أخبار

خطّـة مكافحة الملاريـا تحت المجهـر

نقص البيانات وعدم اليقين لدى المانحين يترك تجربة الصحة العامة في وسط الطريق.

آمي ماكسمين
  • Published online:

في ظل برنامج توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm.. أصحاب المتاجر يبيعون علاجات الملاريا في محلات البقالة، إلى جانب الأدوية المُتاحة بدون وصفة.

في ظل برنامج توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm.. أصحاب المتاجر يبيعون علاجات الملاريا في محلات البقالة، إلى جانب الأدوية المُتاحة بدون وصفة.

R. BOURGOING/GLOBAL FUND

هل يُمثِّل إغراق بلد ما بعقاقير الملاريا منخفضة التكاليف السبيلَ الأمثل لصدِّ المرض؟ لقد أوشك البرنامج التجريبي ـ الذي بلغت تكلفته 463 مليون دولار أمريكي، خُصّصت لاختبار هذه الاستراتيجيّة في سبعة بلدان أفريقيّة ـ على الانتهاء، وهو ما تزامن مع تصاعد التساؤلات الّتي أطلقها خبراء الصحّة العامّة حول مدى جدوى هذا النّهج، وبخاصّةٍ مع انخفاض المُخصّصات الماليّة للصحّة العالميّة، والتراجع المنتظم في معدّلات انتشار الملاريا.

لم يصدر إلى الآن قرارٌ رسميّ حول ما إذا كانت هناك نيّة للاستمرار في البرنامج المعروف باسم «توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm»، ولكن ما صرّح به كثيرون من المُطَّلِعين على البرنامج لمجلة «Nature» يتلخّص في ضرورة تغييره، أو تقليصه تدريجيًّا بنهاية هذا العام.

يقول آلان كورت، كبير مستشاري بعثة الأمم المتّحدة الخاصّة بمكافحة الملاريا: «بالنسبة إليّ تتمثّل المُشكلة في عدم ثبوت قدرة برنامج توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm على إحداث فارق بالنّسبة للملاريا»، مُضيفًا: «لا بد من وجود هدف للصحة العامة، وإلا فلا هدف». وجدير بالذِّكْر أنّ كورت هو رئيس مجموعة العمل الّتي يُنتظر أن تتقدم بتوصيات حول مستقبل البرنامج المُنتظر مُراجعته في 14 و15 نوفمبر، خلال اجتماع مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، المُزمع عقده في جنيف بسويسرا؛ لمكافحة كلّ من فيروس العوّز المناعي AIDS والسل، والملاريا.

وعندما ظهرت التصوّرات حول برنامج «توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm» في 2004، كانت مُعدّلات الإصابة قد بلغت عنان السماء، بسبب المقاومة الّتي تمكّن الطفيل المُسبّب للملاريا بلازموديوم فالسيبارام Plasmodium falciparum جزئيًّا من تطويرها تجاه عقار الكلوروكين Chloroquine، وهو ما أثار مخاوف المسؤولين حول تنامي ذات المقاومة لعقار الآرتيميسينين Artemisinin الّذي يُعدّ أحدث وأكثر فعالية من الكلوروكين، ما لم يصحبه علاجات أُخرى في تركيبات كانت نفسها أغلى بكثير من أي من الكلوروكين، أو الآرتيميسينين منفردًا.

هذا.. ويهدف برنامج «توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm» إلى جعل التركيبات العلاجيّة المُحتوية على الآرتيمينيسين ACTs مُتاحة بسهولة وبأسعار معقولة في البلدان الّتي تعصف بها الملاريا، مع الاعتماد على السوق الحرّة لتوزيع هذه العلاجات، بالإضافة إلى تقديم الإعانات لمستوردي الأدوية في البلدان الموضوعة تحت التجربة (وهي غانا، وكينيا، ومدغشقر، ونيجيريا، والنّيجر، وأوغندا، وتنزانيا)؛ ليقوموا بدورهم بتوزيعها بسعر منخفض على العامّة والخاصّة من الباعة الذين سيتوجَّب عليهم بيعها لأي شخص، حتّى أولئك الذين لم تُشخّص إصابتهم بالملاريا؛ حيث يتلخّص الأمر في جعل العقارات مُتاحة لأولئك الذين لا يستطيعون الوصول إليها بغير هذه الطريقة، كالأطفال، وقاطني المناطق الريفيّة. يقول إيمانويل نفور ـ المدير التنفيذي لبرنامج «توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm»: «لقد نشأت بعيدًا عن برامج ومنشآت الصحّة العامّة. ولذا.. ففكرة البرنامج ليست جيدةً فحسب، ولكنّها ممتازة حقًّا».

