أخبار

إعصـار يدفع الولايات المتحدة إلى مناقشة التكيّـف مع المنـاخ

فيضانات مانهاتن دعمت فكرة مشروع هندسي ضخم لحماية نيويورك.

جيف توليفسُن
  • Published online:

الشوارع الغارقة بسبب الفيضان تحت جسر مَانهاتن في بروكلين تظهر مدى هشاشة نيويورك إزاء فيضانات العواصف المدمرة

الشوارع الغارقة بسبب الفيضان تحت جسر مَانهاتن في بروكلين تظهر مدى هشاشة نيويورك إزاء فيضانات العواصف المدمرة

B. MATTHEWS/AP

بينما كان إعصار ساندي يدفع حائطا بارتفاع 4.2 أمتار من المياه المالحة إلى قلب مدينة نيويورك والساحل المحيط بها في وقت متأخر من ليلة 29 أكتوبر، كان العلماء والمهندسون يضعون علامات تصحيح بجانب كل تأثير كارثي متوقع لاندفاع الأمواج في لائحة استمروا في كتابتها عقودًا. فيضانات كارثية في المناطق المنخفضة؟ نعم. أنفاق وخطوط قطارات تحت الأرض مغمورة بالمياه بمنطقة مانهاتن السفلى؟ نعم. تدمير محطات الكهرباء، وقَطْع واسع النطاق للتيار الكهربائي؟ نعم.

قال مالكوم باومان، المتخصص في صياغة نماذج محاكاة اندفاع الأعاصير بجامعة ستوني بروكس في نيويورك: «كل توقعاتنا حدثت». واستمر باومان يطالب بإنشاء حواجز لكبح اندفاع مياه الأعاصير حول مدينة نيويورك لمدة تتجاوز عقدًا كاملاً. لذا.. وصف باومان نتائج إعصار ساندي بأنها تمثل دليلاً محزنًا على قصور السياسات الحالية.

في ليلة واحدة، وجَّه الإعصار العظيم ضربة قوية، تسببت في شلل أحد أهم المراكز الاقتصادية والصناعية في العالم، مدمرًا آلاف المنازل، وتاركًا ملايين الناس بدون كهرباء، أو مصادر يُعتمَد عليها للطعام والمياه والوقود.وبعد مرور أسبوع على الحدث، ما زالت مناطق سكنية نائية كثيرة تعاني من الأزمة. ومثل إعصار كاترينا في عام 2005، جاء إعصار ساندي ليجسد ـ وبسرعة ـ التهديد الغامض الناجم عن الاحترار العالمي، بينما يعيد إثارة التساؤلات حول الطرق المثلى لجعل مدينة نيويورك والمناطق الساحلية الأخرى مستعدة لزيادة متوقعة في مستويات سطح البحر والمناخ الأكثر تقلبا. في هذا السياق، أصبح الموضوع الذي تجاهله السياسيون بالحزبين الرئيسين في حملة رئاسية طويلة وعدوانية فجأة في قلب النقاش، قبل أيام فقط من الانتخابات.

بعد أن انتبهوا أخيرًا إلى تنبؤات علماء المناخ بأن زيادة درجات حرارة الجو، وارتفاع مستوى سطح البحر سيؤديان إلى حدوث أعاصير كبيرة في الساحل الشرقي للولايات المتحدة بوتيرة متزايدة، رفع القادة السياسيون في المنطقة علامات التحذير حول تأثير هذه الظاهرة طويلة الأمد. وفي 31 أكتوبر (بعد الإعصار بيومين)، نادى حاكم ولاية نيويورك أندرو كومو بضرورة «إعادة تفكير جذرية حول بيئتنا الإنشائية»، وفي اليوم التالي استخدم عمدة مدينة نيويورك مايكل بلومبرج الإعصار مثالا أثناء إعلانه المفاجئ بتأييد الرئيس الحالي باراك أوباما بمواجهة المرشح الجمهوري ميت رومني. وحاليًا يمتدح بلومبرج ـ الذي كان قد أعرب سابقا عن خيبة أمله في المرشحين الاثنين معا ـ جهود أوباما في تخفيض انبعاثات الكربون عن طريق إصدار تشريعات أكثر صرامة لضبط محطات الفحم الحجري، ومواصفات أعلى لكفاءة استهلاك المركبات للوقود. وكان بلومبرج في وقت سابق قد امتدح دور رومني في تطوير سياسة إقليمية لتحديد نظام سقف ومبادلة للانبعاثات الكربونية عندما كان حاكما لولاية ماساتشوستس، لكنه انتقده بشدة بعد ذلك بسبب تغييره لمواقفه المتعلقة بتغير المناخ خلال حملته الرئاسية، وقال: «أريد من رئيسنا أن يضع الأدلة العلمية، وإدارة المخاطر في أولوية أعلى من السياسات الانتخابية».

