NATURE | منتدى النقاش

أبحاث الجينوم: فَكُّ الترميز

تشكل نتائج المشروع الاستكشافي الرائد [موسوعة عناصر الحمض النووي (إنكود)] مأدبة دسمة من البيانات التي تسلط الضوء على الدور الوظيفي لكل من العناصر المكونة للجينوم البشري. في هذا العدد، يصف ستة علماء المشروع، ويناقشون كيف تؤثر البيانات على الاتجاهات البحثية في عديد من المجالات.

  • جوزيف آر. إيكر
  • وِنْدِي أ. بِكْمُور
  • إنيس باروزو
  • جوناثان ك. بريتشارد
  • ويُوآف جيلاد
  • إيران سيجال

Nature (2012) doi:10.1038/489052a | Published online | English article

تقديم وليمة الجينوم

جوزيف آر. إيكر

الشكل 1| أكثر من مجرد تسلسل. يقدم مشروع الترميز (إنكود) 2 - 7 معلومات عن الجينوم البشري، تتجاوز بكثيرٍ المعلومات المتضمنة في تسلسل الـ دي إن إيه، فهي تصف العناصر الجينومية الفعالة التي تقود أوركسترا النمو والوظائف البشرية. ويتضمن هذا المشروع بيانات عن درجة مَثـْيَلة الـ دي إن إيه، والتعديلات الكيميائية على الهستون التي تتمكن من التأثير على معدل نسخ الـ دي إن إيه إلى جزيئات الـ آر إن إيه (الهستونات هي البروتينات التي  يلتف حولها الـ دي إن إيه؛  ليشكِّل الكروماتين). كما يختبر مشروع الترميز التداخلات الكروماتينية واسعة المدى، مثل تشكيل العُرَى التي تسبب تغير القرب النسبي للمناطق الصِبغِية المختلفة بالنسبة إلى الأبعاد الثلاثة، وتؤثر أيضًا على النسخ. وبالإضافة إلى ذلك، يصف المشروع النشاط الرابط لبروتينات عامل النسخ والتشكيل الهندسي (الموضع والتتالي) لعناصر الـ دي إن إيه المنظِّمة للجينات، التي تتضمن منطقة المحفزات الأولية إلى الأعلى من النقطة التي يبدأ فيها نسخ جُزَيْئة الـ آر إن إيه، وعناصر منظِّمة أبعد من ذلك (مدى طويل). كما تم تخصيص جانب آخر من المشروع لاختبار مدى تَمَكُّن الجينوم من الوصول إلى الديوكسي ريبونوكلياز I، البروتين المسبب لانشطار الـ دي إن إيه. والمناطق التي يمكن الوصول إليها تُدْعَى المواقع المفرطة الحساسية من الـديوكسي ريبونوكلياز I، ويُعتَقَد أنها تشير إلى تسلسل معين يؤدي فيه ارتباط عوامل النسخ وبروتينات آلية النسخ إلى تغيُّر مكان الجسيمات النووية (النوكليوسومز). وبالإضافة إلى ذلك، أدت أبحاث الترميز (إنكود) إلى فهرسة وتبويب تسلسلات وكميات الـ آر إن إيه المستنسخة، من مناطق اللاترميز والترميز البروتيني، على حد سواء.

