تحقيق إخباري

الحراك العالمي: العِلم المُتجوِّل

تُظْهِر الصورة الكبيرة للهجرة العالمية أن العلماء عادة ما يقتفون أثر مصادر تمويل الأبحاث، لكن الثقافة قد تغيِّر هذه الوتيرة.

ريتشارد فان نوردين
  • Published online:

قام عالما الأعصاب يوه نونج يان وزوجته ليلي يان بإدارة العمل بمختبرهما في جامعة كاليفورنيا، بسان فرانسيسكو، لأكثر من ثلاثة عقود. وهو وقت كاف لملاحظة تغير جغرافية العلم. عندما بدأ الزوجان يان بتعيين الموظفين في ثمانينات القرن العشرين، اختارا العلماء المولودين بمقر إقامتهما. ويُذكر أن تسعة من موظفيهما الأحد عشر الأوائل كانوا أمريكيين.

عمل يوه نونج وليلي ـ اللذان وصلا بدورهما إلى الولايات المتحدة قادمَيْن من تايوان في الستينات ـ بشكل متزايد على استقدام الكفاءات من الخارج. واليوم، يعتلي الباحثون الذين قدموا أصلا من الصين معظم المقاعد، حيث يستضيف المختبر 16 عالما صينيا، و12 عالما أمريكيا، واثنين من كوريا، وواحدا من كل من كندا والهند وسنغافورة وتايوان وتركيا وألمانيا.

قصة الزوجين يان ليست غير اعتيادية. يقول يوه نونج: «هناك ازدياد مستمر في التنوع الجغرافي لخريجي الدراسات العليا وحملة شهادات الدكتوراة بمعظم الجامعات الرائدة»، فخلال السبعينات مثلاً، حصل الطلاب غير المواطنين على حوالي ربع منح الدكتوراة في الولايات المتحدة في العلوم الفيزيائية والهندسة والرياضيات وعلوم الحاسوب. وبحلول عام 2010، ارتفعت هذه الحصة لأكثر من النصف، استنادا إلى المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF). وفي علوم الحياة، ارتفعت حصة الأجانب من أقل من 20% بقليل إلى 30%. وقد شهدت المملكة المتحدة وألمانيا وأستراليا اتجاهات مماثلة.

وبالنظر في البيانات، والتحدث إلى خبراء وإجراء مسح خاص بنا شمل 2300 قارئ بجميع أنحاء العالم، تحاول مجلة «نيتشر Nature» تحديد الاتجاهات الأساسية في تحركات العلماء، والبحث عن الأسباب الدافعة لهم واستكشاف الوسائل التي تغيرهم. ويبدو أن الصورة العالمية للعلم وآفاق مختلف البلدان التي تأمل ببناء قوتها البحثية ـ أو الحفاظ عليها ـ في خطر.

من الممكن أن تكون النظم البحثية عالية الإنتاجية كتلك المتبعة بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة قد استفادت من انفتاحها على العلماء الأجانب، برغم صعوبة إثبات هذا الأمر. وتبدو هذه الفائدة واضحة بالنسبة للزوجين يان (اللذين فازا هذا العام بمبلغ 500 ألف دولار أمريكي قيمة جائزة جروبر لاكتشافاتهما في البيولوجيا العصبية الجزيئية). وهما يعتقدان أن الباحثين الأجانب يثرون المختبر ثقافيا بالإضافة إلى إثرائه علميا. وقد تكون القدرة على الاستفادة من المواهب العالمية مساعدة أيضا على التعويض عن جوانب الضعف في نظام تدريس العلوم بالولايات المتحدة.

وهناك بلاد تشعر بالقلق جراء خسارتها لأفضل باحثيها. ومن بين العلماء الأكثر ذكرًا عالميا بين عامي 1981 و2003، واحد من كل ثمانية قد ولد في إحدى البلاد النامية، لكن 80% منهم انتقلوا فيما بعد إلى الدول المتقدمة (غالبًا الولايات المتحدة)، وذلك وفقا لدراسة أجراها بروس واينبرج في عام 2010 بجامعة ولاية أوهايو في كولومبوس. فالهند مثلاً، تخسر كثيرًا، بحسب ما صرح بينود خادريا، الخبير الاقتصادي بجامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي، والباحث في اقتصاديات الحراك الدولي. ويضيف: «الأشخاص الأفضل والأكثر ذكاء يبقون في البلاد الأخرى».

