كتب وفنون

نظرية الشبكات: اتساق الحقائق

يُقَدِّر كارل بِرجستروم قوة قياسات وتحليلات العلوم (Scientometrics) في التنبؤ بالنتقال المعرفي وعُمْرِه الفتراضي.

كارل بِرجستروم
  • Published online:

كم مما تعرفه اليوم سيكون صحيحًا في الغد؟ أو بعد أسبوع؟ أو بعد عِقْد من الزمن؟ يمكن لتنبؤات الطقس أن تتغير بين عشيّة وضُحاها، وكذلك تقديرنا لعدد جينات الجينوم البشري، الذي قد يتغير في الشهور القادمة، وكذلك فَهْمنا للوعي قد يصبح مختلفًا بشكل جذريّ خلال قرن من الآن.

يُوضِّح سام آربسمان في كتابه «أنصاف عُمْر الحقائق» أن المعرفة تتبدّل عبر الزمن، وهي تفعل ذلك بوسائل قابلة للتنبؤ. ويأخذنا الكتاب في جولة في «مجالات قياس وتحليل العلم»Scientometrics الناشئة، ويتولى استقراءً أوسع لما وراء المعرفة. ويمعن آربسمان النظر في كيفية بدء الباحثين تركيز وإعادة تصويب عدسة البيانات الكبيرة نحو العلم نفسه، لاكتشاف قوانين تقديرية وأنساق تبيِّن الطريقة التي تبنى بها المعرفة العلميّة، وتُعدَّل عبر الزمن.

ربما يكون من الصعب التنبؤ بالاكتشافات الفردية، مثل تحلُّل الذَّرّات، لكن في المجمل تتغير الحقائق بطرق شديدة التنظيم. ولتوضيح هذه النقطة، تجول آربسمان عبر نطاق واسع من المعرفة البشرية، اعتمادًا على أمثلة من الفيزياء، والكيمياء، والتكنولوجيا، والطب، وعلم الاجتماع، والدراسات الثقافية، وكذلك الآداب والإنسانيات. وعلى سبيل المثال.. هناك نَسَقٌ منظَّم، قابل للتنبؤ عبر الزمن؛ يكشف كيف تُختَزل أخطاء القياس، ليصبح الحساب والانتقال أكثر سرعة، وكيف تنتشر الابتكارات عبر الشبكات الاجتماعية، وكيف يؤدي بنا التقدم التكنولوجي إلى زيادة النمو السكاني. وحتى النفاذية المغناطيسية للحديد زادت بطريقة متسقة مع التغيّرات في تكنولوجيا السبائك.

يُعرِّف آربسمان الحقائق بطريقة فضفاضة، ليس كحقائق موضوعية، ولكن كقطع صغيرة من المعرفة، سواء أكانت صحيحة، أمْ خاطئة. وهذا يلقي بشبكة واسعة من الغموض فوق حقائق من أنواع مختلفة كثيرة باختلافاتها الجوهرية والمثيرة للاهتمام.

الحواسيب الفائقة  مثل تلك التي لدى «سِيرْن »CERN بسويسرا  أصبحت أسرع بمعدلات قابلة للتنبؤ.

الحواسيب الفائقة مثل تلك التي لدى «سِيرْن »CERN بسويسرا أصبحت أسرع بمعدلات قابلة للتنبؤ.

P. GINTER/SCIENCE FACTION/CORBIS

إن «الحقائق» العلمية عن العالم الطبيعي ـ طبيعة الإلكترون، أو الأهمية التطوريّة لذيل الطاووس ـ تتغيّر كلّما تقدَّم العِلْم، وتحولت أُطُرَنا الاستكشافية. وتتغير الإحصائيات مثل الحقائق ـ متوسطات الضرب، والناتج الإجمالي القومي، ومعدّلات الجريمة ـ ليس بسبب تغيُّر صُلب المعرفة من حولها، لكن لأن العالم يتغير من تحت أقدامنا، وتتضح أحداث جديدة كل يوم.

