تأبين

برنارد لوفيل (2012–1913)

فيزيائي رائد في الرادارات، وصانع تليسكوب الراديو الشهير بمرصد «جوردل بانك»

فرانسيس جراهام سميث٬ ورودني ديفيس، وأندرو لاين
  • Published online:

برؤية واستلهام وعزم٬ استطاع برنارد لوفيل إنشاء مرصد جوردل بانك الفلكي في تشيشاير٬ بالمملكة المتحدة٬ بجانب تليسكوب الراديو العظيم الذي يحمل اسمه. كما مكنت قيادته أجيالاً من علماء الفلك من تطوير أدوات علم فلك الراديو التي أحدثت بدورها تغييرات جذرية في علم الفيزياء الفلكية، وعلم الكونيات.

وُلِدَ لوفيل في أولدلاند كومون بالقرب من بريستول في المملكة المتحدة٬ ودرس في مدرسة كينجزوود جرامر سكول. بدأ انجذابه للفيزياء خلال محاضرة للفيزيائي آرثر تندال٬ فلحق بهذا الفيزيائي كطالب بحث في جامعة بريستول٬ وحصل هناك على درجة الدكتوراه بفضل عمله بالغ الدقة حول مقاومة الرقائق المعدنية الرفيعة٬ وذلك في عام 1936. وتطور لدى لوفيل اهتمام بالأشعة الكونية من خلال التحاقه كمحاضر بجامعة مانشيستر في المملكة المتحدة. وانضم إلى مجموعة باتريك بلاكيت٬ الذي كان يعمل على تطوير تقنيات الغرفة السحابية للكشف عن هذه الأشعة.

ثم لحق لوفيل ببلاكيت، حيث عملا في المجال العلمي مع الحكومة٬ فأصبح علمًا مهمًّا في تطوير الرادارأثناء الحرب العالمية الثانية. وطورت مجموعة لوفيل نظام رادار جوي يعمل على طول موجة 10 سنتيمترات مع دقة موقعية عالية. كما صمم لوفيل هوائيات ماسحة كبيرة محمولة جوا٬ كانت تتطلب قص فتحة في جسم الطائرات الحاملة لها. وكان يتم وضع تلك الهوائيات٬ بالغة الأهمية للملاحة والكشف عن الغواصات الألمانية٬ في الطائرات العسكرية لقيادة السواحل وقيادة القاذفات، مما كان له تأثير كبير في معركة الأطلسي.

برنارد لوفيل 
(2012–1913)

برنارد لوفيل (2012–1913)

PHOTOSHOT

أثناء عمله في إحدى محطات رادار تشين هوم٬ التي كانت تحمي الساحل البريطاني٬ رصد لوفيل خلفية أصداء متقطعة تميز إشارات الطائرات عما يحيط بها من إشارات. تَعَجَّبَ لوفيل من مصدر هذا الصدى؛ فناقش مع بلاكيت احتمالية أن تكون هذه انعكاسات ناتجة عن سُحُب متأيِّنة في الجو٬ لربما تشكلت من دفقات أشعة كونية. وقام بمتابعة هذه الفكرة بعد انتهاء الحرب.

مع عودته إلى مانشيستر في 1945، استعمل لوفيل خبراته التي اكتسبها في زمن الحرب لتطوير مرصد جوردل بانك الفلكي. وتم نقل رادار عسكري كان قد أُحْضِر لمانشيستر نحو 30 كم خارج المدينة٬ إلى موقع لدراسة النبات كان ملكًا لجامعة مانشيستر، من أجل تجنب التشويش الكهربائي الناجم عن القطارات الكهربائية. عندها٬ تنبه لوفيل بوضوح إلى مصدر الأصداء الذي كان قد رآها في رادار تشين هوم٬ فقد كان ذاك عبارة عن آثار نيزكية٬ إذ لم يتم أي اكتشاف لأصداء أشعة كونية.

احتاج لوفيل لهوائي أكبر٬ فقام ببناء عاكس شكله قِطعي مكافئ بمساعدة فريق صغير٬ وكان قطره 66 مترا، وكان مصنوعًا من أسلاك مشدودة بين أطراف السقالات. استعمل لوفيل هذا الصحن في اكتشاف أشعة راديو من مجرة أندروميدا. وكانت تلك بداية علم الفلك في جوردل بانك. وكان الصحن ثابتًا وموجهًا إلى أعلى. وطمح لوفيل إلى بناء عاكس قابل للتوجيه وبنفس الحجم على الأقل؛ فبدأت الخطط لبناء الصحن المبدع٬ بقطر طوله 76 مترا، المعروف باسم تليسكوب لوفيل.

