أخبار

أبحاث نوبل تعطي دَفْعَة قوية لتطوير الأدوية

جائزة نوبل للكيمياء تكرّم دراسات بروتينات المستقبلات الخلوية.

ريتشارد فان نوردِن
  • Published online:

حصل عالما البيولوجيا الجزيئية روبرت ليفكوڤيتز (يسار الصورة)، وبرايان كوبيلكا على جائزة نوبل للكيمياء مناصَفَةً هذا العام.

حصل عالما البيولوجيا الجزيئية روبرت ليفكوڤيتز (يسار الصورة)، وبرايان كوبيلكا على جائزة نوبل للكيمياء مناصَفَةً هذا العام.

S. D. Davis/Getty; (RIGHT) K. White/Getty

روبرت ليفكوڤيتز، وبرايان كوبيلكا طبيبان بشريان، جذبتهما دراسة الإشارات الخلوية نحو العلوم الأساسية. وكان في ذلك نفع رائع للطب؛ فأبحاثهما في مجال البروتينات الأساسية للاتصال الخلوي ساعدت في اكتشاف عديد من الأدوية، وقد تفتح آفاقًا لتصميم عقاقير أكثر انتقاء. في أكتوبر الماضي، منحتهما هذه الأبحاث أيضًا جائزة نوبل في الكيمياء لهذا العام.

أمضى كلٌ من ليفكوڤيتز ـ النيويوركي الثرثار ـ والباحث بالمركز الطبي لجامعة ديوك بمدينة دُرَم بولاية نورث كارولاينا، وكوبيلكا ـ المعروف بتحفظه ـ والباحث بكلية طب جامعة ستانفورد حياتهما المهنية في دراسة «المستقبلات المرتبطة ببروتين جي» (GPCRs). تتحلَّق تلك البروتينات عبر غشاء الخلية لتنقل الإشارات الخارجية ـ كدفقات الهرمونات، أو اندلاع الناقلات العصبية ـ إلى داخل الخلية لتحفيز نشاطها البيوكيمائي.

على الأقل، كانت نسبة 30% من العقاقير تستهدف بروتينات الأغشية الخلوية، التي تمثل عائلة تضم حوالي 800 بنية وثيقة الصلة ببعضها البعض. وقد كان «مانع بيتا» (beta-blocker) أحد أعظم اكتشافات القرن الماضي، لدوره في تهدئة القلب من خلال تقييده المستقبلات المرتبطة ببروتين «جي»، مانعًا بذلك تفاعلها مع إشارات هرمون الأدرينالين. ولم يكن عالم الأدوية البريطاني الشهير جيمس بلاك على علم بتلك التفاصيل عندما طوَّر أول مانع-بيتا (پروپرانولول) في عام 1964.

في أواخر الستينات، بدأ ليفكوڤيتز استخراج تفاصيل المستقبلات المرتبطة ببروتين «جي»، مُركِّزًا جهوده على «مستقبل أدرينالين β2». وبحلول الثمانينات تمكن فريقه ـ متضمنًا كوبيلكا كزميل باحث ـ من تنقية تلك المستقبلات بشكل كافٍ لاستنساخها ومعرفة تركيبها التسلسلي. وكان التشابه المذهل بين التركيب التسلسلي لتلك المستقبلات مع تركيب بروتين «رودوبسين» (rhodopsin)، وهو مستقبل ضوئي في العين «صدمة كاملة»، بتعبير ليفكوڤيتز، الذي ألمح إلى إمكانية أن تُشكل تلك المستقبلات عائلة واحدة.

وكلما تم التعرف على مزيد من تلك البروتينات، زاد توظيفها في تطوير الأدوية، حسبما ذكرت فيونا مارشال، المسؤول العلمي الرئيس لشركة أدوية هيبتاريس (Heptares) المتخصصة في أدوية المستقبلات المرتبطة ببروتين «جي»، ومقرها ويلوين جاردن سيتي ببريطانيا. وبديلا عن بحث تأثير مادة كيميائية ما على نسيج حيواني، يمكن للكيميائيين أن يختبروا قابلية الآلاف من المركبات للتفاعل مع المستقبلات المرتبطة ببروتين «جي» في أنبوبة اختبار. وتشمل العقاقير المُكتشَفُة بتلك الطريقة العَقار مارافيروك، المضاد للفيروسات القهقرية، الذي يعوق ارتباط فيروس الإيدز بالخلايا. وقد تم ترخيص هذا العَقار من قِبَل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في عام 2007.

