تحقيق إخباري

الترميز: موسوعة الإنسان

في البدء قاموا بتتبع نشأته، ثم قاموا بمسح مناطقه النائية، لكنْ لا أحد يعرف كَمَّ المعلومات لدى الجينوم البشري، أو متى يجب أن يتوقف البحث عنه.

بريندان ماهر
  • Published online:

يودّ إيوان بيرني Birney Ewan لو كان بإمكانه أن يُصدِر نسخة مطبوعة من جميع البيانات الجينومية التي جمعها هو وزملاؤه على مدى السنوات الخمس الماضية، كجزء من مشروع الترميز ENCODE (موسوعة عناصر الحمض النووي Encyclopedia of DNA Elements)، إلا أن العثور على مكان لوضعها فيه سيشكّل تحديًا.. فحتى لو حَوَت النسخة ألف زوج من القواعد الأساسية في كل سنتيمتر مربع، ستعلو المطبوعة إلى ارتفاع ستة عشر مترًا، وتمتد إلى طول لا يقل عن 30 كيلومترًا.

وقد صُمِّم مشروع الترميز ليبدأ من حيث انتهى مشروع الجينوم البشري. وعلى الرغم من أن ذلك الجهد الهائل كشف عن مخطط بيولوجيا الإنسان، إلاّ أنه سرعان ما اتضح أن دليل التعليمات لقراءة المخطط غير واضح في أحسن تقدير. ومن بين محتواه البالغ ثلاثة مليارات حرف من أحرف الجينوم، تمكّن الباحثون من التعرف على بعض المناطق التي تُشفِّر للبروتينات. ولكن هذه تشكل ما هو أكثر بقليل من 1٪ من الجينوم، حيث تقع في نحو 20000 جين، مجرد بضعة أشياء مألوفة يمكن التعرف عليها ضمن مشهد قاتم وغير واضح المعالم. ويعتقد عديد من علماء الأحياء أن المعلومات عن التعقيد العجيب للبشر يَكْمُن في مكان ما في (الصحاري) الممتدة بين الجينات. ومشروع الترميز، الذي بدأ في عام 2003، هو مجهود ضخم لجمع البيانات، وهو مُصمَّم لملء فراغات هذه التضاريس. والهدف من ذلك هو أرشفة سلاسل الحمض النووي DNA التي لها وظائف محددة، والمُندسَّة في العتمة هناك، وكذلك تَعَلُّم متى تنشط هذه السلاسل، وفي أيّ الخلايا، ومن ثم تَعقُّب آثارها على كيفية تشكيل الجينوم، وكيفية تنظيمه وقراءته.

بعد المرحلة التجريبية الأولية، بدأ علماء مشروع الترميز بتطبيق مناهجهم على مجمل الجينوم في عام 2007. وقد وصلت هذه المرحلة إلى النهاية، وأُشير إلى ذلك الحدث بنشر 30 ورقة علمية، في مجلة «نيتشر Nature»، ومجلة «جينوم ريسيرش»، ومجلة «جينوم بيولوجي». وقد حدّد الاتحاد - من العلماء المشتغلين على المشروع - وظيفة معينة لنحو 80٪ من الجينوم، بما في ذلك أكثر من 70000 منطقة (مُحفِّزة) - المواقع إلى الأعلى من الجينات، وترتبط البروتينات بها للسيطرة على التعبير الجيني- ونحو 400000 منطقة (مُحسِّنَة) تنظم التعبير عن الجينات البعيدة1، لكن نقطة النهاية لهذه المهمة لا تزال بعيدة، كما يقول بيرني، عالم البيولوجيا الحاسوبية في المختبر الأوروبي للبيولوجيا الجزيئية في المعهد الأوروبي للمعلوماتية الحيوية في هينكستون بالمملكة المتحدة، الذي نسّق جهود تحليل البيانات لمشروع الترميز. ويقول إن بعض جهود رسم الخرائط غدت الآن في منتصف الطريق للانتهاء منها. أما الوصف الأعمق لكل ما يقوم به الجينوم، فربما يكون قد أُنجز منه 10 ٪ فقط. وهناك مرحلة ثالثة، تجري الآن، ستقوم بملء صفحات دليل التعليمات للإنسان، وتقديم المزيد من التفاصيل.

