصة بصناديق المؤشرات التي تسببت في الوصول إلى مستويات مضاربة غير مسبوقة في السوق العالمية للحبوب؛ مما يؤدي إلى تزايد تقلُّب الأسعار. وفي الأصل، لا يراد لتقلُّب الأسعار في التداولات المستقبلية أن يكون حادًّا. وعقب كل شيء، إذا كانت صناعات الغاز الطبيعي سوف تدفع أكثر من مزارعي حبوب الصويا، مقابل الحصول على المياه، فعندها سيحصل الحفارون المنقِّبون عن الغاز على الماء، دون مزارعي الصويا.

تعديل سعر السوق

وبالكاد يمكن تخيل حجم الأصداء التي ستحدثها السوق العالمية المستقبلية للمياه، وما يتضح منها: أن لعبة المراهنات على المياه ستذر المحاصيل عطشى، وستدفع أسعار الغذاء العالمية لتتخطى أعلى المستويات التي وصلت إليها خلال الخمس سنوات الماضية.

ومن الأخبار الجيدة، أنَّه ـ بخلاف الإخفاق في محاولات تنظيم مشتقات أسواق الغذاء ـ قد يكون هناك ما يمكن إنجازه في حالة المياه. وهناك الكثير من الأمثلة التي تحدد قيمة الماء خارج مضمار التسليع الخالص، وقد طُوِّر أفضلها في حوض «رور Ruhr» بألمانيا4، فلا يتم إدارة هذا المصدر النهري باليد الخفية للسوق، بل بواسطة منشئ للسياسات، يعرف باسم «جمعية رور»، وتضم هذه الجمعية ممثلين ومبعوثين عن المدن، والأقاليم، والصناعات والشركات الموجودة في المنطقة، بحيث يقوم 543 من حاملي الأسهم بمناقشة رسوم استخلاص المياه، وغرامات التَّلوُّث. قد تكون السياسة مضطربة بعض الشيء، لكنها في النهاية تنجز المطلوب. ولسوء الحظ، هذا هو الحال مع الديمقراطية.

وليس هناك حلٌّ جامع لكافة احتياجات العالم للمياه، وبالذات فيما يتعلق بالأعمال العالمية للمشتقات، التي برهنت على أنه لا يمكن الوثوق بها فيما يتعلق بالقروض المرهونة بضمانات، وخاصَّةً عند الخوض فيما يتعلق بأغلى مواردنا؛ المياه. ولذا.. لا حاجة للمبادرة بإقامة سوق مستقبلية للمياه، من شأنها خلق جنون مالي إضافي، يبدو أنه دائمًا على أهبة الاستعداد لمقاومة أي محاولات لتنظيم السوق. وفي هذه المرة، لا بد من وقف هذه التجارة قبل أن تبدأ.

  1. Kaufman, F. Foreign Policy 27 April 2011
  2. Lagi, M., Bar-Yam, Y., Bertrand, K. Z. &  Bar-Yam, Y. Preprint at http://arxiv.org/abs/1109.4859 (2011).
  3. Moya, E. The Guardian 8 August 2010
  4. Global Water Partnership & International Network of Basin Organizations A Handbook for Integrated Water Resources Management in Basins (GWP/INBO; 2009); available at http://go.nature.com/huzxcf
  5. Keim, B. Wired Science 6 March 2012
  6. Brookshire, D. S., Gupta, H. V. & Matthews, O. P. (eds) Water Policy in New Mexico (RFF Press Water Policy Series, 2011)
  7. Nguyen, A. Bloomberg 14 December 2011; available at http://go.nature.com/dwndzp
  8. Ghosh, N. Commodity Vision 4, 8–18 (2010).