تحقيق إخباري

ما بعد هيجز: الجسيم الجديد

يخطط الفيزيائيون لأقوى معجل جسيمات لدراسة بوزون هجيز وتفاعلاته بالتفصيل.

ماثيو تشالمرز
  • Published online:

عندما أفاق علماء فيزياء الجسيمات حول العالم في 5 يوليه الماضي، كانت مشاهد الابتهاج، والارتياح والدموع لا تزال ماثلة في أذهانهم جنبا إلى جنب مع سؤال عظيم بلا إجابة. كانت تلك ذكريات الاحتفالات في اليوم السابق، عندما أعلن باحثون أن جسيما جديدا يشبه كثيرا بوزون هيجز، الذي طال انتظاره، وجد أخيرا في بيانات مصادم الهادرون الكبير (LHC) في سيرن، المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات خارج جنيف بسويسرا. كان هذا السؤال يَعِد بتحديد مستقبل مجالهم البحثي بأسره. هل هو جسيم بوزون هجيز متناهي البساطة، كما تنبأ به النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات ذو الأربعين عاما؟ أم هو شيء أكثر تعقيدا وإثارة للاهتمام ومن شأنه تحديد الاتجاه نحو نظرية أعمق وأكمل؟.

ILLUSTRATION BY BRENDAN MONROE

كان يحدو بالفيزيائيين الأمل والتوقع بأن مصادم الهادرون الكبير سوف يعطيهم بعض الإجابات خلال السنوات القليلة المقبلة. لكنهم أمسوا يشحذون حججهم لشراء جهاز يخلف مصادم الهادرون الكبير ـــ هو «مصنع لجسيمات هيجز» من شأنه أن ينير جوانب هذ النظرية بقياسات أكثر دقة مما يستطيع تقديمه مصادم الهادرون الكبير.

يقول باري باريش، الفيزيائي بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا بكاليفورنيا: «نعرف أنه ينبغي أن تكون هناك فيزياء جديدة تتجاوز النموذج القياسي». يجادل باريش وفيزيائيون آخرون بأن هذا مؤكد نظرا لوجود ظواهر لا تندرج بسهولة في النموذج القياسي، مثل سقّالة «المادة المظلمة» غير المرئية ويعتقد بأنها تشّكل ربع كثافة كتلة الكون، أو قدرة جسيمات «النيوترينات» neutrinos على «التأرجح» من شكل إلى آخر. يرأس باريش حاليا الجمعية العالمية المنوط بها تصميم المصادم الخطي الدولي (ILC)، والذي يعد أحد أبرز المرشحين ليكون الجهاز العملاق المقبل. حتى لو لم يكن أحد عارفا بما تنطوي عليه الفيزياء الجديدة، كما يقول باريش، «استراتيجيتنا أن نكون جاهزين حتى توضع الأمور في نصابها».

سيتم التدقيق في التكاليف، والجداول الزمنية، وقدرات المصادم الخطي الدولي، وكذا الأجهزة الأخرى المرشحة في ورشة العمل الاستراتيجية الأوروبية لفيزياء الجسيمات التى عقدت في كراكوف، بولندا، في الفترة 10-12 سبتمبر، والتي ستحدد أولويات هذا المجال في أوروبا للخمس سنوات المقبلة. ويخطط علماء فيزياء الجسيمات الأمريكيون لاستقصاء مماثل في اجتماعهم في سنوماس، بولاية كولورادو، في يونيه 2013.

لكن الخطط شيء والواقع شيء آخر. فتمويل أي جهاز جديد، خاصة في ظل انكماش اقتصادي، سيكون «مهمة مثبطة»، كما يقول كريستوفر لويلين- سميث، مدير أبحاث الطاقة بجامعة أكسفورد البريطانية، ومدير مختبر (سيرن) في الوقت الذي تمت فيه الموافقة على مصادم الهادرون الكبير. وشرح قائلا: «سيعتمد الأمر على ما إذا وجد مصادم الهادرون الكبير جسيمات جديدة أخرى، وعلى وجود إجماع على المصادم الجديد لدى أهل الاختصاص، وتكلفته». ويضيف «حتى لو كانت الحجة الفيزيائية قوية كما كانت في مصادم الهادرون الكبير، وأمكن إحالة التكلفة إلى الموازنة الإجمالية لفيزياء الطاقة، سيبقى الأمر صعبا».