الترميز

الترميز

موسوعة عناصر الـ «دي إن إيه»

nature.com/encode

إن عديدًا ممن ملأوا كؤوسهم من جدول البيانات مترامي الأطراف شديدو الحماس لاحتمالات المستقبل الآتي. فلقد أضاء مشروع الترميز بالفعل بعض الزوايا المظلمة من الجينوم، وأوجد فرصًا لفهم كيف تؤثر الاختلافات الجينية على الصفات والأمراض البشرية. كما أن تَقَصِّي الأعداد الضخمة من العناصر التنظيمية التي كشف عنها المشروع، ومقارنة تسلسلاتها بتلك الموجودة في الثدييات الأخرى يَعِدُ بإعادة تشكيل فهم العلماء لكيفية تطور البشرية.

وبعض الباحثين يتساءلون قائلين: عند أي نقطة يمكننا أن نكتفي من البحث؟. يقول كريس بونتينج، عالم البيولوجيا الحاسوبية في جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة: «إنني لا أرى القطار الجامح سيتوقف قريبًا». وعلى الرغم من أن بونتينج يدعم أهداف المشروع، فإنه يشكّ في ما إذا كانت بعض جوانب مشروع الترميز ستقدم عائدًا على الاستثمار، الذي يُقدَّر بأنه قد تجاوز 185 مليون دولار أمريكي. ويذهب جوب ديكر، قائد مجموعة مشروع الترميز في كلية الطب بجامعة ماساتشوسيتس في ووستر، إلى أن تحقيق إمكانيات مشروع الترميز سيتطلب بعض الصبر، إذ يقول: «إن الأمر ـ في بعض الأحيان ـ يتطلب وقتًا طويلاً؛ لتعرف ما يمكنك أن تتعلمه من أي مجموعة محدّدة من البيانات».

وحتى قبل الانتهاء من مشروع سلسلة الجينوم البشري2، نجد أن المعهد الوطني لأبحاث الجينوم البشري، المشار إليه اختصارًا بـ NHGRI، المُموِّل الرئيس لعلوم الجينوم في الولايات المتحدة، كان يُحَاجِجُ بضرورة اتباع مقاربة نظامية لتحديد الأجزاء الوظيفية في الحمض النووي DNA. وفي عام 2003، دعا المعهد علماء الأحياء لاقتراح مشاريع تجريبية، من شأنها أن توَّلد مثل هذه المعلومات لنسبة 1 ٪ فقط من الجينوم، وتساعد على تحديد أيٍّ من التقنيات التجريبية، ومن المحتمل أن تعمل بشكل أفضل على الجينوم ككل.

وقد غَيَّرت المشاريع التجريبية الأولية من كيفية نظر علماء الأحياء إلى الجينوم، فرغم أن كمية صغيرة فقط من الحمض النووي DNA تُصنِّع الحمض النووي الريبوسومي الرسول RNA messenger الذي يحمل شفرة بناء البروتين، وجد الباحثون أن الكثير من الجينوم «يُنسَخ» لتشكيل جزيئات حمض نووي ريبسومي RNA لا يُشفِّر لبناء البروتين. ومن المعروف الآن أن بعضًا من هذه الجزيئات هي من أهم العناصر المُنظِّمة في التعبير الجيني. ورغم أن عديدًا من علماء الوراثة كانوا يعتقدون أن العناصر الوظيفية ستكون هي الأكثر حِفْظًا عبر الأنواع، إلاّ أنهم في الواقع وجدوا أن عديدًا من التسلسلات التنظيمية المهمة قد تطورت بسرعة. ونشر الاتحاد نتائجه3 في عام 2007، بعد فترة وجيزة من إصدار المعهد NHGRI للجولة الثانية من الطلبات. وفي هذه المرة طلب من الذين سيشاركون توسيع نطاق أعمالهم لتشمل الجينوم بأكمله. بدأت هذه المرحلة من توسيع نطاق العمل مع انطلاقة جيل جديد من آلات السلسلة، مما جعل الحصول على البيانات أسرع وأرخص بكثير. يقول جون ستاماتويانوبولوس، رئيس مجموعة مشروع الترميز في جامعة واشنطن في سياتل: «على ما أعتقد أننا أنتجنا خمسة أضعاف البيانات التي قلنا بأننا سننتجها، وذلك دون أي تغيير في التكلفة».