الشكل 1| أكثر من مجرد تسلسل. يقدم مشروع الترميز (إنكود) 2 - 7 معلومات عن الجينوم البشري، تتجاوز بكثيرٍ المعلومات المتضمنة في تسلسل الـ دي إن إيه، فهي تصف العناصر الجينومية الفعالة التي تقود أوركسترا النمو والوظائف البشرية. ويتضمن هذا المشروع بيانات عن درجة مَثـْيَلة الـ دي إن إيه، والتعديلات الكيميائية على الهستون التي تتمكن من التأثير على معدل نسخ الـ دي إن إيه إلى جزيئات الـ آر إن إيه (الهستونات هي البروتينات التي يلتف حولها الـ دي إن إيه؛ ليشكِّل الكروماتين). كما يختبر مشروع الترميز التداخلات الكروماتينية واسعة المدى، مثل تشكيل العُرَى التي تسبب تغير القرب النسبي للمناطق الصِبغِية المختلفة بالنسبة إلى الأبعاد الثلاثة، وتؤثر أيضًا على النسخ. وبالإضافة إلى ذلك، يصف المشروع النشاط الرابط لبروتينات عامل النسخ والتشكيل الهندسي (الموضع والتتالي) لعناصر الـ دي إن إيه المنظِّمة للجينات، التي تتضمن منطقة المحفزات الأولية إلى الأعلى من النقطة التي يبدأ فيها نسخ جُزَيْئة الـ آر إن إيه، وعناصر منظِّمة أبعد من ذلك (مدى طويل). كما تم تخصيص جانب آخر من المشروع لاختبار مدى تَمَكُّن الجينوم من الوصول إلى الديوكسي ريبونوكلياز I، البروتين المسبب لانشطار الـ دي إن إيه. والمناطق التي يمكن الوصول إليها تُدْعَى المواقع المفرطة الحساسية من الـديوكسي ريبونوكلياز I، ويُعتَقَد أنها تشير إلى تسلسل معين يؤدي فيه ارتباط عوامل النسخ وبروتينات آلية النسخ إلى تغيُّر مكان الجسيمات النووية (النوكليوسومز). وبالإضافة إلى ذلك، أدت أبحاث الترميز (إنكود) إلى فهرسة وتبويب تسلسلات وكميات الـ آر إن إيه المستنسخة، من مناطق اللاترميز والترميز البروتيني، على حد سواء.

كبر الصورة

لعل الانطلاق من قائمة من المكونات البسيطة، ومزجها بكميات محددة بدقة؛ لتحضير وجبة للذواقة، مهمة تنطوي على كثير من التحدي. وتشبه هذه المهمة ـ في كثير من النواحي ـ الهدف الذي يسعى مشروع (إنكود)1 لتحقيقه، والتقدم الذي حققه مؤخرًا، والموصوف في عدد سبتمبر 2-7 . ويهدف هذا المشروع إلى وضع وصف كامل للمكونات المشتركة (العناصر الفاعلة وظيفيًّا) التي تكوِّن الجينوم البشري (الشكل 1). وعند مزجها بالنسب الصحيحة؛ تشكل هذه المكونات المعلومات اللازمة لبناء كافة أنواع الخلايا، وأعضاء الجسم؛ وفي نهاية المطاف لبناء شخص كامل، انطلاقًا من جينوم واحد.

وقد ركزت المشروعات الرائدة من أبحاث (إنكود)8 على 1% فقط من الجينوم – كمادة مشهيّة خالصة – وقد ألمحت نتائجها إلى أن قائمة المورثات البشرية كانت غير كاملة. وبالرغم من وجود شكوك حول إمكانية التوسع في المشروع، وصولاً إلى كامل الجينوم، وإلى عدة مئات من أنواع الخلايا، إلا أن التقدم الحديث الذي مَكَّنَ من استحداث وسائل تكنولوجية منخفضة الكلفة وسريعة للكشف عن تسلسل الـ(دي إن إيه) غَيَّرَ تلك النظرة تغييرَا جذريًّا9. والآن بوسع رابطة (إنكود) أن تقدم قائمة تحتوي على مجموعات بيانات شاملة لـ 1,640 جينومًا مُعَدًّا من 147 نوعًا من الخلايا، ومقدّمة ضمن وجبة من ستة أبحاث في مجلة "نيتشر Nature"، إلى جانب عديد من المقالات المرافقة المنشورة في مجلات أخرى.

وهناك وصف لأحد أكثر الموجودات تميزًا، ستجده في البحث الافتتاحي2، وهو يشير إلى أن 80% من الجينوم يحتوي على عناصر مرتبطة بمهام كيميائية حيوية، مطيحًا بالفكرة الشائعة القائلة بأن الجينوم البشري يتشكل في غالبيته من "دي إن إيه غير مهم" وظيفيًّا. ويذكر المؤلفون في تقريرهم أن الفراغ بين الجينات تملأه مُعزّزات (عناصر تنظيمية من الـ دي إن إيه)، ومحفّزات (المواقع التي تبدأ منها عملية نسخ الـ دي إن إيه في الـ آر إن إيه) وعدد هائل من المناطق التي لم تلاحظ سابقًا، والتي تفك ترميز منتسخات الـ آر إن إيه التي لا يتم تفسيرها إلى بروتينات، والتي قد تكون لها أدوار تنظيمية. ومما يجدر ذكره، أن هذه النتائج تُظْهِر أن عديدًا من تنوعات الـ دي إن إيه التي ربطت سابقًا بأمراض معينة تقع ضمن عناصر الـ "دي إن إيه" العاملة غير المرمّزة، أو على قرب شديد منها، مما يعطي مؤشرات جديدة للربط بين الاختلافات الجينية والمرض.