مصادم الهادرون الكبير يستمر

القضية الرئيسة قيد المناقشة في ورشة العمل بكراكوف، ستكون إلى أي مدى تستطيع الفرق العلمية في مصادم الهادرون الكبير قياس خصائص الجسيمات الجديدة. يمكن للفيزيائيين العاملين هناك أن يتوقعوا معطيات وبيانات أكثر كثيرا، إضافة لتحسينات كبيرة على مدى السنوات العشر القادمة.

هناك بالفعل خبر جيد للفيزيائيين: كتلة الجسيم شبيه هيجز تقريبا 125 مليار إلكترون فولت في وحدات الطاقة المفضلة لدى الفيزيائيين - تبين أنها تقع باتجاه النهاية الخفيفة للنطاق الذي قدّره الفيزيائيون النظريون. هذا له نتيجتان هامتان: يعني أن مصادما جديدا متواضعا نسبيا سيكون كافيا لإنتاج جسيمات هيجز بكميات كبيرة، وأنه يعطي الجسيمات الجديدة تنويعة غنية من أنساق الاضمحلال من شأنها أن تسهل على الفيزيائيين دراسة تفاعلاتها مع الجسيمات الأخرى في النموذج القياسي.

إحدى الأولويات، مثلا، هي التحقق من تنبؤ النموذج القياسي لكيفية تفاعل جسيم هيجز مع فرميونات النموذج القياسي: وهي موجودات مثل الميونات والإلكترونات والكواركات ذات العزم الزاوي الفعلي، أو «الدورانى»، بمقدار ½ وحدة كوانتم (الكمية). احتمال حدوث التفاعل مع كل جسيم يفترض أن يتناسب مع كتلته – لا الأقل لأنه في النموذج القياسي، التفاعل مع جسيم هجيز هو ما يوجِد الكتلة.

أولوية أخرى هي التحقق من أن الجسيمات الجديدة تمتلك حركه دورانيه فعلية بقيمة صفرية في النموذج القياسي. يمكن للفيزيائيين في مصادم الهادرون الكبير أن يقولوا أن الجسيم الجديد هو بالفعل بوزون - مما يعني أن دورانه في وحدات الكوانتم هو 0، 1، 2 أو رقم صحيح آخر - وهذا الرقم الصحيح لا يمكن أن يكون 1. هذان الاستنتاجان جاءا من ملاحظه تحلل الجسيم إلى أزواج من الفوتونات، والتي هى بوزونات برقم دوراني 1. بينما لا يملك الفيزيائيون نظريات (جنونية) لـ«بوزونات» بدوران أكبر من 2، كما يقول ألبرت دي رويك الفيزيائي بمختبر سيرن ، والمنسق العلمي للفريق المختص بكاشف ملف ميون اللولبي المدمج في مصادم الهادرون الكبير، لذلك ستكون مهمتهم الآن هي تحديد ما إذا كان هو بوزون برقم عددي دوراني 2 (Spin-2) أو عددي دوراني صفري (Spin-0) كما هو متوقع.