وقد ركّزت الفِرَق الاثنان والثلاثون - التي تشمل أكثر من 440 عالمًا - على 24 نمطًا من التجارب المعيارية (انظر «إعداد دليل الجينوم»). لقد عزلوا وسلسلوا والحمض النووي الريبوسومي RNA المنسوخ من الجينوم، وحدَّدوا مواقع الارتباط على الحمض النووي DNA لنحو 120 عاملاً من عوامل النسخ. كما مسحوا مناطق الجينوم المبطّنة بمجموعات الميثيل الكيميائية، التي تشير عمومًا إلى الأجزاء التي تكون الجينات فيها صامتة. وفحص الباحثون أنماط التعديلات الكيميائية التي تقع على بروتينات الهيستون، التي تساعد على تَحزيم الحمض النووي DNA في شكل صِبغِيّات، كما يمكن أن تشير إلى الأجزاء التي يُعزّز أو يحبّط فيها التعبير الجيني. وعلى الرغم من أن الجينوم هو نفسه في معظم الخلايا البشرية، فإن كيفية استخدامه ليست كذلك. لذا.. أجرت الفرق هذه التجارب على الأنواع المتباينة - لا تقل عن 147 نوعًا - مما أدى إلى التجارب الـ 1648 التي يعرضها مشروع الترميز في عدد شهر سبتمبر4-8.

وعلى سبيل المثال، مسح ستاماتويانوبولوس وزملاؤه4 المناطق التنظيمية في 125 نوعًا من أنواع الخلايا، وذلك باستخدام إنزيم يسمى دي نيز 1 DNaseI. ولهذا الإنزيم تأثير بسيط على الحمض النووي DNA الذي يتعانق مع الهستونات، إلاّ أنه يُقطِّع الحمض النووي DNA المرتبط بالبروتينات التنظيمية الأخرى - مثل عوامل النسخ - إلى قطع. وتشير عملية سلسلة الحمض النووي المُقَسَّم إلى المناطق التي سترتبط بها هذه البروتينات في الأنواع المختلفة من الخلايا. وإجمالاً، اكتشف الفريق نحو 2.9 مليون موقع من هذه المواقع. وتقريبًا، عُثِر على ما يقرب من ثلثها في نوع واحد فقط من الخلايا، وتكرر ظهور 3700 منها في جميع أنواع الخلايا، مما يقترح وجود اختلافات رئيسة في كيفية تنظيم جينوم من خلية إلى أخرى.

كبر الصورة

إن المتعة الحقيقية تبدأ عند تجميع مجموعات البيانات المختلفة معًا في طبقات. فمثلا، تكشف التجارب التي تبحث في تعديلات الهيستون أنماطًا تتوافق مع حدود المواقع الحساسة للإنزيم دي نيز 1، ومن ثم يستطيع الباحثون أن يضيفوا بيانات تظهر بالضبط أيًّا من عوامل النسخ ترتبط بأي موقع، ومتى. وقد مُلِئَت المناطق الصحراوية الشاسعة الآن بمئات الآلاف من السمات التي تسهم في تنظيم الجينات. ويستخدم كل نوع من الخلايا توافيق وتباديل مختلفة من هذه السمات؛ لتوليد بيولوجيتها الفريدة. ويساعد هذا التنوع الثري على تفسير كيف يمكن لعدد قليل نسبيًّا من الجينات التي تُشفِّر للبروتين أن توفِّر التعقيد البيولوجي الضروري لنمو الإنسان وقيامه بأنشطته. يقول مانوليس كيليس - المختص بعلم الجينات الحاسوبية في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا في كامبريدج، الذي قاد جانبًا من جهود تحليل البيانات - إن مشروع الترميز «هو أكثر بكثير من مجرد مجموع الأجزاء».

والبيانات التي نُشِرت خلال مدة هذا المشروع تساعد الباحثين فعليًّا على فهم علم وراثة الأمراض، إذ منذ عام 2005، نجد أن دراسات الارتباطات عبر الجينوم ككل ـ المشار إليها اختصارًا بـ GWAS ـ قد أنتجت سيلاً من آلاف النقاط على الجينوم، التي يبدو أن حدوث فارق أو تنويع بحرف واحد عند تلك النقطة يكون مرتبطًا بخطر الإصابة بمرض، ولكن ما يقرب من 90 ٪ من هذه التنويعات يقع خارج إطار الجينات المشفِّرة للبروتين، ولذا.. فليس لدى الباحثين سوى أدلة قليلة على الكيفية التي تَسَبَّبَ فيها المرض، أو تأثر فيه.