الترميز

الترميز

موسوعة عناصر الـ «دي إن إيه»
nature.com/encode

أما المقالات الخمس المرافقة 3-7، فتقدّم مجموعات متنوعة من بيانات الجينوم الشاملة المتعلقة بتحديد مواقع المناطق المنسوخة، وربط الـ دي إن إيه للبروتينات المنظّمة (عوامل النسخ) وبنية الكروماتين (اتحاد الـ دي إن إيه والبروتينات المشكّل للصبغيات) وتعديلاتها، من ضمن مسارات أخرى.

ويصف جبالي وزملاؤه3 التسلسل الفائق العمق لجزيئات الـ "آر إن إيه" المعدّة من عدد كبير من الخطوط الخلوية المختلفة انطلاقًا من مناطق معينة ضمن الخلايا. وهي تخلص إلى أن حوالي 75% من الجينوم يتم استنساخه في وقت ما في بعض الخلايا، وأن الجينات شديدة التداخل بالنسخ المتراكبة التي تشكلت من كلٍّ من خيطي الـ "دي إن إيه". وهذه النتائج ترغمنا على إعادة التفكير في تعريف الجين، وفي الوحدة الصغرى من العوامل الوراثية.

وبالانتقال إلى المسارين الثاني والثالث، نجد أن ثورمان وآخري4، ونِيف وآخرين5، قد أعدّوا صنفين ممتعين على صلة بالكروماتين. وتستند كلتا الدراستين إلى مقايسة فرط حساسية الـديوكسي ريبونوكلياز I، الذي يحدد مناطق الجينوم التي يتمكن الإنزيم من الوصول إليها، وما يتلو ذلك من تشطّر، أي أن الـ "دي إن إيه" ليس مغلقًا بوجه بروتينات الكروماتين. وقد تمكَّن المؤلفون من تحديد نماذج خلوية نوعية من المواقع مفرطة الحساسية من الديوكسي ريبونوكلياز I، التي تبدي توافقًا ملحوظًا مع مواقع الربط المحددة تجريبيًّا، والمتوقعة حسابيًّا في عوامل النسخ. وتمكنوا ـ بالإضافة إلى ذلك ـ من مضاعفة عدد المتتاليات المعروفة للبروتينات الرابطة للـ دي إن إيه في الجينوم البشري، وأماطوا اللثام عن "علامات فارقة" لـ 50- زوجًا أساسيًّا موجودًا ضمن آلاف من المحفّزات5.

والمسار التالي الذي يقدمه جيرشتاين وزملاؤه6 يختبر المبادئ التي تعمل شبكات إرسال عامل النسخ بموجبها، فبالإضافة إلى تكليف عناصر الجينوم بمهام بسيطة نسبيًّا (مثل "ارتباط البروتين X بالعنصرY من الـ دي إن إيه")، تحاول هذه الدراسة توضيح التراتب الهرمي لعوامل النسخ، وكيفية نشوء الشبكات المتداخلة.

ووراء التنظيم الخطي البسيط للجينات والمنسوخات الموجودة على الصبغيات، توجد شبكة أكثر تعقيدًا (وما زال فهمنا لها ضحلاً) من الحلقات والتحولات الصِبغِية التي تتمكن المحفزات والعناصر الأكثر بُعْدًا، كالمعزّزات، عن طريقها من توصيل المعلومات التنظيمية فيما بينها. وفي المسار الأخير من احتفالية فك ترميز الجينوم، يحدد سانيال وزملاؤه7 مواقع أكثر من 1000 من الإشارات الواسعة الانتشار في كل أنواع الخلايا. وهذه الموجودات تبدأ بقلب التوقعات المتبناة سابقًا (التي ربما كانت مفرطة في بساطتها) بأن ما يتحكم بتنظيم الجين هو مدى قربه من العناصر المنظمة.