قضي كوبيلكا عشرين عامًا ـ بعد أن ترك فريق ليفكوڤيتز ـ في محاولة الحصول على التركيب البلوري للمستقبلات المرتبطة ببروتين «جي»، وهي مهمة في غاية الصعوبة؛ نتيجة لقابلية البروتين للتفكك عند محاولة استخراجه من غشاء الخلية1. وفي عام 2007، توصل فريق كوبيلكا أخيرًا إلى تركيب2 «مستقبل أدرينالين 2β»، كثاني تركيب أمكن تصويره للمستقبلات المرتبطة ببروتين «جي»، وكان التركيب الأول لجزيء الرودوبسين3 عام 2000 ، وهو أكثر متانة من المستقبلات الأخرى المرتبطة ببروتين «جي».

ومنذ ذلك الحين حصل الباحثون على تركيب ثلاثة عشر مستقبلا. وقد كشف فريق كوبيلكا العام الماضي عن تركيب أكثر إثارة للإعجاب: صورة لـ«مستقبل أدرينالين β2» في حالة نشاط مُجَمَّد، مرتبطا بجزيء يشبه الأدرينالين من ناحية وببروتين الخلية الداخلي «جي» من الناحية الأخرى4.

وتساعد معرفة تلك التركيبات الباحثين بمجال العقاقير على تصميم مركبات موجهة بشكل أفضل، حيث يؤثر الكثير من الأدوية على عدد كبير من المستقبلات المتقاربة، فمثلاً، يتفاعل دواء مرض الفصام أولانزابين olanzapine Zyprexa مع حوالي اثنى عشر نوعًا من المستقبلات المرتبطة ببروتين «جي»، والقليل منها فقط يحقق نتائج مفيدة، أما الباقي فهي تفاعلات عديمة النفع، وتنطوي على أعراض جانبية، مثل زيادة الوزن. وكلما زاد عدد التركيبات البلورية المتاحة؛ ستتمكن شركات الأدوية من تصميم جزيئات ترتبط بشكل مُحكم ومحدد بمستقبلات منتقاة لبروتين «جي». وعلى سبيل المثال.. لدي شركة «هيبتاريس» دواء تحت التجريب لعلاج مرض الزهايمر، يؤثر على مُسْتَقبِل الأستيلكولين الموجود بالمخ، دون التأثير على المستقبلات ذات الصلة الموجودة في القلب والأمعاء.

في هذه الأثناء، أظهر ليفكوڤيتز أن تلك المستقبلات لا ترتبط دائمًا ببروتين «جي» داخل الخلية، بل قد ترتبط أيضًا بعائلة بروتينات «بيتا-أريستين»5، أو arrestins، في تفاعل يُعتقَد أنه المسؤول عن بعض الأعراض الجانبية للعقاقير. ويعمل ليفكوڤيتز وكوبيلكا حاليًا على أول بحث مشترك لهما منذ خمسة وعشرين عامًا: خطوة على الطريق للحصول على التركيب البلوري للبيتا أريستين في حالة ارتباطه بأحد المستقبلات، لكن لا توجد أي ضمانات للنجاح وأنت تُصارع تلك البروتينات المرنة المتمردة. وعلى حد تعبير كوبيلكا مؤخرًا في مؤتمر صحفي، فإنه يستند في مثابرته على «التفاؤل غير العقلاني، أي عليك فقط أن تظل تفكر في أنّ شيئا ما سوف يُكتَب له النجاح».

  1. Buchen, L. Nature 476, 387–390 (2011)

  2. Rasmussen, S. G. F. et al. Nature 450, 383–387 (2007)
  3. Palczewski, K. et al. Science 289, 739–745 (2000)
  4. Rasmussen, S. G. F. et al. Nature 477, 549–555 (2011)
  5. Lefkowitz, R. J. & Shenoy, S. K. Science 308, 512–517 (2005)