ولا يلزم أن تكون الحقائق الإحصائية مترابطةً مثل الحقائق العلمية، فموسوعة «جينيس» للأرقام القياسية ـ على سبيل المثال ـ هي فهرس لبيانات رسميّة مستقلة عن بعضها البعض. ففي عام 2011، أحرز الببغاء زاك رقمًا قياسيًّا لعدد الكرات التي يستطيع ببغاء تمريرها من شبكة كرة السلة خلال دقيقة واحدة، بينما ظل الرقم القياسي العالمي لأسرع قافز للحواجز مرتديًا زعانف غوص لمسافة 100 متر كما هو عند 14.8 ثانية.

ويُولِي آربسمان جُلّ تركيزه ـ بطريقة ملائمة ـ تليق بمُنَظِّر في علم الشبكات، على التشابهات ـ وليس الاختلافات ـ بين تلك الأنواع المتميزة للحقائق، وعمليات التغيير. ويتولَّد كلا النوعين بمعدلات قابلة للتنبؤ، ويتغيّرا بطريقة متوقّعة، ويتم إخضاعهما لقياس وتحليل العلم.

إنّ لي اعتراضًا واحدًا على هذا الكتاب، وهو شعوري من وقت إلى آخر أن حماس آربسمان يُودِي بأفضل ما لديه، ويجعله يقبل استنباطات الاقتباسات العلمية، دون تمحيصٍ كافٍ. وعلى سبيل المثال.. إذا كان 80% تقريبًا من استشهاداته منسوخة من استشهادات سابقة لنفس المادة (M. V. Simkin and V. P. Roychowdhury Complex Sys. 14, 269–274; 2003)، فهل يمكننا أن ننضمّ إلى آربسمان في افتراضه القائل إن الباحثين يقرأون 20% فقط من استشهاداتهم؟ أم ينبغي أن نقول إن هذا النمط يظهر، لأن المؤلفين يجدون أنه من الأسهل إنشاء قائمة مَصَادِرِهم من قوائم مصادر أخرى، بغض النظر عمّا إذا كانوا قد قرأوا تلك الأبحاث، أم لا؟

ومع ذلك.. وبشكل عام، فإن آربسمان مرشدٌ ممتع في هذه المساحة.. واقعٌ في حب هذا المجال الناشيء بوضوح. كما أنه حَكَّاء موهوب، ويملك عينًا ثاقبة قادرة على تنشيط المادّة الجافّة والأكاديمية.

ويستحق فصل «المعرفة المستترة» ملاحظةً خاصة.. فهو يعالج واحدةً من أكثر المشاكل العلمية المُلِحَّة التي نواجهها: كيف نبتكر علاقات حيويّة جديدة فيما بين الأفكار؟ ففي عصر لم تَعُدْ فيه القراءة المكثّفة أمرًا ممكنًا، وأصبح تَفَحُّص أرفف المكتبات أمرًا نادرًا، كيف نصمِّم آليات تربط الدّارسين بالأفكار التي يحتاجون إليها للمُضِيّ قُدُمًا؟

يُلمِّح آربسمان إلى عناصر محتملة للحلّ، تتمثل في: جوائز ابتكار، ومراقبة اجتماعية، وتحليلات منهجية عابرة، وبرامج اكتشاف آليَّة. إنّ التغيرات الكبيرة في المستقبل القريب للغاية تأتي مدفوعة باحتشاد الثورة الرقميّة في النشر، وانفجار السعة الحسابيّة، والجهد المتراكم في نظام قديم يبلغ من العمر 350 عامًا من الاتصالات العلميّة المدفوعة إلى نقطة الانهيار في عالم أكبر بأَضْعاف مضاعَفة.

إنَّ الجيلُ الحالي سوف يحلّ تلك المشاكل، ويجدِّد خبرتنا بالعلم كعملية اجتماعية واتصالية.. فبعد قراءة «أنصاف عُمْر الحقائق» أصبحت متحمسًا للاحتمالات المستقبلية التي تتيحها الحياة عبر ذلك التغيير، وربما أيضًا تسهم فيه.