رؤية كونية

أسرار بحثي الفائز بالجائزة

سيرج هاروش، الحائز على جائزة نوبل بالمناصفة في الفيزياء لعام 2012، يحذر من التناقص المتزايد في تمويل العلوم

سيرج هاروش
  • Published online:

P. IMBERT/COLLÈGE DE FRANCE

منذ أن تلقيتُ المكالمة الهاتفية في الثلاثاء الماضي من ستكهولم، وما تلاها من ضجة إعلامية، لم أمتلك أي وقت للتأمل العميق، حتى جاءت عطلة نهاية الأسبوع الماضي، التي بدأت بيوم ممطر في باريس، واستطعت فيها تجميع أفكاري بشأن الأسئلة التي طُرحت علىّ مرارًا وتكرارًا خلال الأيام القليلة الماضية، وعلى سبيل المثال.. ما الذي جعل نيل جائزة نوبل أمرًا ممكنا بالنسبة لك؟ وكيف يمكن الاستفادة من بحثك؟ وماذا تود أن تقول لصانعي القرار حين يكونون على استعداد للاستماع إليك؟

إن هذا البحث الذي رأى النور في الأسبوع الماضي كان ثمرة سعي طويل، شرعت فيه منذ 35 عامًا، من خلال فريقي البحثي المكوّن من رفيقي الحالي وزميلي في العمل ريمون جان ميشيل، حين كان طالب دكتوراة يعمل تحت إشرافي، ومايكل برون الذي انضم إلينا بعد ذلك بعشرة أعوام. تعلمنا حينها التلاعب بالذرات والفوتونات؛ لإعداد ومعالجة هاتين الحالتين المعقدتين والنادرتين، كجوهر لعلم فيزياء الكَمّ. كانت لدينا لحظات مبهجة، حين كانت ظاهرة متوقعة تكشف عن نفسها، وبالمثل.. كان علينا التعامل مع كارثة تعطل الأجهزة، وتصحيح نتائج القرارات الخاطئة، والتغلب على الصعوبات التقنية التي كانت تبدو غير قابلة للحل. لعب الحظ دورًا بطبيعة الحال، لأنه لا يوجد ضمان لقدرتنا على تحقيق المرايا شبه المثالية التي تشكل مربع الفوتون لتجاربنا، فذرة واحدة من الغبار كفيلة بتدمير كل شيء.. لكن نجاحنا اعتمد على ما هو أكثر من الحظ؛ وهو الفكر الإبداعي الفريد، والمادة البيئية لمختبر "كاستلر بروسل" في مدرسة المعلمين العليا "إي إن إس" ENS بباريس. هناك كنت قادرًا على جمع فريق بحثي دائم ذي نوعية استثنائية من الخبرات والمعلومات المتراكمة التي ستُنقل إلى أجيال متعاقبة ومشرقة من الطلاب، وكانت المقررات التي أُدَرِسها في مدرسة المعلمين العليا لطلاب الدراسات العليا، وتلك التي قدمتها خلال السنوات العشر الماضية في "كوليج دو فرانس" بباريس أيضًا جزءًا من هذه المغامرة، فمن أجل إعداد مجموعة جديدة من المحاضرات كل عام، كان عليّ التركيز على جوانب مختلفة من تفاعلات الضوء والمادة.

ولم تكن تجاربنا لتنجح، إلا باعتمادها على الدعم المالي المُقدَّم من قبل المؤسسات التي تقوم بإدارة مختبرنا، والمستكمَل من جانب الوكالات الدولية داخل وخارج أوروبا، كما فتحت برامج التمويل الأوروبي مختبرنا للزائرين من العلماء الأجانب، بغرض جلب الخبرة والثقافة العلمية؛ لاستكمال ما نملكه. وخلال هذه المغامرة الطويلة في هذا العالم الصغير، ظللت أنا وزملائي محتفظين بحرية الاختيار في البحث، دون الحاجة إلى تبرير ذلك بوعد إيجاد التطبيقات الممكنة. وللأسف، تلك البيئة التي استفدت منها يصعب أن يجدها العلماء الصغار في الأبحاث الآن، سواء في فرنسا، أو في أي مكان آخر في أوروبا، فندرة الموارد نتيجة الأزمة الاقتصادية، بالإضافة إلى متطلبات إيجاد الحلول العلمية للمشاكل العملية من الصحة والطاقة والبيئة ـ التي تميل إلى مشروعات قصيرة الأمد موجهة نحو هدف معين ـ أكثر من مشاريع البحوث الأساسية طويلة الأمد. ويتعين على العلماء وصف وشرح كافة خطوات أبحاثهم مسبقًا بأدق التفاصيل وأسس البحث، وأخذ كل التغيرات الممكن حدوثها في الحسبان، وأنه إذا امتد هذا النهج إلى أبعد من ذلك؛ فإنه لا يضر فقط بفضول البحث العلمي، لكنه يمكن أن يؤدي أيضًا إلى نتائج عكسية في النهوض بالأبحاث التطبيقية، حيث إن معظم الأجهزة الأكثر عملية جاءت نتيجة تقدم ملحوظ في مجال البحوث الأساسية، ولم تكن لتُطوّر من فراغ.