كبر الصورة

SOURCE: WHO

ورغم ما وفَّره برنامج «توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm» من 60% من الإمداد العالمي للتركيبات العلاجيّة المُحتوية على الآرتيمينيسين ACTs العام الماضي، فليس من المعروف إلى الآن كمّ العقاقير الّتي وصلت بالفعل إلى السكّان المُستهدفين بهذا البرنامج التجريبي؛ حيث يُمكن لأي شخص القيام بشراء تلك الأقراص، ويمكن للقادرين على شرائها تناولها عند شعورهم بالمرض، سواءً كانت الملاريا هي السبب، أمْ غيرها. وعلى سبيل المثال.. يُمثِّل الأطفال دون الخامسة من العمر نسبة 86% من الوفيّات النّاتجة عن الإصابة بالملاريا عبر العالم، ورغم هذا.. تأتي تقديرات برنامج «توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm» لتُظهر أنّ 36% فقط من تلك التركيبات العلاجية هي ما بيع بواسطة القطاع الخاص في صيغة يستطيع الأطفال تناولها.

وقد قام صندوق النقد الدولي بتفويض لجنة تقييم مستقلّة بواسطة كل من مؤسّسة ICF العالميّة ـ الّتي تقدّم الخدمات الاستشاريّة بفيرفاكس في فيرجينيا ـ ومدرسة لندن لعلوم الصحّة وطب المناطق الحارّة (LSHTM) بالمملكة المتّحدة. وقد هدف هذا التقييم إلى دراسة التأثير الّذي يُحدثه برنامج «توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm»، ولكنّه لم يستطع بعدُ إنهاء النقاش الدائر حول مدى فعالية البرنامج. وقد صرّحت سارا تافر ـ خبير اقتصاديات الصحّة بمدرسة لندن لعلوم الصحّة وطب المناطق الحارّة (LSHTM) وأحد أفراد لجنة التقييم - قائلةً: «يُمكننا القول بأنّ البرنامج قد سبّب تغيّرًا كبيرًا في أوساط القطاع الخاص الهادف إلى الربح»، مُضيفةً بأنّ تغيّرات كبيرة قد حدثت في سعر ومدى توافر التركيبات العلاجيّة المُحتوية على الآرتيمينيسين ACTs، فضلاً عن حجم الحصّة الّتي يوفّرها القطاع الخاص في غضون أشهر قليلة. ويُمكن الرجوع إلى التقرير المبدئي في (go.nature.com/nsc6ck )

ويأتي تعليق مهجة كمال ياني - كبير المستشارين بأوكسفام جي بي ببريطانيا Oxfam GB أوكسفورد ـ ليعتبر هذه المؤشّرات جميعًا غير مُصادفة لحقيقة الأمر؛ حيث تقول: «إنك لا تحتاج إلى القيام بتقييم مستقل هائل الحجم، للتيقّن من أنّ توفير معونة ضخمة سيسمح لصاحبي المحلات بشراء وبيع المزيد من الدواء»، مُضيفةً: «إن التخفيضات لا تعني شيئًا في ذاتها، ما لم يكن معروفًا مَنْ تستهدف».

في الماضي لم يكن اختبار الدواء قبل الاستخدام العلاجي يوضع في الحسبان عندما اقتُرح العمل ببرنامج «توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm»، نظرًا إلى عدم وجود الاختبارات التشخيصيّة سهلة الاستخدام. وهذه الاختبارات أصبحت مُتاحة الآن، بل وأكثر ملاءمةً ممّا كانت عليه في 2004، نتيجةً لما حدث من انخفاض في معدّلات الإصابة بالملاريا منذ ذلك الوقت. واليوم أصبحت الحمّى التي تُصيب طفلاً في أي من البلدان التابعة لبرنامج «توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm» قابلة لاعتبارها نتيجة الإصابة بالتهاب رئوي أو غيره من الأمراض المسبّبة للحمّى تمامًا، كما يُمكن اعتبارها جرّاء الإصابة بالملاريا.