لقد تطلب بناء مثل هذه الآلة المبتكرة الضخمة عزمًا هائلا وقُوة إقناع. ارتفعت كلفة التليسكوب الأصلية لأكثر من الضعف٬ من 259 ألف جنيه استرليني في 1952 إلى 640 ألفا في عام 1956 (ما يعادل الآن 13 مليون جنيه استرليني، أو 21 مليون دولار أمريكي). وكان السبب الرئيس في ذلك هو اكتشاف  الفلكيين الهولنديين في 1951 للخط الطيفي على طول موجة قصيرة نسبيًّا٬ 21 سنتيمترا من الهيدروجين في الفضاء البينجمي، مما يتطلب سطحًا عاكسًا بدقة أكبر. غطت الحكومة البريطانية والجامعة معظم الزيادة٬ وبقي مبلغ 50 ألف جنيه استرليني، كان لوفيل مسؤولا شخصيًّا عن سداده. وواجَهَ لوفيل مُسَاءَلَةً من قِبَل لجنة الحسابات العامة الحكومية٬ وبات السجن احتمالاً واردًا.

عندها، جاء إطلاق الاتحاد السوفيتي للقمر الاصطناعي "سبوتنيك" في 1957؛ ليستدرك هذا الموقف المحرج. كالعادة٬ جاء لوفيل لينقذ الموقف، وقام التليسكوب الجديد بالتقاط أصداء من عربة إطلاق سبوتنيك. وهو إنجاز لم يسبق أنْ تَحقَّق في أي من دول الغرب. وفجأة٬ أدرك الجميع أهمية التليسكوب. وقام اللورد نيوفيلد بسداد الدين٬ نصفه من ماله الشخصي، والنصف الثاني من مؤسسة نيوفيلد٬ وابتدأ عندها علم الفلك جديًّا.

حقق التليسكوب رؤية لوفيل لفتح نافذة جديدة على الكون. وكانت له أدوار بارزة في الاستكشاف المبكر للفضاء، وكذلك اكتشاف أشباه النجوم٬ واستخدام أول عدسة جاذبية٬ بجانب اكتشاف ودراسة النجوم النابضة والنيوترونية٬ التي قدمت بدورها أكثر الفحوص دقة للنظرية النسبية العامة لأينشتاين. وبعد 55 عامًا وعمليتي تجديد٬ يتابع التليسكوب العمل في تخوم المعرفة.

تم تأسيس مرصد جوردل بانك٬ الذي أنشئ في ظل التليسكوب الشهير٬ كمركز عالمي لفيزياء الفلك والتكنولوجيا. وقد تم اختياره العام الماضي لاستضافة قمة "سكوير كيلومتر آريه" Square Kilometer Array٬ الذي سيكون أكبر تليسكوب راديو عندما ينتهي بناؤه في جنوب أفريقيا وأستراليا خلال العقود القادمة.

بدفء وسخاء٬ استمتع لوفيل باستضافة ملايين الناس الذين قدموا إلى مركز الزيارة في المرصد الذي كان لوفيل قد بدأه منذ 41 عامًا. إن ولعه بالعلم الجيد، وتعاطفه مع الموظفين والطلاب قاداه لتخصيص أوقات التليسكوب بدون جدال. كما حافظ على اهتمامه بالمرصد حتى بعد التقاعد. لكن٬ وبشهادة المسؤولين الذين خلفوه٬ لم يعمل أبدًا على إلقاء الأوامر حول ما يجب على الآخرين فعله بتليسكوبه.

حاز لوفيل على الكثير من التكريم٬ وعمل رئيسًا للجمعية الفلكية الملكية (1969ـ 1971)، والجمعية البريطانية لتطوير العلوم (1975 ـ 1976). وكانت سعادته لا توصف عندما أطلق اسمه على التليسكوب في الذكرى الثلاثين لإنشائه.

بعيدًا عن العلم٬ كان لوفيل موسيقيًّا معتبرًا٬ يعزف الأورجن بشكل منتظم في كنيسة قريته سويتنهام في تشيشاير. كما كان لاعب كريكيت جادًّا، وعلى إلمام بالبستنة٬ حيث أسس مشاتل بالقرب من التليسكوب، وفي بيته. وكان محطَّ حب واحترام زملائه.