قد يجد البعض رؤيتي متشائمة للغاية، لكن هناك برامج تأسيسية لتمويل الأبحاث القائمة على الفضول العلمي موجودة بالفعل، وعلى سبيل المثال.. البرامج المدارة من قِبَل المركز الوطني الفرنسي للأبحاث "إيه إن آر" ANR، والمجلس الأوروبي للأبحاث "إي آر سي" ERC، ومع ذلك.. فإن المنح تقتصر على ثلاث أو أربع سنوات على الأكثر، وهو وقت قصير جدا لإنجاز مشروعات طموحة طويلة الأمد. وقد ظهرت المنح المقدمة من المركز الوطني الفرنسي للأبحاث "إيه إن آر" ANR، والمجلس الأوروبي للأبحاث "إي آر سي" ERC مصاحِبة ـ على الأقل في فرنسا ـ لانخفاض التمويل الحكومي المتزايد للمعامل؛ حتى تقلصت فرص الأبحاث طويلة الأمد من قبل العلماء الشباب. وبالطبع فإنه من السذاجة الاعتقاد بأن هذا التمويل سوف يحقق زيادة كبيرة في المستقبل المنظور، إلا أن حل هذه المشكلة قد يكمن في تقديم منح جديدة تمتد لأكثر من عشر سنوات من المجلس الأوروبي للأبحاث "إي آر سي" ERC، مع إجراء تقييم في منتصف الفترة الزمنية.

ولفرنسا أيضًا مشاكل إضافية، ابتداءً من رواتب الوكالات الفرنسية للأبحاث، التي هى أقل بكثير من تلك المدفوعة لمنح أبحاث ما بعد الدكتوراة المقدَّمَة من قبل المجلس الأوروبي للأبحاث، وبذلك يصبح شباب العلماء مقبولين في أعلى السلم الوظيفي، لكن شباب العلماء، حتى مع تحقيق النجاح، يظلون في أسفل السلم لمدة طويلة جدا. ولذلك.. إذا ما أمكن ضخ المزيد من الأموال؛ فيجب أن تُوجَّه هناك. ويمكن إدخال بعض التحسينات بدون أى تكلفة، وتشكل المؤسسات الأكاديمية الفرنسية مجموعة متشابكة من الجامعات ومجالس البحوث، والمدارس والهيئات الحكومية، التي لا يمكن حتى للفرنسيين التنقل خلالها. وقد أضاف كل إصلاح طبقة جديدة، بحيث تعتمد أغلبية المعامل في الحصول على التمويل والتقييم على مجموعة كبيرة من المؤسسات، وهذا يعني المزيد من المتاعب البيروقراطية للعلماء في قضاء وقت كبير في ملء الاستمارات، وكتابة التقارير، بدلاً من إجراء البحوث. إنه نظام معقد، يفتقد إلى التبسيط.

إنني سأكون سعيدًا، إذا ما تم اجتذاب الطلاب الصغار النابغين إلى العلوم الأساسية من خلال وصف التجارب التي تم الاعتراف بها من خلال جائزة نوبل لهذا العام. ولا أستطيع إلا أنْ آمل في أنْ يتم منحهم فرص مماثلة لتلك التي حصلتُ عليها وشريكي فى الجائزة، ديفيد واينلاند في المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا؛ وهي حرية اختيار أهداف أبحاثهم؛ لإدارة جهودهم الخاصة على المدى البعيد، والقدرة على تحمل السعي في مسارات خطرة، قبل إدراك النور.