وسيكون أحد التحديات المستقبلية الرئيسة لمشروع إنكود (والمشروعات الطموحة المشابهة) هو التمكن من التقاط المظاهر الديناميكية للتنظيم الجيني. وتنجح معظم المقايسات في تقديم شرح لأحد جوانب الأحداث المنظمة للخلايا، في حين يُفضّل النجاح في معرفة التسلسل الزمني لحدوث هذه التغيرات. وبالإضافة إلى ما تقدّم، قد يتمكن فحص الأعداد الكبيرة من الخلايا – كما هو مطلوب في المقايسات الحالية - من تقديم نظرة شديدة التبسيط للعمليات التنظيمية المعقدة، لأن الخلايا الفردية ضمن مجموعة الخلايا المدروسة (بالرغم من كونها متماثلةً تمامًا من الناحية الجينية) قد تسلك أحيانًا سلوكًا مختلفًا. إن تطوير طرق تكنولوجية جديدة يهدف إلى التمكن من الالتقاط المتزامن لعدة أنواع من البيانات، إلى جانب الديناميكيات المنظمة لها في الخلايا الوحيدة، وسيساعد على معالجة هذه الأمور.

وهناك تحدٍّ أكبر يتمثل في تحديد كيف تتحد مكونات الجينوم؛ لتشكيل شبكة الاتصال الجينية والمسارات الكيميائية الحيوية التي تنجز المهام المعقدة، كالتواصل بين خلية وأخرى، بما يساعد الأعضاء والأنسجة على التشكل. والتحدي الأكبر من ذلك سيتمثل في استعمال الحجم المتزايد من البيانات المستقاة من مشاريع دراسة التسلسل الجينومي لفهم الأنماط الظاهرية (الصفات)، ابتداء من عمليات النمو الطبيعية، كالتقدم في السن، إلى الاضطرابات المرضية، مثل خرف الزهايمر10.

وقد يتطلب تحقيق هذه الأهداف الطموحة استثمارًا موازيًا للدراسات الوظيفية باستعمال عضويات أكثر بساطة ـ على سبيل المثال ـ من النوع الذي يدبّ على الأرض، بحثًا عن الفتات في المطبخ. وعلى كل حال، لا شك بأن مشروع الترميز (إنكود) تمكَّن من تقديم وليمة شهية من البيانات الجينومية التي سنحتاج إلى وقت طويل للإلمام بتفاصيلها وهضم معانيها. شهية طيبة!

التـحكـــم فــي التعبـيــــــر

وِنْدِي أ. بِكْمُور

عندما تم الانتهاء من وضع تسلسل الجينوم البشري، بدا واضحًا أن هناك حاجة لمعرفة موسوعية لتنظيم الكروماتين، إذا كنا نريد أن نفهم كيف يتم تنظيم التعبير الجيني. ويمضي مشروع الترميز (إنكود) بعيدًا لتحقيق هذا الهدف، ولتسليط الضوء على الدور المركزي الاستنادي لعوامل النسخ في نحت وتشكيل أرضية الكروماتين.

وبالرغم من أن بعض التحليلات أثبتت ـ إلى حد كبير ـ النتائج المستقاة من التجارب السابقة التي أجريت على نطاق أصغر، إلا أن هذا الكنز القيم من البيانات الشاملة للجينوم يسهم في تشكيل رؤية جديدة للمسارات التنظيمية، ويحدد أعدادًا هائلة من العناصر التنظيمية. وهذه هي الحال تمامًا بالنسبة إلى بيانات4 ثورمان وزملائه، المتعلقة بالمواقع المفرطة الحساسية من الـديوكسي ريبونوكلياز I (DHSs)، وبالنسبة إلى النتائج6 التي توصل إليها جيرشتاين وزملاؤه، التي تتعلق بالـ دي إن إيه وارتباطه بعوامل النسخ. والمواقع المفرطة الحساسية من الـديوكسي ريبونوكلياز I هي مناطق في الجينوم، يمكن الوصول إليها من قبل إنزيمات الانشطار، كنتيجة لتغير مواضع الجسيمات النووية (الوحدات الأساسية من الكروماتين) من قبل بروتينات الـ دي إن إيه الرابطة (الشكل 1). وهي علامات فارقة لمعزّزات الخلايا النوعية، التي كثيرًا ما تقع بعيدًا عن أماكن وجود المحفزّات.