كل هذا يؤكد أن العلم الذي كان دائمًا يمثل ثقافة عالمية، أصبح الآن سوقا عالمية، تحتل صدارته البلاد ذات النظم البحثية الديناميكية جيدة التمويل. إن «توليد المعرفة والأبحاث في الحقيقة مشروع بلا حدود»، بحسب راجيكة بهنداري، التي تدرُس حراك الطلاب الأجانب بـ«معهد التعليم الدولي» في نيويورك، التي أردفت: «يذهب الأكاديميون إلى حيث يوجد التمويل، وتوجد التسهيلات».

غدوًّا ورواحًا

ما تزال الصورة الشاملة لهذه الهجرات ضبابية.. فلدى تتبع حركة القادمين والمغادرين، نجد أن البلاد في معظمها تضم العلماء إلى المهاجرين الآخرين «ذوي المهارات العالية»، وتختلف طريقة حفظ السجلات من بلد إلى آخر. تقول باولا ستيفان، الباحثة في الاقتصاد والعلوم بجامعة ولاية جورجيا بأتلانتا: «إن عدم وجود طريقة ثابتة لتتبع الأشخاص الذين يستخدمون نفس المنهجية بمختلف البلاد هو ما يسبب الإحباط الشديد». وتشير ستيفان إلى وجود «كثير من الدراسات الصغيرة على فئات معينة من العلماء، لكن لا يوجد بنك دولي للبيانات».

وكثيرا ما يحدث خلط عند الحديث عن «الهجرة» و«الحراك» بين إعادة التوطين الدائمة على المدى الطويل وبين الزيارات قصيرة الأجل ـ كالتفرغ ستة أشهر، أو زيارات تستمر خمسة عشر يوما ـ التي تتيح للعلماء بناء شبكات البحوث، دون الاستقرار الفعلي في بلد آخر. تقول جرِت لاودل، عالمة الاجتماع بجامعة تفينتي في انشيده بهولندا إن «هناك أنواع تنقلات، نادرا ما تتم الإشارة إليها».

كبر الصورة

وتُشكّل ستيفان جزءًا من إحدى محاولات إنهاء هذا اللبس.. ففي مسح «GlobSci»، الذي سينشر بمجلة «نيتشر بيوتكنولوجي» هذا الشهر، استطلع الباحثون آراء حوالي 17 ألف عالم في أربعة حقول علمية (البيولوجيا، والكيمياء، وعلوم الأرض والبيئة، والمواد) في 16 دولة عن تحركاتهم. وكانت النتيجة ما أطلقوا عليه اسم «أول دراسة منهجية لحراك العلماء في عدد كبير من البلدان».

وتُظْهِر الأرقام فوارق كبيرة بين بلد وآخر، في كل من نسبة العلماء ذوي الأصول الأجنبية (انظر «نسب الأجانب») وفي نسبة الباحثين الذين يعملون خارج بلادهم الأصلية (انظر «الشتات العالمي»). وتبدو الولايات المتحدة بلدًا منفتحة فعلاً: فمن بين الـمُستَطلعين الذين كانوا يعملون أو يدرُسون هناك لدى إجراء المسح بأوائل عام 2011، كان 38% منهم قد نشأوا في الخارج، كما أنها تعتبر الوجهة الأولى للعلماء الذين يغادرون أوطانهم من كل الدول تقريبا. وإذا نظرنا إلى الأمر بشكل نسبي، فإن كلاً من سويسرا وكندا وأستراليا، استضافت أعدادًا أكبر من الباحثين الأجانب، مقارنة بالولايات المتحدة، وتستضيف سويسرا أعلى حصة من الأجانب بنسبة تصل إلى 57٪، في حين تستضيف الهند أقل نسبة من العلماء الأجانب، تليها إيطاليا واليابان، لكن تبقى الهند صاحبة أعلى نسبة علماء في الشتات، حيث تصل نسبة باحثيها الذين يعملون في الخارج إلى 40% (المسح لم يشمل الصين)، وجاء الباحثون اليابانيون والأمريكيون الأقل ميلاً للعمل خارج بلادهم.

