أخبار

الظهور الأوّل للقاح فيروس التهاب الكبد الوبائي «هـ/E»

نجاح المشاركة الصينيّة في مجال التكنولوجيا الحيويّة يزيد من الآمال في الوقاية من الأمراض المهمل ذكرها.

سوو بين بارك
  • Published online:

تسبّبت أنظمة الصرف الصحّي السيئة في معسكر يوسف باتيل للاجئين بجنوب السودان في إحداث وباء بفيروس التهاب الكبد الوبائي «هـ E» في بداية هذا العام.

تسبّبت أنظمة الصرف الصحّي السيئة في معسكر يوسف باتيل للاجئين بجنوب السودان في إحداث وباء بفيروس التهاب الكبد الوبائي «هـ E» في بداية هذا العام.

A. Ohanesian/Reuters

شهد الأسبوع الماضي إصدار أحد المصانع الصينيّة للدفعات الأولى من لقاح فيروس التهاب الكبد الوبائي «هـ E»، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها في العالم، وهو ما يزيد من الطموحات في التصدّي لمرض يُصيب سنويا ما يقارب العشرين مليونًا، ويهدّد حياة أكثر من 70 ألف شخص، كما يُمثّل هذا اللقاح نصرًا كبيرًا أحرزته المشاركة بين القطاعين العام والخاص في الصين، التي تُعدّ بدورها سابقةً تاريخيّة في قطاع يتمتّع بازدهار كبير في الصين؛ وهو قطاع التكنولوجيا الحيويّة. هذا.. ويعقد الكثيرون الآمال على هذا السَّبْق لتقديم لقاحات أخرى لأمراض يتجاهلها الغرب إلى درجة كبيرة.

وجدير بالذكر أنّ فيروس التهاب الكبد الوبائي «هـ E» المنقول عبر المياه غالبًا ما يُحدث إصابات في البلدان النامية التي تفتقر إلى نظم صرف صحي جيّدة، لتجده منتشرًا بشكل خاص في شرق وجنوب آسيا. وتسبّب الإصابة بالفيروس مرضًا طفيفًا في عديد من الحالات، إلّا أنّ هناك احتمالاً لحدوث فشل كبدي حاد؛ مما يؤدي بدوره إلى معدّل وفيّات يبلغ 4% في بعض المناطق، بينما ترتفع هذه النسبة لتصل إلى 20% في النساء اللواتي يُصبن به أثناء المراحل المتأخرّة من الحمل. وقد أُصيبت منطقة چينجيانج ويجر، ذاتيّة الحكم بشمال الصين1، بتفشٍّ شديد لفيروس التهاب الكبد الوبائي «هـ E» في الفترة بين 1986 و1988، وهو ما نتج عنه 120 ألف إصابة بالمرض، كما حصد أرواح ما يزيد على 700 شخص (انظر: «الأوبئة الخفيّة»). وإلى الآن، لا يوجد علاج لهذا المرض. والطريقة المثلى للتصدي له هي تحسين خدمات الصرف الصحّي.

تمكّن اللقاح الجديد الذي صدقّت عليه «إدارة الأغذية والأدوية الصينيّة SFDA» في ديسمبر2011 من تغيير هذه الصورة؛ فمنذ ما يزيد على عقد من الزمن تمكّن الباحثون في جامعة «جيامين Xiamen» بمقاطعة فوجيان الصينيّة من إحداث تعديلات چينيّة في إحدى نوعيّات البكتيريا الإشيريكيّة القولونيّة Escherichia coli لإنتاج بروتين يُمكِّن حقنه في الجنس البشري من القيام بدوره في تحفيز الجهاز المناعي لمقاومة فيروس التهاب الكبد الوبائي «هـ E». ولم يبدأ التطوّر الإكلينيكي أو قبل الإكلينيكي بشكل جدّي قبل عام 2000، عندما قامت مجموعة «يانج شينج تانج Yangshengtang » ـ وهي شركة عاملة في مجال الأغذية والرعاية الصحيّة ـ باستثمار 15 مليون رينمنبي (أي حوالي 1.8 مليون دولار أمريكي في عام 2000) لإنشاء معمل مشترك للتكنولوجيا الحيويّة في إطار مشاركة مع الجامعة نفسها. وقد اندرج المعمل تحت الطبيعة الوطنيّة في 2006 من قبل وزارة العلوم والتكنولوجيا الصينيّة، ليُعاد افتتاحه مرّة أُخرى، ولكن باسم «المعهد الوطني للتشخيص وتطوير اللقاحات للأمراض المُعدية NIDVD».