وتكشف دراسات الترميز (إنكود) العدد الهائل من المواقع المفرطة الحساسية من الـديوكسي ريبونوكلياز I – أكثر من 200,000 موقع في كل نوع من الخلايا، وهو رقم يفوق عدد المحفزات بكثير – كما تكشف اختلافها حسب نوع الخلية. ونظرًا لوجود المواقع المفرطة الحساسية من الـديوكسي ريبونوكلياز I بالتزامن مع وجود المحفّز الفعال قريبًا منه في نفس النوع من الخلايا، فقد تمكَّن الباحثون من مزاوجة نصف مليون معزّز مع الجينات الهدفية المحتملة لها. وهذا يعني وجود أكثر من مليوني معزّز دون أهداف معروفة لها، مما يميط اللثام عن المناطق الهائلة غير المكتشفة بعد من مساحة الجينوم التنظيمية. وتحاول طرق تكوين الصِبغِي المشكـّل للالتقاط التي تتحرى الارتباطات الفعلية بعيدة المدى بين المناطق البعيدة من الـ دي إن إيه أن تسد هذا الفراغ. وقد قام سانيال وزملاؤه7 فعلاً باستعمال هذه التقنيات لدراسة هذه الارتباطات عبر 1% من الجينوم.

تبدأ بيانات الترميز برسم الصورة المنطقية والهندسية لشبكات الاستنساخ، التي يقوم فيها الـ دي إن إيه الرابط لعدد من عوامل النسخ الشديدة الألفة بإزاحة الجسيمات النووية من مواضعها، وتشكيل المواقع مفرطة الحساسية من الـديوكسي ريبونوكلياز I، التي تسهل بدورها ربط عوامل نسخ أكثر، ولكن أقل ألفة. كما تدعم النتائج الفكرة القائلة بأن ربط عوامل النسخ قد يعوق مَثـْيَلة الـ دي إن إيه (تعديل كيميائي يطرأ على الـ دي إن إيه، ويؤثر على التعبير الجيني)، أكثر من العكس، الذي يتصل بشدة بترجمة المواقع المرتبطة بالأمراض على الـ دي إن إيه المعدل المثـْيَلة11.

إن الخصوصية الخلوية الرائعة للعوامل التنظيمية التي كشفتها أبحاث الترميز تركز على أهمية الحصول على المواد البيولوجية المناسبة المخصصة لدراسة واختبار هذه النظريات. وقد ركز الباحثون جهودهم على مجموعة من الخلايا الجيدة، مع إجراء مقايسات مختارة إضافية على بعض الخلايا المعزولة حديثًا. وتشمل التحديات المستقبلية متابعة التغيرات الديناميكية على الأرضية التنظيمية أثناء حدوث بعض المسارات التطورية المعينة، وفهم بنية الكروماتين في الأنسجة التي تحتوي على مجموعات من الخلايا المتغايرة المنشأ.

غـيـــر مُـرَمَّــزَة، ولكـــنْ فعَّـالـــة

إنيس باروزو

إن الغالبية العظمى من الجينوم البشري لا تشكل رموزًا للبروتينات، وحتى الآن لم يبد أنها تحتوي على عناصر منظمة للجينات. وبقي سبب استمرار وجود كميات كبيرة من الـ دي إن إيه (عديم المنفعة) في مراحل التطور لغزًا، وبدا أنه إسراف. وقد تبين، على كل حال، أن هناك أسبابًا جيدة للمحافظة على هذا الـ دي إن إيه. وقد أظهرت النتائج المستقاة من مشروع إنكود2-8 أن معظم هذه المناطق الممتدة من الـ دي إن إيه تحتوي على مناطق تربط البروتينات وجزيئات الـ آر إن إيه، لتضعها في مواقع تمكنها من التعاون فيما بينها، من أجل تنظيم عمل ومستوى تعبير الجينات المرمزة للبروتينات. وبالإضافة إلى ذلك، يبدو أن الاستنساخ الواسع الانتشار من الـ دي إن إيه غير المرمز قد يعمل كمستودع لخلق جزيئات جديدة عاملة، مثل جزيئات الـ آر إن إيه المنظم.

وهنا، يثار تساؤل.. ما هي الآثار المترتبة على هذه النتائج للدراسات الجينية للصفات والأمراض البشرية المعقدة؟ دراسات الربط الشاملة للجينوم (GWAS) التي تربط الاختلافات في تسلسل الـ دي إن إيه مع صفات وأمراض معينة، أصبحت في السنوات الأخيرة العمود الفقري للعمل، وقد تمكنت من تحديد آلاف الاختلافات في الـ دي إن إيه المرتبطة بمئات الصفات المعقدة (كالطول مثلاً)، والأمراض (كداء البول السكري)، ولكن الربط ليس ربطًا سببيًّا، وتحديد هذه المتغيرات المربوطة سببيًّا بمرض أو بصفة معينة كان أمرًا صعبًا. وبالإضافة إلى ذلك، توجد معظم هذه المتغيرات المرتبطة في مناطق اللاترميز، ولذا.. بقي تأثيرها الوظيفي غير محدد.