كبر الصورة

وتؤثر المرحلة الوظيفية على تنقّل العلماء.. فقد قامت الباحثة كيارا فرانزوني ـ وهي ضمن مؤلفي «GlobSci»، وتدرُس العلوم والابتكار بجامعة العلوم التقنية «ميلانو بوليتكنيك» بإيطاليا ـ بإجراء تحليل غير منشور لبيانات «GlobSci»، وأظهرت أن الباحثين بمرحلة ما بعد الدكتوراة ببلاد ما، هم على الأرجح من الأجانب، وهم أكثر بكثير من الأساتذة الأجانب (انظر «الشباب المتململ»). وفي الولايات المتحدة، مثلاً، نجد أن 61% من الباحثين بعد الدكتوراة قد نشأوا في الخارج، مقابل 35% فقط من الأساتذة، أو الأساتذة المساعدين، أو الأساتذة المشاركين.

ووجدت مجلة «نيتشر Nature» نماذج مماثلة عندما أجرت مسحا على القراء؛ للوقوف على سلوكياتهم المتصلة بالهجرة، وعلى تاريخهم الشخصي. فالذين حصلوا لِتَوِّهم على درجة الدكتوراة كانوا غالبًا يعيشون خارج بلادهم التي نشأوا بها أكثر مما كان العلماء المخضرمون، كما كانوا أكثر انفتاحا نحو التحرك الدولي، ربما لعدم استقرارهم مهنيًّا بعد، وكانوا أقل عرضة للارتباط بعلاقات شخصية وعائلات. وارتفعت نسبة المشاركين في الاستطلاع، الذين قالوا إنهم «غير مهتمين» بالانتقال الدولي من 10% فقط بين أولئك الذين حصلوا على شهادة الدكتوراة في غضون العامين الماضيين إلى 40٪ بين الذين حصلوا على الدكتوراة قبل 16 عاما على الأقل.

كبر الصورة

يقول باتريك جول، الخبير الاقتصادي الذي يدرس العلوم والابتكار بجامعة تشارلز في براج: «من منظور السياسات، يشير أحد الاستنتاجات السريعة إلى أنك إذا كنت تحاول إعادة الناس الذين درسوا في الخارج مرة أخرى، فسيتعيَّن عليك أن تستهدف الشباب؛ لأنهم الأسهل تحركا». وقد تعقّب تحركات حوالي 2000 كيميائي أجنبي رفيع المستوى تابع لجامعات بالولايات المتحدة بين عامي 1993 و2007. وبحسب تقديراته، سيعود 9% فقط إلى أوطانهم عند انتهاء مساراتهم المهنية، وأرجحية عودتهم بين بلوغهم سن الخامسة والثلاثين والخامسة والأربعين تعادل سبعة أضعاف إمكانية العودة بعد سن الخمسين.

أقدام متململة

أكثر ما يحرص عليه صناع السياسات لجذب العلماء الأجانب، أو لوقف خسارة المواهب المحلية، هو الوقوف على ما يغري العلماء عبر الحدود.

ففي مسح «GlobSci»، حدد المهاجرون ـ بشكل موحد ـ نفس العامِلَيْن (للهجرة) بقمة القائمة: فرص تحسين الوضع المهني، وفرق الأبحاث المتميزة. وقد كان تميز المؤسسة الأجنبية أمرًا مهمًّا أيضًا، في حين أتت نوعية الحياة والأسباب الشخصية الأخرى أسفل القائمة. وبالنسبة إلى أولئك الذين هاجروا إلى الخارج، وعادوا فيما بعد إلى بلادهم الأصلية، احتلت الأسباب الشخصية والعائلية ـ التي أجبرتهم على ذلك ـ درجة أعلى.