ويهدف هذا المعهد إلى الربط بين الجهود الأكاديميّة والمجال الصناعي؛ بما يؤدّي إلى نشر وتسويق اللقاحات الجديدة وبخاصّة تلك الموجّهة إلى الأمراض المُعدية حديثة الظهور، ومن هنا فقد قامت مجموعة «يانج شينج تانج Yangshengtang» بإنشاء شركة تابعة باسم «إينوفاكس Innovax»؛ لتقوم بدورها؛ لتصل باللقاحات المحتملة من مرحلة التجارب الإكلينيكيّة إلى مرحلة التصنيع. ويُعدّ لقاح فيروس الالتهاب الكبدي هـ E «هيكولين Hecolin» هو المُنتج الأوّل للشركة في السوق، غير أنّ هناك لقاحًا آخر لـ «فيروس الورم الحليمي البشري HPV»، ولكنّه ما زال في مرحلة البحث قبل الإكلينيكي. وقد أظهر «هيكولين» بعد المرحلة الثالثة من التجربة الإكلينيكيّة المنشورة في 2010 فعالية كبيرة يقدّمها اللّقاح للوقاية من الإصابة بالعدوى. وجدير بالذكر أنّ التجربة قد أُجريت على قرابة 100 ألف شخص سليم2.

كبر الصورة

Sources: J. M. Hughes et al. Clin. Infect. Dis. 51, 328–334 (2010)/who/Promed-mail

يتكلّف تطوير وتصنيع اللقاح «هيكولين» حوالي 500 مليون رنمينبي (80 مليون دولار أمريكي)، وفّرت الحكومة الصينيّة معظمها عبر الجامعة المُشارِكة في العمل، وسيُباع اللقاح للمستهلكين في الصين بتكلفة قدرها 110 رنمينبي، وتتوقّع الشركة تحقيق مبيعات قدرها 62 مليون رنمينبي في 2013. وتُمثّل هذه الأرباح المُقترحة دخلًا كبيرًا قابلًا للزيادة، لكن حسبما ذكر جون زانج ـ نائب مدير «المعهد الوطني للتشخيص وتطوير اللقاحات للأمراض المُعدية NIDVD» ـ فإنّ نماذج المشاركة بين القطاعين العام والخاص تضمن بصورة أو بأُخرى تطوير وإصدار اللقاحات الحيويّة، بغض النظر عن مدى النّفع الّذي قد تجرّه على المُصنّع. هذا.. ويتوقّع زانج أن يُحقّق اللقاح «هيكولين» نجاحًا سيجذب المزيد من الاستثمارات في مثل هذه البرامج، كما يُقرّ بالتشجيع الذي قدّمته الحكومة الصينيّة، مُضيفًا بقوله: «يعتقد الكثيرون ـ ومنهم ممثّلو شركات الأدوية متعدّدة الجنسيّات والرأسماليّون عاشقو المغامرة، وكذلك مسؤولو الحكومة المحليّة ورجال الأعمال الصينيّون ـ أنّ هذا اللقاح يُعدّ مثالًا يستحق التنفيذ في مجال استثمارات التكنولوجيا الحيويّة».