اكتسب إعصار ساندي طاقته الكبيرة نتيجة ارتفاع درجات حرارة المياه السطحية بمعدل 3 درجات مئوية عن المستوى الطبيعي على امتداد الساحل الشرقي. وفي واقع الأمر، هناك جزء ضئيل من هذه الحرارة (حوالي 0.6 درجة مئوية) يمكن أن يعزى مباشرة للاحترار العالمي. وبرغم كراهية العلماء لربط أي حدث طقس معين بالاحترار العالمي مباشرة، فإن الأعاصير باتت تعبر عن تزايد واضح في قوتها، حسب قول كيري إيمانويل خبير الأعاصير بمعهد تكنولوجيا ماساتشوستس بكَامبردج أن هذه الظاهرة «استمرت خلال العشرين سنة الماضية».

لقد كان إعصار ساندي استثنائيا، ليس فقط في قوته، بل أيضا في مساره. ففي الحالات الاعتيادية، تندفع الأعاصير الاستوائية التي تتشكل بأجزاء المحيط الشمالية في هذا الوقت من السنة إلى أعالي البحار، لكن وجود نظام من الضغط الجوي العالي جنوب جرينلاند فرض على الإعصار أن يتجه نحو الأراضي الساحلية، حيث اندمج مع العواصف الشتوية التقليدية الآتية من جهة الغرب. وأشارت دراستان نشرتا في شهري فبراير ومارس الماضيين (2012)1,2 إلى أن الاحترار الناجم عن زيادة فقدان الجليد في المحيط القطبي يمكن أن يؤدي إلى تغيير دوران الهواء الإقليمي، مما ينجم عنه مزيد من التيارات البحرية النفاثة والمتعرجة. يقول العلماء بأن المحصلة تكمن في احتمال زيادة تشكيل عواصف شتوية حادة وحالات جوية متطرفة أخرى على امتداد الولايات المتحدة وأوروبا وشمال الصين. يظل هذا الطرح إشكاليا، ويتساءل بعض العلماء فيما إذا كانت نفس هذه الظاهرة يمكن أن تؤدي إلى زيادة في الأعاصير الشديدة مثل ساندي وأيرين، التي اجتاحت العام الماضي الساحل الشرقي الأميركي بدءا من كارولينا الشمالية حتى نيويورك، واقتربت كثيرا من التسبب في إغراق المدينة كما فعل إعصار ساندي. يقول إيمانويل— وهو لم يشارك في الدراستين: «مع أن الوقت مبكر جدا لكنني أعتقد بأن هذا المجال من البحث يبدو واعدا للغاية».

وقد وجدت دراسة نشرت شهر أكتوبر الماضي3 حول سجلات قياس المد البحري التي تعود إلى العام 1923، أن احتمالية حدوث الحالات الجوية الشديدة كاندفاع الأعاصير تتضاعف تقريبا خلال الأعوام الحارة مقارنة بنظيرتها الباردة، وتعتبر نيويورك بالذات في موقع مهدد بالخطر، بناء على دراسة نُشرت في فبراير4 لإيمانويل وعلماء آخرين بمعهد تكنولوجيا ماساتشوستس وجامعة برنستون في نيوجيرسي. وبحلول عام 2100، يمكن لمزيج من الأعاصير متزايدة الشدة، مع ارتفاع بمستويات سطح البحر بمتوسط متر واحد، أن تؤدي إلى حدوث فيضان بالمدينة بمعدل مرة كل 3-20 سنة، وعلى مستوى لا نشاهده حاليًا إلا مرة كل قرن.