ويلاحظ عديد من الاقتصاديين أن البلاد التي تزداد غِنًى، تستقطب مزيدا من الباحثين للقدوم إليها. ويعتبر الناتج المحلي الإجمالي ومستويات الأجور مقاييس مناسبة، لكن يرجح أن تكون وحدها كافية كإغراء بالقدوم، فهي ترتبط بالتأكيد بالفرص الوظيفية الأعلى، والمرافق البحثية المتفوقة، مثلاً.

ولا تشكل الثروة كل الصورة: فالديناميكية، والأنظمة المرنة التي تتيح التنافس للحصول على التمويل والتقدم أمور حاسمة أيضا، مثلما لاحظ كيرون فلانَجان، الذي يدرس سياسات العلوم والتكنولوجيا بجامعة مانشستر البريطانية. فاليابان وإيطاليا ـ مثلا ـ دولتان غنيتان، لكنهما مع ذلك تجتذبان أعدادا قليلة من العلماء الأجانب، بسبب البيروقراطية المتحجرة نسبيا فيهما. كذلك «من الصعب الحصول على عمل عندما تذهب إلى هناك؛ لكن عندما تكون هناك بالفعل وقد استقرت أمورك، يصعب التخلص منك».

ويمكن للنظام الجامد أيضا أن يثبط الباحثين المولودين محليا عن الهجرة، بحسب ما ذكرته لاودل، مشيرة إلى أن الباحثين الشبان في كل من ألمانيا وهولندا، يلاقون تشجيعا على السفر إلى الخارج، والعودة بسرعة أيضًا. وتتابع: «يقول لي الناس إنه لا بد لي من العودة إلى ألمانيا، وإلا لن أتمكن من العودة والاندماج في المنظومة القائمة». وتضيف: «إذا رجعت بعد فوات الأوان، فلن يعود الهيكل الوظيفي مناسبا لك».

أما اتسوشي سونامي، خبير سياسات العلوم والتكنولوجيا بمعهد طوكيو الوطني للدراسات العليا في العلوم السياسية، فيشير إلى سبب آخر لعزلة اليابان، وهو: الثقافة. ويقول: «في كثير من الأحيان، عندما نسأل الباحثين الأجانب عن نشاطاتهم البحثية اليومية، يجيبون بأنها جيدة، لكن التكيف مع مجتمعنا خارج المختبر أمر صعب». وفي بعض النواحي، يقيـّم الباحثون الذين يفكرون في التحرك دوليا ـ كجميع المهاجرين ـ العوامل التي تتضمن الأجور وآفاق التطور الوظيفي، ولكنها تمتد إلى نوعية الحياة، وتعليم الأطفال، ومجالات النمو الوظيفي للأزواج، بحسب ما ذكرته لويز أكرز، التي تدرس حركة العلماء الأوروبيين بجامعة ليفربول البريطانية.

وقد تحاول الحكومات تغيير الموازين من خلال سياسات الهجرة وحوافز السفر.. فأوروبا، مثلاً، لديها برامج لتشجيع السفر داخل منطقة البحوث الأوروبية متعددة الأقطار، كما وضعت الصين «خطة الألف موهبة»؛ لاستقدام أكاديميين أجانب، ولإقناع العلماء الصينيين أيضا بالعودة. وفي الآونة الأخيرة، قالت بهنداري: «في اعتقادي، قامت الصين وكوريا الجنوبية بأمر أفضل كثيرا مما فعلته الهند، وذلك بالوضع الطوعي لحوافز وفرص مدروسة بطريقة جيدة لتشجيع عودة الطلاب إلى الوطن». وفي الولايات المتحدة، قال المرشحان الرئاسيان ـ رومني وأوباما ـ إنهما يرغبان في زيادة عدد تأشيرات الدخول المتاحة للمهاجرين الموهوبين.