وتكشف الخريطة التي وضعها مشروع الترميز عن أن عديدًا من المناطق المرتبطة بالمرض تشمل تسلسلات أخرى مُحفِّزة، أو وظيفية، وأن نوع الخلايا أمر مهم. فقد نظر فريق كيليس في بعض المتغيرات التي ترتبط بقوة مع مرض الذئبة الحمامية الجهازية، وهو مرض يهاجم فيه جهاز المناعة أنسجة الجسم نفسه. ولاحظ الفريق أن المتغيرات المحددة في دراسات الارتباطات عبر الجينوم GWAS تميل إلى أن توجد في المناطق التنظيمية من الجينوم، التي تنشط عند توليد سلالات الخلايا المناعية، ولكن ليس بالضرورة في أنواع أخرى من الخلايا. وقد أعدَّ وارد لوكاس Lucas Ward - طالب ما بعد الدكتوراه، ويعمل مع كيليس - بوابة إلكترونية، تسمى هابلو ريج HaploReg، تسمح للباحثين بالمسح المقارن بين المتغيرات المحددة في دراسات الارتباطات عبر الجينوم GWAS وبيانات مشروع الترميز بطريقة منهجية. يقول كيليس: «نحن الآن ـ وذلك بفضل مشروع الترميز ـ قادرون على مهاجمة الأمراض الأكثر تعقيدًا».

هل وصلنا بعد؟

قد يقضي الباحثون سنوات في العمل فقط على بيانات مشروع الترميز الحالية، ولكن لا يزال هناك أكثر من ذلك بكثير في المستقبل.. فعلى موقعها على الانترنت، تعرض جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز تمثيلاً مرئيًّا معبِّرًا عن التقدم الحاصل في مشروع الترميز، كالآتي: شبكة تُبيّن أي من أنماط التجارب الأربع والعشرين قد أُجرِيت، وأي من أنواع الخلايا ـ الذي يقارب 180 نوعًا ـ قد فحصها مشروع الترميز حتى هذا الوقت. والشبكة بالكاد تحوي حفنة من سلالات الخلايا فقط، بما في ذلك السلالات المحورية في المختبرات، مثل سلالة هيلا HeLa، وسلالة جي إم GM12878، وهي المدروسة جيدًا، في حين أن عديدًا من الخلايا أُجريت عليها تجربة واحدة فقط.

وسوف يملأ العلماء عديدًا من هذه الفراغات، كجزء من المرحلة الثالثة، التي يشير بيرني إليها باسم (البناء)، لكنهم يخططون أيضًا لإضافة المزيد من التجارب وأنواع الخلايا. وإحدى طرق القيام بذلك هي التوسّع في استخدام تقنية تُعرف باسم (الترسيب المناعي للكروماتين)، المشار لها اختصارًا بـ ChIP، التي تبحث عن جميع التسلسلات المرتبطة ببروتين ما، بما في ذلك عوامل النسخ والهستونات المُعدَّلة.. فمن خلال عملية مضنية، يُطوِّر الباحثون أجسامًا مضادة لهذه المرتبطة بالحمض النووي DNA، واحدةً تلو الأخرى، ثم يستخدمون هذه الأجسام المضادة لاستخلاص البروتين والحمض النووي DNA المرتبط بها من مستحلبات الخلية، وحينها يُسلسَل ذلك الحمض النووي DNA. وتلك مشكلة محدودة، كما يقول بيرني، إذ يُعتقد أن هناك حوالي 2000 فقط من مثل هذه البروتينات هي التي بحاجة إلى الاستكشاف. (وقد حَلَّلَ مشروع الترميز بالفعل 10% منها). أما الشيء الأكثر صعوبة، فهو تحديد عدد سلالات الخلايا التي يجب أن تُفحص. ومعظم التجارب ـ حتى الآن ـ أجريت على السلالات التي تنمو بسهولة في مزرعة الخلايا، ولكنها ذات خصائص غير طبيعية.. فسلالة الخلية جي إم GM12878، على سبيل المثال، أُنشئت من خلايا الدم باستخدام فيروس يدفع بالخلايا للتكاثر، والهستونات أو العوامل الأخرى قد ترتبط بشكل غير طبيعي بالجينوم المُضخّم. أما سلالة هيلا HeLa، فقد أُنشئت من خزعة سرطان عنق الرحم قبل أكثر من 50 عامًا، وهي مليئة بأجزاء مُعاد ترتيبها جينيًّا. ومع هذا.. سخر بيرني مؤخرًا من الحديث عن أن سلالة هيلا HeLa تستحق أن يُطلَق عليها وصف (نوع جديد).

