أخبار

تقنيـة برمجـة الخلايـا تفـوز بجائزة نوبـل في الطب

مُنح الباحثان جائزة رفيعة لأبحاثهما في مجال إعادة برمجة الخلايا البالغة؛ لتصبح متعددة القدرات.

أليسون آبوت
  • Published online:

جون جوردون (اليمين)، وشينيا ياماناكا أوضحا كيفية إعادة الخلايا إلى حالتها الجنينِيَة

جون جوردون (اليمين)، وشينيا ياماناكا أوضحا كيفية إعادة الخلايا إلى حالتها الجنينِيَة

Aflo/Rex Features; J. Player/Rex Features

حصل على جائزة نوبل في مجال الطب أو الفسيولوجيا هذا العام كلٌّ من جون جوردون، وشينيا ياماناكا، وهما من العلماء الروّاد في مجال الخلايا الجذعيّة، حيث اكتشفا أن الخلايا البالغة المتخصصة يمكن إعادة برمجتها الى الحالة الجنينيّة؛ ليصبح بالإمكان تحويلها إلى أي نسيج آخر في الجسم.

ويأمل كثيرٌ من الباحثين أن تُستخدَم الخلايا المولدة بهذه الطريقة في مجال الطب التجديدي، موفِّرةً بذلك بدائلَ لأنسجة الأعضاء التالفة أو المريضة. لقد أصبح هذا المجال واحدًا من أكثر المجالات إثارة في علم الأحياء، لكن اكتشافات الفائزين لم تَنْجُ من الجدل.

وكان أوّل مَنْ أثبت إمكانية إعادة برمجة الخلايا هو جون جوردون، الذي يعمل في معهد جوردن في كامبريدج بريطانيا، من خلال نشر بحث له منذ حوالي خمسين عامًا1. اعتقد العلماء آنذاك أن تخصُّص الخلايا هو عملية تقع في اتجاه واحد، وغير قابلة للانعكاس. أما جوردون، فقد قلب هذا المبدأ، عن طريق إزالة النواة من خليّة بويضة ضفدع، واستبدالها بنواة من خلية معويّة لصغار الضفادع. واللّافت للنظر أن هذه العملية كانت قادرة على أن تعكس الساعة الخلوية للنواة البديلة، رغم أنها كانت ملتزمة بالفعل بالتخصص، حيث عملت داخل خلية البويضة كنواة بويضة، وأدت إلى نشوء صغار ضفادع طبيعية.

ويُذكَر أنه عندما قام جوردون بهذا الاكتشاف، كان طالبًا للدراسات العليا بجامعة أكسفورد في بريطانيا، وحصل على درجة الدكتوراه في عام 1960، وذهب للقيام بدراسات ما بعد الدكتوراه في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا بمدينة باسادينا، تاركًا ضفادعه وراءه في أوروبا. ولم يقم جوردن بنشر أيّ بحوث، إلا بعد عامين من حصوله على الدكتوراه، بالرغم من أنه كان على يقين من نمو الضفادع بشكل سليم، وقال: «كنتُ طالب دراسات عليا، يطير محلِّقًا في سماء المعرفة الراسخة»، وقال أيضًا، «لقد كان هناك الكثير من التشكُّك».

ولم تُثبِت خلايا الثدييات قابليتها لهذه العملية ـ المعروفة بالاستنساخ من خلال النقل النووي ـ كما حدث في خلايا الضفدع. وكان قد مَرّ ما يقرب من 35 عامًا قبل استنساخ أول حيوان ثديي «النعجة دوللي»، التي وُلدت في عام 1996. وكانت دوللي هي الوحيدة التي ظلت على قيد الحياة بعد 277 محاولة استنساخ، حيث ظلت عملية استنساخ الثدييات مسألة تتأرجح بين النجاح والفشل.

كان العلماء يائسين من إمكانية تحسين كفاءة هذا النظام، ومن فهم العملية الجزيئية المتضمنة فيه، وهاهنا وضع شينيا ياماناكا ـ الأستاذ بجامعة كيوتو باليابان ـ بصمته. وُلد شينيا في العام الذي نشر فيه جوردون بحثه التأسيسي، حيث استخدم خلايا فأر تم استزراعها لتحديد الجينات التي بقيت غير ناضجة في الخلايا الجنينيّة، ثم اختبر إمكانية أيّ من هذه الجينات له القدرة على إعادة برمجة الخلايا الناضجة؛ لجَعْلها متعدِّدة القدرات.