كذلك يُشير زانج إلى أنّ شركة «جلاكسو سميث كلاين GlaxoSmithKline»، الشركة البريطانيّة الرائدة في مجال التصنيع الدوائي، قد تمكّنت من تطوير لقاح مستقل لفيروس التهاب الكبد الوبائي «هـ E» بالتعاون مع الجيش الأمريكي، وهو ما مثّل إحدى بشائر النجاح في المرحلة الثانية من التجارب الإكلينيكيّة3، ولكن النجاحات التجاريّة المُحتملة في البلدان النامية، حيث يتفشّى الفيروس، لم تكن كبيرةً، وهو ما علّق عليه زانج بقوله: «لا ينطبق هذا الأمر على فيروس التهاب الكبد الوبائي «هـ E» فحسب، وإنّما على الكثير من الأوبئة الأخرى في العالم».

ويُوافق جيرمي فارار ـ مدير وحدة البحث الإكلينيكي التابعة لجامعة أكسفورد في هوشي منه بفيتنام ـ على أنّ المُنتجات الطبيّة لحالات مثل لقاح فيروس التهاب الكبد الوبائي «هـ E» المنتشرة في الأساس في البلدان النامية «لا تمثّل فرصة لجني المكاسب الكبيرة، فهناك شركات جديدة تعمل باستخدام نماذج مختلفة للتمويل، وهو ما يقدّم فرصة كبيرة، قد يكون لإحداها أثر كبير».

لقد ظهر لقاح «هيكولين» في الوقت المُناسب لمجابهة الارتفاع الملحوظ لحالات الالتهاب الكبدي «هـ E» في أفريقيا4، حيث ضرب وباءٌ أوغندا في عام 2007، أدى إلى إصابة ما يزيد عن 100 ألف شخص، لقي 160 منهم حتفهم في تلك الفترة. وبحلول نهاية سبتمبر الماضي توفّى ما يزيد على 200 حالة، جرّاء اليرقان الناتج عن الإصابة بالفيروس في معسكرات اللاجئين بكينيا بدءًا من أغسطس، كما شهدت ثلاثة معسكرات أُخرى للّاجئين في جنوب السودان وفاة 16 شخصًا، وإصابة 400 آخرين منذ يوليو الماضي، وهو ما عبّرت عنه وزارة الصحّة بجنوب السودان في سبتمبر الماضي بقولها: «يزداد عدد الحالات يومًا بعد يوم، بما يضع ضغطًا هائلًا على الخدمات والموارد الصحيّة المُتاحة، ويُهدّد بدوره بحدوث أزمة إنسانية كُبرى».

هذا.. وتخوض كل من جامعة «جيامين Xiamen» وشركة «إينوفاكس» مفاوضات مع «منظّمة الصحّة العالميّة» لتسجيل اللقاح «هيكولين» ضمن برنامج تأهيل الأدوية التابع للمنظّمة، الذي يهدف بدوره إلى توفير الأدوية لهيئات مختلفة، كصندوق الأمم المتّحدة للطفولة، وبرنامج الأمم المتّحدة المشترك لمكافحة فيروس العوز المناعي. ويقرّ فارار بضرورة التأكّد من القدرة على استخدام هذه اللقاحات في أي مكان، ويقول: «سيكون أمرًا مخجلًا ألّا تتوافر هذه المُنتجات خارج الصين».

وعقّب فارار بقوله: «يجب علينا القبول بأن تُصبح الشركات الشبيهة بتلك الصينيّة ذات أهميّة كبيرة في المستقبل، وسيكون على بقيّتنا محاولة اللحاق بها، كما أننا نحتاج إلى إيجاد طريقة ـ من خلال منظّمة الصحّة العالميّة ـ للتأكّد من الوصول إلى الشفافية التامّة، فضلًا عن السلامة وفعالية تلك اللقاحات».

  1. Zhuang, H., Cao, X. Y., Liu, C. B. & Wang, G. M. Gastroenterol. Jpn. 26, 135–138 (1991)
  2. Zhu, F.-C. et al. Lancet 376, 895–902 (2010)
  3. Shrestha, M. P. et al. N. Engl. J. Med. 356, 895–903 (2007)
  4. Teshale, E. H. et al. Emerg. Infect. Dis. 16, 126–129 (2010)