ومع ذلك.. فإن وجود نظام علمي ديناميكي جيد التمويل يبدو أفضل من جميع الحوافز الأخرى. وحتى تراجُع عدد التأشيرات بعد 11 سبتمبر 2001 لم يقلل من حماس طلاب العلوم لطلب الهجرة إلى لولايات المتحدة. تقول بهنداري «رغم الخشية والقلق من إمكانية تراجع الأرقام كثيرا، إلا أنه إحصائيا لم يكن هناك تراجع في معدلات التحاق الطلاب الأجانب بأكثر من 2%». وتضيف: «بحلول 2006 كانت الأرقام قد أخذت في الارتفاع».

المسألة الصينية

يتساءل خبراء السياسات العلمية في الولايات المتحدة كم يمكن للأمة أن تبقى مسيطرة على المواهب الأجنبية. يأتي أكبر تجمع من طلاب الدكتوراة في البلاد من الصين، ويظهر البحث الذي أجراه مايك فِنّ، الخبير الاقتصادي بمعهد أوك ريدج للعلوم والتعليم بولاية تنيسي، أن معظمهم سيبقى هناك في الوقت الحالي. وبدراسته لمجموعة من العلماء الصينيين الذين نالوا درجات الدكتوراة في 2004، وجد فِنّ بعد خمس سنوات، أن 89% منهم ما يزالون في الولايات المتحدة.

قد تكون الرواتب الأكثر ارتفاعا هي الإغراء الأكبر. فقد أجرى روبرت زَيْتهامر، بمدرسة أندرسُن للإدارة بجامعة كاليفورنيا، بلوس أنجيليس، مسحًا على حوالي 300 طالب علوم صيني ممن يدرسون لنيل درجة الدكتوراة بالولايات المتحدة، وطلب منهم تقديم استجاباتهم لعروض عمل افتراضية تقدم لهم من البلدين. وخلص إلى أن «خريجي الدكتوراة الصينيين يميلون حاليا للبقاء بالولايات المتحدة نظرًا للتفاوت الكبير في الرواتب بين البلدين، أكثر من كونها رغبة متأصلة في الاستقرار بالولايات المتحدة».

كبر الصورة

ومع مواصلة الصين صعودها الاقتصادي وبنائها بنيتها التحتية العلمية، قد يتبدل الأمر. تُظْهِر البيانات المستقاة من الكتاب الإحصائي السنوي الصيني ازديادًا طفيفًا في معدلات عودة الطلاب الصينيين من الخارج على مدى السنوات القليلة الماضية (رغم أن البيانات لا تقتصر على العلماء)، حسبما لاحظ كونج كاو، عالم الاجتماع بكلية الدراسات الصينية المعاصرة بجامعة نوتنجهام ببريطانيا. لكن فِنّ يقول إنه ليس هناك ما يشير حتى الآن إلى أي تراجع بمعدلات البقاء بالولايات المتحدة. ويشير إلى أن نسبة الأجانب الذين يقولون إن لديهم «خططًا للبقاء» بعد التخرج قد ارتفعت ولم تتراجع خلال العقد الماضي.

ولا تزال المغريات التي تقدمها الصين للبقاء فيها ضعيفة بالنسبة للعلماء غير الصينيين. وفي المسح الذي أجرته مجلة «نيتشر Nature» (الذي تلَقَّى مشاركات من الولايات المتحدة وأوروبا بشكل رئيس)، سُئل الباحثون عن الدول التي ستنتج أفضل العلوم بمجال تخصصهم بحلول 2020؛ فانتقى أكثر من 60% منهم الصين في العلوم البيولوجية والفيزيائية، كإجابتهم المختارة، لكن 8% منهم فقط قالوا إنهم على استعداد للانتقال إلى الصين، بدلا من تفضيل الولايات المتحدة وأوروبا وكندا وأستراليا (انظر «أرض الميعاد»). وتشير الاستجابات إلى أن الصين ليست مغرية للباحثين الأجانب؛ لأسباب سياسية وثقافية (انظر «تقدير صواب الانتقال»)، رغم التوقعات العالية لجودة أبحاثها مستقبلا.