وفى منتصف الألفية الثانية، علمت جمعية الخلايا الجذعيّة أن ياماناكا بأبحاثه قد أوشك على الوصول، وقال سيدريك بلانبين: «أتذكر عندما قدَّم نتائج البحوث في مؤتمر كيستون في عام 2006».

وقد صرح سيدريك بلانبين ـ عالم أحياء الخلايا الجذعيّة بجامعة فري بروكسل ـ أنه لم يكشف النقاب عن اسم هذه الخلايا في ذلك الوقت، وتَرَاهَنَ الجميع على ماهيّة هذه العوامل السحرية.

وبعد بضعة أشهر أخرى، كان ياماناكا يلقي محاضرة في اجتماع الجمعية العالمية لأبحاث الخلايا الجذعيّة في تورونتو بكندا في عام 2006، وقد اكتظ المكان بالحاضرين داخل وخارج القاعة، حيث انتظر الجمهور في صمتٍ، قبل أنْ يعلن يامانكا عن وصفته البسيطة المدهشة «إن تفعيل أربعة جينات فقط كافٍ لتحويل الخلايا الجذعية البالغة ـ التي تَدعى بالخلايا الليفية ـ إلى خلايا جذعية متعددة القدرات2 «. ومثل هذه الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات «آي بي إس iPS» يمكن دفعها للتحول إلى أنواع مختلفة وعديدة من الخلايا البالغة، بما في ذلك خلايا الأعصاب والقلب.

يُذكَر أنّ جوردون سيبلغ ثمانين عامًا في السنة المقبلة، لكنه لا يزال يواصل عمله في المختبر حول الأساس الجزيئي لإعادة برمجة خلايا الضفادع. وبقَصَّة شعر جوردون الجذابة، وروح الدعابة الساخرة التي يمتلكها، يصفه زملاؤه بأنه نموذج للرجل الإنجليزي المهذّب. إنه يدير معهده البحثي مع زملائه بشكل ودِّي للغاية. يذكر جوردون أحيانًا أن شرف وجود معهد يحمل اسمه ـ كان معروفًا سابقاً بمركز «ويلكوم ترست لأبحاث السرطان» في بريطانيا ـ هي مكرمة لا تمنح عادة إلا للموتى، وهو ما كان يدعو زملاءه للاكتفاء بالابتسام. يصف عظيم سوراني ـ الباحث الرئيس في المعهد ـ جوردون، قائلاً عنه إنه حقا «العالِم النشط».

وبنفس القدر.. شهد زملاء ياماناكا ـ الذي بلغ الخمسين من عمره ـ له بأنه شخص جيِّد جدًّا، وشديد الأناقة، كما أنه مهذَّب، ويتميَّز بالدِّقّة في عمله. وفي حديث أجرته «مؤسسة نوبل» بستوكهولم، قال إنه تلقَّى المكالمة الهاتفية التي أخبرته بفوزه بالجائزة أثناء قيامه بتنظيف المنزل.

وقد حظي بحث ياماناكا بدعم كبير من الحكومة اليابانية التي تقوم بتمويل مركز أبحاث كبير له في الوقت الحاضر في الجامعة3 التي يعمل بها، كما وافقت أيضًا على دعم بنك الخلايا الجذعيّة للاستخدام الإكلينيكيّ4.

بدأ ياماناكا مسيرته كجراح، لكنه ألمح قائلا: «لم يكن لديَّ الموهبة في هذا المجال؛ ولذلك.. قررتُ أن أغيِّر مسار حياتي المهنية من العيادات إلى المختبرات». وأضاف قائلاً: «لكنني ما زلتُ أشعر أنني طبيب، وهدفي طوال حياتي هو أن تصل تكنولوجيا الخلايا الجذعيّة إلى العيادات.»

أَدْرَكَ العالِمان أن ترجمة اكتشافاتهما إلى علاجات متجدِّدة سوف تستغرق منهما وقتًا طويلًا. وقد صرّح جوردون لمؤسسة نوبل، قائلاً: «هذا هو السبب في أهمية دعم العلوم الأساسية. وكثيرًا ما يحدث أن تأتي الفوائد العلاجية بعد مرور فترة طويلة من الاكتشاف المبدئي».

  1. Gurdon, J. B. J. Embryol. Exp. Morph. 10, 622–640 (1962).
  2. Takahashi, K. & Yamanaka, S. Cell 126, 663–676 (2006).
  3. Cyranoski, D. Nature 451, 229 (2009).
  4. Cyranoski, D. Nature 488, 139 (2012).