ويقدم مشروع الترميز خريطة مفصلة للوحدات الوظيفية غير الترميزية الإضافية في الجينوم البشري، متضمنةً بعض الوحدات التي تمتلك نشاطًا نوعيًّا خاصًّا بخلايا معينة. وفي واقع الأمر، يحتوي الفهرس على عدد من المناطق الوظيفية غير المرمزة، يفوق عدد الجينات بكثير. وتُظْهِر هذه البيانات أن نتائج دراسات الربط الشاملة للجينوم غنية عادةً بالاختلافات التي تقع ضمن وحدات وظيفية غير مرمزة كهذه، وأحيانًا بأسلوب خاص بخلايا نوعية يتسق وصفات معينة، مقترحًا أن عديدًا من تلك المناطق يمكن ربطه سببيًّا بالأمراض. وهكذا، يُظْهِر المشروع أن مناطق اللاترميز يجب وضعها في الاعتبار عند تفسير نتائج دراسات الربط الشاملة للجينوم، وهي تقدم حافزًا قويًّا لتفسير النتائج السابقة لدراسات الربط الشاملة للجينوم. وبالإضافة إلى ذلك، تعني هذه النتائج أن دراسات التسلسل التي تركز على تسلسل ترميز البروتين (الإكسوم) تخاطر بإضاعة أجزاء مهمة وأساسية من الجينوم، والقدرة على تحديد الاختلافات السببية.

وعلى كل حال، وبالرغم من أن فهارس الترميز تمثل جولة واضحة القوة، إلا أنها تحتوي على استكشاف أولي فقط لعمق الجينوم البشري، لأن عددًا كبيرًا جدًّا من أنواع الخلايا ما زال بحاجة إلى الدراسة. وبعض الأمور التي ما زالت تشكل تحديًا للعلماء الباحثين عن الاختلافات المسببة للأمراض تقع ضمن: تقييم البيانات المستقاة من أنواع الخلايا والأنسجة ذات الصلة بالأمراض موضع البحث؛ وفهم كيفية تأثير هذه الوحدات الوظيفية على الجينات التي قد تكون بعيدة التموضع7، والقدرة على تعميم نتائج كهذه على العضوية ككل.

التطــــــور والشيـــــفرة

جوناثان ك. بريتشارد، ويُوآف جيلاد

لعل أحد أكبر تحديات بيولوجيا التطور يكمن في فهم كيف تؤدي الفروق في تسلسل الـ دي إن إيه بين الأنواع المختلفة إلى تحديد الفروق في أنماطها الظاهرة. قد يحدث التغير التطوري من خلال التغيرات في تسلسل ترميز البروتين، ومن خلال التغيرات المتتالية التي تغير التنظيم الجيني.

وهناك إدراك متنامٍ لأهمية هذا التطور التنظيمي، استنادًا إلى الأعداد الهائلة من الأمثلة النوعية، إضافة إلى الأسس النظرية. وكثيرًا ما قيل إن التغيرات التكيفية المحتملة لتسلسل ترميز البروتين ربما ستَحُول آليةُ الانتقاء الطبيعي دون حدوثها، لأنها حتى ولو كانت مفيدة لأحد أنواع الخلايا أو الأنسجة، فقد تكون ضارة في مكان آخر من العضوية.

وعلى النقيض من ذلك، ونظرًا إلى أن تسلسلات التنظيم الجيني كثيرًا ما تترافق بنماذج تعبير جينية نوعية محددة الزمان والمكان، فإن التغيرات في هذه المناطق قد تعدِّل وظيفة أنواع محددة فقط من الخلايا في أوقات محددة، مما يرجح أنها ستؤدي إلى إحداث مزايا تطورية12.

