كتب وفنون

علوم عسكرية: سِرّ السُّوفييت المُمِيت

تيم تريفان يقيم عملًا استقصائيًّا حول البرنامج السُّوفيتي الضخم والسِّرِّي والمكلِّف؛ لإنتاج الأسلحة البيولوجية

تيم تريفان
  • Published online:

وقع حدثان مهمّان في تاريخ الأسلحة البيولوجية في 1972.. توقيع اتفاقية حظر إنتاج وتخزين وإيصال الأسلحة البيولوجية والسُّمِّيَّة مع اعتماد الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي كضامنين أو مشرفين على تنفيذ الاتفاقية. وفي الوقت ذاته، وفي انتهاك صارخ لتلك الاتفاقية، أحيا الاتحاد السوفيتي برنامج الأسلحة البيولوجية الخاص به، الذي أطلقه في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وهذا الجهد البحثي السِّرِي واسع النطاق مَثَّل برنامج الحرب البيولوجية الوحيد المعروف بحيازته لمسببات مرضيّة معدّلة بواسطة الهندسة الوراثية.

وعلى مدار عقدين من الزمان، وتحت غطاء من السِّرِّيَّة الفائقة، كلّف هذا البرنامج مليارات الروبلات (العملة السوفيتية) وشارك فيه حوالي 65 ألف عالِم وفنِّي، بعضهم عمل في إطار عسكري، وآخرون كثيرون في شبكة مختبرات مدنية تحت عناوين وأهداف وهميّة، أو قصص عديدة المستويات للتغطية. ولم ينته البرنامج إلا بعد هرب عالِم الأحياء المجهرية فلاديمير باسِشنيك إلى بريطانيا في أكتوبر 1989. استكشف ميلتون لايتنبرج وريموند زيلِنسْـكاس ذلك العالم المظلم باستفاضة في كتابهما «برنامج الأسلحة البيولوجية السوفيتي».

حذفت خرائط  السوفيت مصنع «التقدم» في إستفنوجورسك, الذي كان أكبر منشأة للأسلحة الحيوية في العالم آنذاك.

حذفت خرائط السوفيت مصنع «التقدم» في إستفنوجورسك, الذي كان أكبر منشأة للأسلحة الحيوية في العالم آنذاك.

ويعدّ هذا الكتاب مرجعًا لا نظير له فيما يتصل ببرنامج الأسلحة البيولوجية السوفيتي، فهو يسلط الأضواء على مناطق، حيث المعلوم عنها قليل، والمخاوف جاثمة. لا يقصد الكتاب الإثارة، بل هو دليلٌ حافل بالحقائق والحواش،ي ومشحون بالاختصارات المأخوذة من المصادر المفتوحة والمقابلات، واستغرق جمعها أكثر من عشر سنوات، بل إن الحواشي وحدها تعد إسهامًا ضخمًا لهذا الحقل.

يؤرخ لايتنبرج وزيلنسكاس لعملية صنع القرار التي وراء البرنامج، وكذا إنجازاته وإخفاقاته. وهما يمحصان أداء استخبارات أمريكا وبريطانيا وأجهزتهما الدبلوماسية التي فشلت في كشف ما كان يجري قبل انشقاق باسشنيك، وما تلاه من تفاوض حول اتفاقات ثلاثية الأطراف، ومشاورات بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حول مزاعمه.

ويقدم الكتاب تبصرًا مدهشًا لكيفية إعاقة المصالح الشخصية في المؤسسة العسكرية السوفيتية ومؤسستها العلمية قرار إغلاق أجزاء البرنامج الهجوميّة من قِبَل اللجنة المركزيّة (للحزب الشيوعي السوفيتي) في 1989، وميخائيل جورباتشوف في 1991، وبوريس يلتسين في العام التالي. ويلقي الكتاب بعض الضوء على المناقشات الدائرة حاليا حول فيروس «إتش5 إن1» H5N1 (المسبب لأنفلونزا الطيور)، والعمل البحثي مزدوج الاستخدام؛ مع إمكان استخدامه للوسائل المفيدة والضارة على حد سواء.

في سياق الحرب السوفيتية، كان للبرنامج حفنة من الإنجازات البارزة، منها على سبيل المثال.. تخليق سلالات بكتيريا مقاومة لعديد من المضادات الحيوية. كما أنه عدل وراثيًّا بكتيريا عصيات الجمرة الخبيثة (أنثراكس) لجعل اللقاحات المضادة الموجودة غير مؤثرة. ربما أشدها إفزاعًا كان تعديلًا وراثيًّا لبكتيريا ليجيونيللا نيموفيليا (البكتيريا الفيلقية المسؤولة عن مرض المحاربين القدماء) كي يندفع الجهاز المناعي مهاجما المايلين؛ أو المادة العازلة الرئيسة في الجهاز العصبي البشري. وذاك الهجوم ينشئ أعراضًا اصطناعية سريعة لمرض يشبه التصلب المتعدد.