كبر الصورة

قد يكون هذا التفاوت خطيرا، مثلما أشار جوناثان أدامز، مدير تقييم الأبحاث في طومسون رويترز، بنيويورك. وإذا لم يمض الباحثون في أوروبا والولايات المتحدة أوقاتا كافية في الصين، كما يقول، فسيجدون صعوبة في فهم كيفية إجراء البحوث هناك، حتى مع تزايد تأثير هذا البلد في مجال العلوم.

كسب للطرفين؟

يجادل الذين يدرسون تنقل العلماء بأنه لاحاجة للإيقاع بين الأمم المختلفة، كما لو أن استفادة الصين تعني خسارة للولايات المتحدة. وبدلا من «نزيف الأدمغة» و«اكتساب الأدمغة»، يفضلون الحديث عن «تجوّل الأدمغة»، حيث يقوم العلماء الأجانب بالدخول إلى البلاد ومغادرتها بمِلْء إرادتهم، بحيث يستفيد الجميع من هذا التعاون. ويقول فلانَجان: «سيحدث تراجع نسبي بالطبع في أمريكا، كما حدث في المملكة المتحدة، لكنها ستقوم بإجراء ما يكفي من البحوث الرائدة للاستفادة من العمل المنجز في مكان آخر»، ويضيف: «إن الأمر الرئيس هو وجود قاعدة علمية قوية بما يكفي للتفاعل مع العالم العلمي المعولم والمتنقل».

لقد استفاد الباحثون في شركة النشر الهولندية «إلسفيير Elsevier» ـ الذين يتتبعون تحركات العلماء عن طريق تتبع عناوين النشر الخاصة بهم ـ من سمات لاحظوها من هذا النمط. وكانت أبرز النتائج المبكرة لكل البلدان هي النسبة الكبيرة من العلماء «العابرين»، الذين يقيمون في بلد ما لمدة تقل عن عامين في وقت واحد. تقول أكرز من جامعة ليفربول إن بعض الأدلة، بما فيها المسح الذي أجري على الباحثين في برنامج الزمالة الذي يقدمه مركز ماري كوري الأوروبي، يشير إلى أن الزيارات الأقصر المتكررة باتت تكمل بشكل متزايد السفرات طويلة المدى إلى مختبرات أخرى.

وبوجود الإنترنت، الذي سهّل العمل مع المتعاونين الدوليين، رغم تباعد المسافات، تشير أكرز إلى أن زيارات متكررة تستمر لأسبوع أو لشهر، يمكنها أن تسفر عن نتائج مكافئة، إن لم تكن متفوقة على النتائج التي تحققها إقامة لمدة نصف سنة. تقول أكرز: «الفكرة القديمة التي تقترح سفر الباحثين من بلد؛ للإقامة الدائمة ببلد آخر، تجاوزها الزمن تماما الآن»، معلِّقةً بأن إقامة الناس ببلد واحد، والعمل في اثنين أو ثلاثة سيصبح أمرًا أكثر شيوعًا. ومع كل هذا التنقل القافز عالميًا، يبقى السؤال: كم من الوقت سيحتاج الباحثون قضاءہ بالمكان نفسه للتوصل إلى تعاون فعال؟ والجواب سيكون مختلفا حتمًا، تبعًا للتخصصات.

وهذه النظرة إلى العالم المتجوّل المعولم ما تزال بعيدة عن الواقع: فعدد المواطنين العالميين من العلماء الذين يمكنهم الظهور في أفضل مرافق الأبحاث ومغادرتها ما زال قليلا جدا. وفي البلاد النامية كالهند، نجد أن مفهوم «تجول الأدمغة» لا يعكس الواقع الحقيقي بدقة، كما يقول خادريا. فما زال نزيف الأدمغة أمرًا حقيقيًا بشدة. ويتابع: «من يعودون ليسوا بأفضل العلماء، فهم يعودون عندما ينجزون معظم أعمالهم المنتجة».

قد يمثل العلم مشروعًا عالميًّا باضطراد، لكن إلى أن يزيد المتنافسون المتوقَعون من إنفاقهم على العلم ومرافقه، فسيُمنح العلماءُ مزيدًا من الفرص للتجمع في البلاد الموجودة فعلا على قمة التقدم.