وعلى أي حال، فالمعلومات المتوفرة حتى الآن عن مناطق الجينوم التي تتمتع بنشاط تنظيمي لا تزال ضئيلة. وقدَّم مشروع الترميز (إنكود) نسخة أولى من "قائمة الأجزاء" المكونة لهذه العناصر التنظيمية، في مجموعة واسعة من أنواع الخلايا، وهذا ينقلنا بخطوة تقربنا جدًّا من أحد الأهداف الرئيسة لدراسات الجينوم، ونعني بها فَهْم الأدوار الوظيفية (إنْ كانت موجودة) لكل موضع من مواضع الجينوم البشري.

ومع ذلك، فسيحتاج الأمر إلى قدر كبير من العمل لتحديد التغيرات الأساسية على التسلسل في العناصر المنظمة التي اكتُشفت حديثًا، والتي تحدد التغيرات الوظيفية بين البشر وأنواع المخلوقات الأخرى.

وهناك بعض الأمور التي سبق التطرق إليها للتعرف على الفروق التنظيمية الأساسية (انظر المرجع 13 مثلاً)، ولكن التحديد المتطور الذي قدمه مشروع الترميز في التعرف على العناصر المنظمة يجب أن يسرّع التقدم في هذا المجال بشكل كبير.

وقد تتيح البياناتُ أيضًا للباحثين البدءَ في تحديد تغيرات التسلسل متزامنة الحدوث في عدة مناطق جينومية، التي ستفضي إلى التغير في الأنماط الظاهرة عند جمعها مع بعضها، وهي الآلية التي يُطلق عليها اسم التكيف متعدد الجينات14.

وعلى كل حال، وبالرغم من التقدم الذي حققته رابطة الترميز (إنكود) وغيرها من المجموعات البحثية، يبقى من الصعب التأكيد بثقة على ماهية المتغيرات في المناطق التنظيمية المفترضة التي ستفضي إلى تغيرات وظيفية، وما عساها أن تكون هذه التغيرات. كما لا يزال فهمنا لطريقة ربط التسلسلات التنظيمية بالجينات الهدفية غير مكتمل.

وبالإضافة إلى ذلك، ركز مشروع الترميز بشكل رئيس على التحكم في عملية النسخ، ولكن عديدًا من الجوانب التنظيمية للمرحلة التالية للنسخ، التي قد تؤدي بدورها إلى إحداث تغيرات تطورية، لا تزال بحاجة إلى الاستكشاف الكامل.

ومع ذلك، فإننا الآن نعيش أوقاتا مثيرة لدراسات تطور التنظيم الجيني. وبوجود مصادر جديدة كهذه بين أيدينا، يمكننا أن نتوقع رؤية أعداد متزايدة من الأبحاث التي تصف التطور التنظيمي التكيفي، وكيفية إسهامه في التطور البشري.

من الفهــــرس إلـى العمـــل

إيران سِيجال

إن المشاريع التي تنتج أعدادًا غير مسبوقة من البيانات، كمشروع الجينوم البشري15، أو مشروع الترميز (إنكود)، تمثل تحديات في مجالات الحساب وتحليل البيانات، وتعتبر قوة كبيرة تقود تطور الطرق الحسابية في علوم أبحاث الجينوم.

لقد أنتج مشروع الجينوم البشري قسمًا من المعلومات لكل زوج من الـ دي إن إيه، وقاد إلى تقدم في الطرق الحسابية المعتمدة، لمعرفة مطابقة التسلسلات ومواءمتها.

وعلى النقيض من ذلك، ففي مجموعات البيانات الشاملة لـ 1,640 جينومًا، قدم مشروع الترميز (إنكود) لمحة عن إمكانية الوصول، والمثـْيَلة، والحالة النسخية، وبنية الكروماتين، والجزيئات المرتبطة لكل زوج أساسي.

لقد تطلب العمل على البيانات الأساسية لمشروع الترميز (إنكود) لاستخلاص المعلومات الوظيفية جهدًا خارقًا.

ومن أجل كل طريقة تم اللجوء إليها لوضع ملامح الجزيئات، ابتكر باحثو الترميز طرقًا حسابية جديدة مصمَّمة للتخلص من القيم المتطرفة والأخطاء المنهجية الخاصة بكل بروتوكول، ولضمان مصداقية المعلومات الوظيفية المستقاة منها.

وقد تم تكييف خطوات عمليات الإنتاج، وإجراءات التحقق من النوعية من قِبَل جمعية الأبحاث، كأساس معياري لتحليل بيانات كهذه.