سوف يحل مصادم الهادرون الكبير مسألة الرقم الدوراني، كما يقول مدير عام سيرن رولف أوير، لكن الأقل وضوحا حاليا هو المدى الذي يستطيعه مصادم الهادرون الكبير لاختبار اقتران البوزون الجديد بالجسيمات الأخرى – خاصة «التفاعل الذاتي» وبواسطته يكتسب هيجز الكتلة. في الوقت الحاضر، يستطيع فيزيائيو المصادم أن يقولوا أن تفاعلات البوزون الجديد مع الجسيمات الأخرى تتفق مع توقعات النموزج القياسي، بعدم يقين تتراوح نسبته بين 30 و40%. وبحسب دي رويك، ينبغي فى المصادم أن نخفض نسب عدم اليقين (في القياس) إلى 20% بحلول نهاية هذا العام، ثم إلى «آحاد مئوية» على مدى 10 إلى 15 سنة القادمة. لكن نسبة عدم اليقين لكثير من الفيزيائيين، هي تحديدا سبب احتياجهم لجهاز من الجيل القادم. يتطلب الاختبار الصارم للنموذج القياسي، الذي من شأنه كشف الانحرافات الصغيرة وتمهيد السبيل نحو نماذج نظرية أفضل، أن يقيس الباحثون تفاعلات هيجز مع الجسيمات الأخرى بنسبه عدم يقين لا تتجاوز 1%، وربما أقل من 0.1%، إذا ما تحسنت دقة التنبؤات النظرية في السنوات القليلة القادمة. هذا المستوى من الدقه لا يرجح أن يصله مصادم الهادرون الكبير. فهذا المصادم كالمطرقة: يطرق معا حزما تحتوي مئات المليارات من البروتونات ذات طاقات تصل بنهاية المطاف إلى 7 تريليونات إلكترون فولت لكل حزمة. هذا جيد لاكتشاف جسيمات جديدة ذات كتل كبيرة، لكنه أقل ملاءمة لإجراء قياسات دقيقة، لأن طبيعة البروتونات تتكون من بحار فوضوية من الكواركات والجلونات والتي تجعل التصادمات فوضوية.

بدلا من ذلك، يدعو كل مقترح لجهاز من الجيل القادم إلى شكل من أشكال مصادم لبتون lepton (انظر الشكل «ما بعد هيجز»). اللبتونات مجموعة جسيمات خفيفة التي تضم إلكترونات وميونات ونيوترينات، وتنحي الفوضى من خلال عدم المشاركة في تفاعلات الكوارك - جلوون القوية التي تنتج الفوضى. اللبتونات جسيمات أولية تتفاعل فقط من خلال القوى الكهرومغناطيسية الضعيفة نسبيا والقوى الضعيفة (النووية). نتيجة لذلك، ستكون أجهزة مصادمات اللبتون في عملها أقرب إلى المشارط منها إلى المطارق الثقيلة؛ بحيث يمكن ضبط التصادمات خلالها إلى كتل جسيمات محددة بالإضافة إلى أن الجسيمات الجديدة المخلقة من تلك التصادمات تكون بالمقارنة نظيفة وبسيطة التفسير.

الميونات أم الإلكترونات

يقترح بعض الفيزيائيين خيارا رخيصا نسبيا، بوضع أنابيب المعجل الجديد (مصادم اللبتون) جنبا إلى جنب مع مصادم الهادرون الكبير في النفق الموجود حاليا، واستخدامها في إجراء تصادم بين حزمتين متضادتين في الاتجاه من الإلكترونات وإلكترونات المادة المضادة (أو بالأحرى البوزيترونات). هذا الاقتراح المعروف باسم LEP3 تذكارا لمصادم إلكترون-بوزيترون الكبير، (الذي شغل النفق قبل بناء مصادم الهادرون الكبير في 2000)، ظهر فقط في العام الماضي كدليل أولي على وفرة وجود الجسيم الجديد نتيجة لهذا التفاعل. يستطيع مصادم الهادرون الكبير إنتاج بوزونات هيجز عند 120 مليار إلكترون فولت لكل حزمة إلكترونية- بطاقة كلية مقدارها 240 مليار إلكترون فولت – وأحرزت فقط كجزء من الحد الأقصى الفعلي لمصادم الهادرون وهو 209 مليار إلكترون فولت. سيتم تعزيز إنتاج المصادم الجديد بالتطورات التكنولوجية الأحدث، ما من شأنه أن يسمح بمعدل الاصطدام أو «اللمعان»، يزيد بنحو 500 ضعف عما يمكن أن يحققه LEP.