والآن يريد باحثو مشروع الترميز النظر في خلايا مأخوذة مباشرة من شخص، ولكن لأن خلايا كثيرة من هذه لا تنقسم في مزرعة الخلايا، فإنه يجب تنفيذ التجارب على كمية صغيرة فقط من الحمض النووي DNA، كما يصعب الحصول على عينة من بعض الأنسجة، مثل تلك الموجودة في الدماغ. كذلك شرع باحثو مشروع الترميز للتوِّ في مناقشة الخوض بشكل أعمق في كيفية تأثير الاختلاف ما بين الناس على نشاط العناصر التنظيمية في الجينوم. يقول مارك جيرستين، عالم البيولوجيا الحاسوبية في جامعة ييل في نيو هيفن بكونيتيكت، الذي ساعد في تصميم بنية قاعدة بيانات مشروع الترميز: «في بعض الأماكن سيكون هناك بعض الاختلاف في التسلسل؛ مما يعني أن عامل النسخ لن يرتبط في جزءٍ ما بنفس الطريقة التي يرتبط بها في جزء آخر». وفي نهاية المطاف، قد ينتهي الأمر بالباحثين إلى النظر في عينات من عشرات إلى مئات من الناس.

كما نجد أن نطاق التجارب آخذٌ في الاتساع. وأَحَدُ مجالات الدراسة الآخذ في التطور بسرعة ينطوي على النظر في التفاعلات بين أجزاء من الجينوم في حيز ثلاثي الأبعاد، فإذا كانت حلقة سلسلة الحمض النووي DNA لا تعترض الطريق، فإن العناصر المُحسِّنة بإمكانها التأثير على جينات تبتعد مئات الآلاف عن القواعد الأساسية، وقد ينتهي الأمر بالبروتينات المرتبطة بالمُحسِّن إلى التفاعل مع تلك المرتبطة بالقرب من الجين. ويعكف ديكر وزملاؤه على تطوير تقنية لمسح هذه التفاعلات. في البدء، يستخدمون مواد كيميائية تَلْحِم البروتينات التي ترتبط بالحمض النووي DNA ببعضها البعض، ثم يقطعون الحلقات التي تعترض الطريق؛ ومن ثم يسلسلون الحمض النووي المرتبط بالبروتينات، مما يكشف عن الصلات بعيدة المدى بين العناصر التنظيمية. وهم الآن يعملون على توسيع نطاق هذه الجهود لاستكشاف التفاعلات عبر الجينوم، إذ يقول ديكر: «هذا أبعد من مجرد الشرح البسيط للجينوم. إنها المرحلة المقبلة».

والسؤال الآن، أين نتوقف؟ يقول كيليس إن بعض المقاربات التجريبية قد يصل إلى نقطة التشبع: إذا تدنّى معدل الاكتشافات إلى ما دون عتبة معينة، فإن العائد من كل تجربة يمكن أن يغدو منخفضًا جدًّا لتحفيز متابعة البحث. ويقول كيليس إنه من الممكن أن يتراكم في نهاية المطاف ما يكفي من البيانات لدى العلماء؛ ليتمكنوا من التنبؤ بوظيفة تسلسل غير مُكتَشَف بعد. وهذه العملية، التي تُعرف بالإسناد imputation، كانت منذ زمن طويل هدفًا لشرح الجينوم. ويضيف كيليس قائلاً: «أعتقد أنه ستكون هناك مرحلة انتقالية، يكون فيها الإسناد أكثر رجاحة، وأكثر دقة من القيام بالتجارب فعليًّا».

ولكن مع الآلاف من أنواع الخلايا التي يجب اختبارها والمجموعة المتنامية من الأدوات التي تمكِّن من اختبارها، فإن المشروع قد يستمر إلى ما لا نهاية، إذ يقول ريك مايرز، عالم الوراثة في معهد هدسون للتكنولوجيا الحيوية في هانتسفيل بألاباما: «نحن أبعد ما نكون عن الانتهاء». ويتابع قائلاً: «ويمكن الجدل بأن هذا قد يستمر إلى الأبد»، ويثير هذا قلق البعض. فقد تكلّف المشروع التجريبي للترميز ما يقدر بـ 55 مليون دولار، وتكلَّف التطبيق واسع المدى نحو 130 مليون دولار؛ وفي المرحلة المقبلة قد يقدم معهد NHGRI مِنَحًا تصل إلى 123 مليون دولار.