وتتضح النوعية العالية للمعلومات الوظيفية الناتجة من الدقة العالية والتفاصيل التي تم التوصل إليها، كالقدرة على ملاحظة الطبوغرافيا البلورية لبروتينات الـ "دي إن إيه" التي تتداخل في تشكيل العلامات الفارقة في الـديوكسي ريبونوكلياز I5، وملاحظة أكثر من مليون اختلاف في المجال الديناميكي لتركيزات النسخ المختلفة من الـ آر إن إيه3.

وبعيدًا عن هذه الطرق الفردية للعمل على البيانات، فإن النظرة البيولوجية العميقة لمشروع الترميز (إنكود) تأتي ـ دون شك ـ من مقاربات حسابية، سَعَتْ لإجراء التكامل بين أنواع متعددة من البيانات، كجمع بيانات عن مَثـْيَلة الـ "دي إن إيه"، وإمكانية الوصول إلى الـ "دي إن إيه"، وانطباع عامل النسخ، على سبيل المثال.

ويقدم ثورمان وآخرون4 رؤية رائعة عن الدور السببي لمثـْيَلة الـ "دي إن إيه" في إسكات الجينات، حيث وجدوا أن مواقع ربط عامل النسخ، في المتوسط، تخضع للمَثـْيَلة بمعدل أقل في أنواع الخلايا التي تعبر عن عوامل النسخ هذه، مما يبين أن مَثـْيَلة مواقع الربط غالبًا ما تحدث نتيجة آلية، لا فاعلة تسبب مَثـْيَلة المواقع غير المرتبطة بعوامل النسخ.

وبالرغم من المعلومات الوظيفية الغزيرة التي قدمها مشروع الترميز (إنكود)، ما زلنا بعيدين عن الهدف النهائي في فهم وظيفة الجينوم في كل خلية من خلايا كل إنسان، وعلى مرّ الزمن في نفس الإنسان.

وحتى إذا كان معدل ظهور طرق تنميط الترميز متزايدًا بشكل كبير، فمن الواضح أن اللجوء إلى مقاييس القوة القصوى في هذا الفضاء الواسع لن تكون مفيدة. وبدلاً من ذلك، يجب أن ننتقل من تحليلات الوصف والربط، وأن نسعى نحو استخلاص نماذج كميّة للجمع بين البروتينات ذات الصلة، ومكونات الـ "آر إن إيه" والكروماتين. وبعدئذ، يجب أن نصف كيف تتداخل هذه البروتينات فيما بينها، وكيف تربط الجينوم، وكيف تؤدي هذه الحوادث الرابطة إلى تنظيم عملية النسخ.

إنَّ هذه العملية ناجحة، وسوف تمكن نماذج من هذا النوع من وضع تصور لوظيفة الجينوم في أوقات وأوساط لم يتم قياسها وتحديدها بشكل مباشر. وعندما يُسمح لنا بتحديد أي الفرضيات الخاصة بالتداخلات الفيزيائية للنظام ستؤدي إلى نماذج تعطي تفسيرًا أفضل للنماذج المقاسة، فإن بيانات الترميز ستقدم فرصة ثمينة لمناقشة التحدي الحسابي التالي الهائل.

  1. The ENCODE Project Consortium Science 306, 636–640 (2004).
  2. The ENCODE Project Consortium Nature 489, 57–74 (2012).
  3. Djebali, S. et al. Nature 489
  4. Thurman, R. E. et al. Nature 489, 75–82 (2012).
  5. Neph, S. et al. Nature 489, 83–90 (2012).

  6. Gerstein, M. B. et al. Nature 489, 91–100 (2012).
  7. Sanyal, A., Lajoie, B., Jain, G. & Dekker, J. Nature 489, 109–113 (2012).
  8. Birney, E. et al. Nature 447, 799–816 (2007).
  9. Mardis, E. R. Nature 470, 198–203 (2011).

  10. Gonzaga-Jauregui, C., Lupski, J. R. & Gibbs, R. A. Annu. Rev. Med. 63, 35–61 (2012).
  11. Sproul, D. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 4364–4369 (2011).

  12. Carroll, S. B. Cell 134, 25–36 (2008).
  13. Prabhakar, S. et al. Science 321, 1346–1350 (2008).
  14. Pritchard, J. K., Pickrell, J. K. & Coop, G. Curr. Biol. 20, R208–R215 (2010).
  15. Lander, E. S. et al. Nature 409, 860–921 (2001).