كبر الصورة

لقد أضاف الإعصار سببًا جديدًا للتعجيل بمناقشة سبل التكيف مع تغير المناخ في عدة منابر، منها «لجنة مدينة نيويورك لتغير المناخ»، التي أنشأها بلومبرج في 2008. قام باومان وآخرون بالدعوة إلى إقامة نظام من الحواجز البحرية أو السدود، شبيه بالذي تم إنشاؤه في لندن وهولندا، ومؤخرًا في مدينة سان بطرسبرج بروسيا. يقول باومان: «لو قمنا بتنفيذ نظام الحواجز الإقليمي هذا، لم يكن ليحدث أي ضرر مؤثر في محيط مرفأ نيويورك».

ويتضمن النظام الذي يتصوره باومان وآخرون حاجزًا بعرض 8 كيلومترات، وبارتفاع 6 أمتار تقريبا، في مدخل مرفأ نيويورك، مزودا بإمكانية لفَتْحِه وغَلْقِه، وحاجزًا في مدخل جزيرة لونج آيلاند (انظر شكل: موانع الفيضانات). ويقدِّر باومان الكلفة بحوالي 15 مليار دولار، وهو المبلغ نفسه الذي خصصه الكونجرس لفيلق مهندسي الجيش الأمريكي في 2005 لبناء حاجز لوقف اندفاع الأعاصير حول نيو أورليانز، علمًا بأن تقديرات الأضرار التي أحدثها إعصار ساندي تتراوح ما بين 30-50 مليار دولار.

يشير بعض العلماء في المقابل إلى أن اقتصار التركيز على الحواجز البحرية يمكن أن يتسبب في نتائج عكسية سلبية، حيث يمكن لهذه الحواجز أن تؤدي إلى تغيير في الأنظمة البيئية، عن طريق تعطيل تدفق الأنهار، وزيادة حدوث الترسبات المائية. وهذه الحواجز يمكن أن تؤدي إلى مضاعفة تأثير الفيضانات بالمناطق غير المحميّة، كخليج جامايكا بجنوب بروكلين، عن طريق تحويل مسار المياه الناجمة عن الأعاصير. وبالإضافة إلى ذلك.. فإن الحواجز البحرية لا تقي من مياه الأمطار الشديدة التي تتسبب في حدوث فيضانات على البرّ.

تقول سنثيا روزنزوايج، الرئيس المشارك للجنة المناخ لمدينة نيويورك وعالم رئيس بمعهد جودارد لدراسات الفضاء في نيويورك، التابع لوكالة الفضاء الأمريكية: «إن إعصار ساندي أظهر بوضوحٍ الحاجة إلى عمل الدراسات المتعلقة بالحواجز البحرية الآن، لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى تطوير منظومة من الحلول المتكاملة والشمولية، وألّا نضع كل البيض في سلة الحواجز البحرية».

لقد بدأت نيويورك بالفعل في تطبيق خطة واسعة، تم الإعلان عنها في 2007 لجعل المدينة أكثر مرونة في مواجهة التأثيرات المتوقعة لتغير المناخ، عن طريق نقل الأجهزة الكهربائية من الأقبية، وتبنِّي تصاميم حضرية جديدة للمناطق الساحلية؛ يمكنها تحمُّل فيضانات تحدث بشكل متقطع. ولم يتضح بعد كَمْ أسهمت هذه الجهود في تخفيف تأثيرات العاصفة التي حدثت في أول نوفمبر 2012. وبينما تقوم المدينة والمنطقة باستعادة الخدمات الأساسية في الأيام والأسابيع القادمة، تقول روزنزوايج بأن على العلماء والمسؤولين الحكوميين التأكد من أن كل جهود إعادة البناء يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التأثيرات المديدة لتغير المناخ. وتضيف روزنزوايج: «مع أننا قد لا نشهد عاصفة بهذا الحجم لوقت طويل، إلا أنه يجب أن تستمر عملية التكيُّف في المدينة، وأنْ تمضي قُدُمًا».

  1. Liu, J., Curry, J. A., Wang, H., Song, M. & Horton, R. M. Proc. Natl Acad. Sci. USA 109, 4074–4079 (2012)
  2. Francis, J. A. & Vavrus, S. J. Geophys. Res. Lett. 39, L06801 (2012)
  3. Grinsted, A., Moore, J. C. & Jevrejeva, S. Proc. Natl Acad. Sci. USA http://dx.doi.org/10.1073/pnas.1209542109 (2012)
  4. Lin, N., Emanuel, K., Oppenheimer, M. & Vanmarcke, E. Nature Clim. Change 2, 462–467 (2012)