ويجادل بعض الباحثين بأنهم يجب أن يروا عائدًا كبيرًا على هذا الاستثمار.. حيث كان من الصعب جمع معلومات مفصلة عن الكيفية التي تُستخدم بها بيانات مشروع الترميز. وقد بحث مايك بزين، مدير برنامج في معهد NHGRI، في الأدبيات العلمية التي أدّت فيها بيانات مشروع الترميز دورًا كبيرًا. وقد أحصى نحو 300 ورقة بحث، جاءت 110 ورقات منها من مختبرات لم تُموَّل من قبل مشروع الترميز، لكن عملية البحث كانت معقدة، لأن لفظة (الترميز) ترد باستمرار في أوراق البحث المعنية بعلم الوراثة، وعلم الجينوم. ويقول بزين بامتعاض: «يجب أن ننبه أنفسنا.. ففي المرة القادمة اخْتَرْ اسم مشروع فريد من نوعه».

وقد اشتكى عدد من العلماء الذين اتصلت بهم لإعداد هذه المقالة من أن ليس هناك الكثير مما يمكن عرضه لعمل استمر عقدًا من الزمن تقريبًا، وأن اختيارات سلالات الخلايا وعوامل النسخ كانت اعتباطية إلى حد ما. كما يعتقد البعض أيضًا أن المال الذي التهمه المشروع كان من الأفضل أن يُصرف على مشاريع يضعها الباحثون بأنفسهم، وتكون موجَّهة بالفرضيات العلمية، وهي شكوى أُثيرت أيضًا خلال مشروع الجينوم البشري. وعلى العكس من مشروع الجينوم، الذي كانت له نقطة نهاية واضحة، يقول الناقدون إن مشروع الترميز قد يستمر في التوسُّع، وإنه في الأساس لا يمكن الانتهاء منه، لكنَّ أيًّا من العلماء لم يقبل بتسجيل تعليقه، خوفًا من أن يؤثِّر ذلك على تمويل أبحاثهم، أو أبحاث طلبة ما بعد الدكتوراه العاملين معهم.

ويتعاطف بيرني مع القلق من أن الأبحاث القائمة على الفرضيات بحاجة إلى المزيد من التمويل، لكنه يقول: «إنه لنهج خاطئ أن نضع هذه الأمور موضع المنافسة المباشرة»، إذ يكرِّس معهد NHGRI الكثير من أموال الأبحاث لمشاريع كبيرة يقودها اتحاد من العلماء، مثل مشروع الترميز، لكن المعهد يحصل على 2 ٪ فقط من إجمالي ميزانية المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة Health Institutes of National US، مما يترك الكثير للأعمال الموجَّهة بالفرضية العلمية. ويجادل بيرني بأن المقاربة المنهجية للمشروع ستؤتي ثمارها، ويقول إنه «على الرغم من اعتيادية جهود الفهرسة هذه، فإنه يجب وضع جميع الأجزاء على الطاولة قبل تركيبها معًا».

وفي نهاية الأمر، يقول جيرستين: «استغرق الأمر أكثر من نصف قرن منذ أن أدركنا أن الحمض النووي DNA هو المادة الوراثية للحياة، حتى وصلنا إلى سلسلة الجينوم البشري. واستطرد قائلاً: «ويمكننا أن تتخيل بسهولة أن البرنامج العلمي للقرن المقبل هو فَهْم ذلك التسلسل حقًا».

  1. The ENCODE Project Consortium Nature 489, 57–74 (2012).

  2. International Human Genome Sequencing Consortium Nature 431, 931–945 (2004).

  3. The ENCODE Project Consortium Nature 447, 799–816 (2007).

  4. Thurman, R. E. et al. Nature 489, 75–82 (2012).

  5. Neph, S. et al. Nature 489, 83–90 (2012).

  6. Gerstein, M. B. et al. Nature 489, 91–100 (2012).

  7. Djebali, S. et al. Nature 489, 101–108 (2012).

  8. Sanyal, A., Lajoie, B. R., Jain, G. & Dekker, J. Nature 489, 109–113 (2012).