وفي ظل غياب طريقة مُناسبة لمعرفة كمّ الأدوية المدعومة الّتي تمّ تبديدها، سيعاني القائمون على الصحّة العالميّة لإقناع المانحين بفعالية تكاليف البرنامج. وإلى الآن لم يَخْطُ أحد خطوة إلى الأمام نحو تمويل المرحلة القادمة، وفي الوقت ذاته ما زال النقاش دائرًا في أوساط مجموعة العمل القائمة على البرنامج حول التعديلات واستراتيجيّات الخروج المُحتملة. وحسبما يقول كورت: «نحن نتصارع مع تكاليف كل هذه الأمور؛ فعلى سبيل المثال.. نحن نعرف أنّ الأغلبية الساحقة من الوفيّات التي تسبّبها الملاريا من الأطفال، فهل يجب أن نستهدفهم فقط بهذا البرنامج؟»

وفي أحد السيناريوهات المستقبليّة المُحتملة سيُمكن تعديل البرنامج؛ ليوفِّر جرعات الأطفال المدعومة، وهي ما تقل تكلفتها عن تكلفة الجرعات الدوائيّة للكبار، ولكن ما يُشير إليه ألبرت بيتر أوكوي ـ وهو أحد مديري البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا في كامبالا بأوغندا ـ هو أنّ البالغين يستطيعون تناول عدّة جرعات من الجرعات التي يتناولها الأطفال، إذا لم تتوافر جرعات البالغين الخاصّة بهم في الصيدليات.

وهناك خيارٌ آخر، يتمثّل في تقليص الإعانات الموجّهة إلى البلدان الأقل تضرّرًا من الملاريا، وهو ما يرى كورت أنه سيسمح بالتوسّع في البرنامج إلى ما وراء البلدان الخاضعة للتجربة، التي تمّ اختيارها ليس فقط على أساس مدى تضرّرها من الملاريا، لكن نظرًا إلى اشتراك المحالّ الخاصّة بكثافة في عمليّة توزيع الدواء، بالإضافة إلى قدرة تلك البلدان على التعامل بكفاءة كبيرة مع المنح السابقة التي قُدّمت إليها من قبل صندوق النقد الدّولي. كما يُتوقّع أن تضمّ هذه التوسعّات بلدانًا أُخرى، كجمهورية الكونغو الديمقراطيّة، التي زادت بها معدّلات الإصابة بالملاريا في 2012 عن مثيلاتها في أربعة من البلدان الخاضعة بالفعل للبرنامج، وهي غانا، ومدغشقر، والنّيجر، ونيجيريا مُجتمعةً.

وتحتفظ الولايات المتّحدة بمقعد ضمن مجموعة عمل البرنامج، مُمثلةً في مُبادرة الرئيس الخاصّة بالملاريا. وتنصّ المبادرة ـ بموجب ما نُشر في وثيقة عبر الإنترنت في 28 سبتمبر ـ على المخاوف التي تحملها تجاه هذا البرنامج، بما فيها الاستخدام الزائد للتركيبات العلاجيّة المُحتوية على الآرتيمينيسين ACTs من قبل أُناس ليسوا بحاجة حقيقيّة لاستخدامها. وبهذا.. لم تقدّم الولايات المتّحدة دعمًا مباشرًا للبرنامج التجريبي، نظرًا إلى ما أثاره المسؤولون حول ما إذا كان توفير أكبر إعانة ممكنة للمستوردين سيجعل تلك الأدوية مُتاحةً بالفعل للمجموعات الأكثر عُرضةً للإصابة بالمرض، أم لا.

وفي النّهاية سيُحدّد المانحون ما إذا كان البرنامج سيستمر، أم لا، وهو ما صرّح به أوليفر سابوت ـ نائب الرئيس التنفيذي لمبادرة كلينتون للرعاية الصحّية، ومقرها بوسطن بماساتشوستس، وأحد أعضاء مجموعة العمل القائمة على برنامج «توفير الأدوية معقولة السعر لعلاج الملاريا AMFm» ـ قائلاً: «على الناس العمل بأقصى طاقاتهم؛ لإيجاد حلول تقنيّة، لكن إذا لم يتوافر التمويل الكافي؛ فسنضطر إلى إنهاء الأمر بالكامل».

ويُمثّل غياب اليقين قبل أسابيع من اتّخاذ القرار النهائي ضغطًا عصبيًّا على مسؤولي البلدان الخاضعة للبرنامج التجريبي، وعلى مستوردي العقار، وكذلك على المستشفيات وشركات الأدوية الصغيرة التي تعتمد على الإعانات، وهو ما عبّر عنه أحد مسؤولي البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا في دار السلام بتنزانيا، سيجسبرت مكود، بقوله: «ينبغي إخطارنا بهذا الأمر؛ فما لدينا من معلومات حول ما سيحدث لاحقًا قليل للغاية».