حقق برنامج الأسلحة البيولوجية ـ بحسب المؤلفين ـ القليل في مجال الدفاع ضد مسببات الأمراض. وكتبا أيضا أنه لا وجود لأنظمة تسليح توصل الحرب البيولوجية ضد البر الأمريكي، وأن تحقيق ذلك بالصواريخ الباليستية العابرة للقارات وصواريخ كروز المزودة برؤوس حربية لم تحرز تقدمًا مهمًّا. وهو تقييم قد يثير الدهشة في مجتمع الاستخبارات الغربية.

ماذا يعلمنا وصف هذا الكتاب لجهود الهندسة الوراثية السوفيتية عن مخاطر التهديدات الجديدة، باستخدام تقنيات أكثر تقدمًا، ومعرفة أعظم، واسعة النطاق؟

أولًا: إنه يفضح زيف نظرية الحرب البيولوجية باعتبارها «سلاح الفقراء النووي»، على الأقل كسلاح من أسلحة الدمار الشامل (في مقابل أسلحة الإرهاب أو الاغتيال). إن البرنامج امتص كميات مذهلة من المال، والموارد، والخبرة، والوقت.

ثانيًا: إثبات أنه من الصعب جدًّا تقنيًّا هندسة مسبِّبات الأمراض وراثيًا، لتلبِّي معايير الانتفاع العسكري الاثني عشر بها، مثل أن تكون مناسبة للرشّ الجوي، وقادرة على البقاء في صيغة مستقرة في الهواء. إن تعدد النمط الظاهري قد يؤثر على أكثر من صفة واحدة في الكائن الحي. وبرغم ذلك.. فإن التقدم خطوات أخرى في علوم الجينوم سوف يتغلب على هذه العقبة بنهاية المطاف.

ثالثًا: يظهر أنه لم تكن هناك استراتيجية قومية شاملة للبرنامج. ومثلما أعرب لايتنبرج وزيلنسْكاس.. فالبرنامج لم يفد قدرة الاتحاد السوفيتي على شن حرب، لكنه أضعف بشدة التنمية الاقتصادية في مجال التكنولوجيا الحيوية من خلال تشتيت المواهب العلميّة. وفي الواقع، لم يكن هناك مبدأ محدد للاستخدام وفق خطط مفصلة موضوعة لأي ظرف، أو كيف ينبغي أن تستخدم القوات السوفيتية المسلحة الأسلحة البيولوجية في ساحة المعركة.

أخيرًا، يوضح الكتاب الحالة اللاعملية التي ينطوي عليها تطبيق نهج الاستخدام الأحادي، والاستخدام المزدوج في علم الأحياء. وحتى الجانب الأكثر وضوحًا للأبحاث الهجوميّة السوفيتية ذات الاستخدام الأحادي، فإن لها تطبيقات صحيّة ممكنة واسعة النطاق، إذ يمكن حقن لقاح حي ضعيف مقاوِم للمضادات الحيوية في المرضى الذين يعانون من مرض ما، ويعالَجون بالمضادات الحيوية. وعندئذ ستهاجم المضادات الحيوية المرض، لا اللقاح. كذلك ينبغي ألا نسعى إلى إقامة سياج حول تقنيات الاستخدام المزدوج – وذلك مستحيل على أية حال – بل ينبغي اكتشاف كيفية منع إساءة استخدام علم الأحياء.

كانت اللافتات التحذيرية منتشرة داخل مصنع «التقدم» السوفيتي للأسلحة البيولوجية

كانت اللافتات التحذيرية منتشرة داخل مصنع «التقدم» السوفيتي للأسلحة البيولوجية

David Honl/ZUMA Press

إنّ بيوبريبارات (بالروسية: إعداد مادة حيوية)؛ أو الجانب المدني الظاهر من البرنامج غيرَّ اتجاهه، لأن خبراء الأسلحة البيولوجية السوفيتية العسكريين أرادوا المساواة مع الخبراء النوويين، وفي الوقت نفسه، أدرك العلماء المدنيّون أنه سيتم تمويل أبحاثهم فقط، إذا كانت لها تطبيقات تسليح عسكري. وقد ورد عن البطل العلمي للبرنامج، يوري أوفتشينيكوف، أنه قال: «لا أحد سيعطينا المال للبحث الطبي. ولكنْ اعرضْ سلاحًا واحدًا؛ وستحصل على الدعم الكامل».

وبعبارة أخرى.. لأن علماء الأحياء السوفيت كانوا يعانون نقص التمويل وقلة الاحترام والتقدير تجاههم، فقد شوهوا ما لديهم ليناسب ميول المموّلين العسكريين بتحيزاتهم المبنية على معلومات خطأ. ويخبرنا خبراء الاقتصاد السلوكي كيف أن القرارات المنطقية ـ على المستوى الفردي ـ يمكن أن تنتج مخرجات تكون ـ على المستوى الجمعي ـ غير منطقية إلى حد كبير. ولعلّ البرنامج السوفيتي مثالٌ واضح على هذا، إذ يقنعنا بأن خبراء الاقتصاد السلوكي ينبغي أن يكون لهم دور في تحليل كيفية حظر انتشار (أسلحة الدمار الشامل)، أو إيجاد بيئات تفضي إلى نزع السلاح.