ما بعد هيجز

ما بعد هيجز

كبر الصورة

سيوفر بناء مصادم لبتون LEP3 في نفق مصادم الهادرون إمكانية استنقاذ بعض كواشف الجسيمات لهذا المصادم، والاستفادة من البنية التحتية الحالية للطاقة والصيانة وجمع البيانات فى مركز سيرن (CERN). هذه التخفيضات في إنشاء مصادم لبتون LEP3 سيهبط بتكلفته إلى ما بين مليار إلى ملياري دولار أمريكي، وهذا أقل بكثير من تكلفة مصادم الهادرون الكبير البالغة 6 مليار دولار. يقول ألن بلونديل، الفيزيائي بجامعة جنيف وأحد دعاة مشروع مصادم LEP3 «لا ينبغي التخلص كليا من فكرة قديمة لبناء أخرى جديدة»، مشيرا إلى أنه ينبغي أن يكون هناك مجال لبناء مصادم لبتون الجديد دون إزالة مصادم الهادرون الكبير، فقد كان المقصود أصلا أن يحوي النفق مصادمين يعملان بالتزامن.

برغم جميع مزايا مصادم لبتون LEP3 كمصنع جسيمات هيجز مرتفع الإنتاج، لكنه لن يستطيع دراسة أي شيء أثقل من جسيمات هيجز. ويمكن أن يمثل ذلك مشكلة، إذ كما يأمل بعض فيزيائيي الجسيمات، انتهى الأمر بمصادم الهادرون الكبير إلى اكتشاف جسيمات جديدة أثقل من هيجز، تنبأ بها علماء الفيزياء النظرية بها من مفاهيم كالتناظر الفائق، أو حتى إيجاد أبعاد إضافية. وتصعيد طاقة مصاد لبتون LEP3 لدراسة جسيمات أثقل سيكون مستحيلا عمليا بسبب الطاقة المفقودة من إشعاع السنكروترون – وهو سيل الفوتونات المنبعثة من أي جسيم مشحون يتحرك على مدى مسار منحنى. لا يمثل هذا مشكلة بالنسبة لبروتونات مصادم الهادرون الكبير، لأن فقدان الطاقة من إشعاع السنكروترو يتراجع بشدة بسبب الجسيمات عالية الكتلة، حيث تفوق البروتونات الإلكترونات وزنا بحوالي 2000 مرة تقريبا. لكن الفقد في مصادم لبتون LEP3 يكون شديدا.

الطريقة الوحيدة لزيادة طاقة المعجل تكون بزيادة نصف قطره، وهو ما يتطلب نفقا جديدا. تحدث بعض علماء الفيزياء عن حفر نفق جديد يمتد تحت بحيرة جنيف، ومن ثم تثبيت المسار الدائري لمصادم الإلكترون-بوزيترون الجديد الذي يبلغ طوله 80 كيلومترا، مع أن هذا ليس اقتراحا للمستقبل المنظور، كما يقول أوير.

في الوقت نفسه، استكشف فيزيائيون حول العالم أفكارا لإقامة مصنع بديل لجسيمات هيجز هو أصغر بكثير من مصادم لبتون LEP3، وربما بمسار محيطه ينخفض إلى 1.5 كيلومترا. ولدى اصطدام حزم الميونات، جسيمات شبيهة بالإلكترونات كتلتها تفوق كتلة الإلكترونات بحوالي 207 أضعاف، يتميز مثل هذا الجهاز بنسبة فقد ضئيلة جدًا من إشعاع السنكروترون، ويمكن أن ينتج عشرات الآلاف من بوزونات هيجز من طاقة تبلغ 125 مليار إلكترون فولت فقط وهى الطاقة الإجمالية للتصادم، في مقابل مصادم لبتون LEP3 البالغة طاقته 240 مليار إلكترون فولت. ستكون أيضا تلك الأجهزة البديلة قادرة على الوصول لطاقات أعلى بكثير، لدراسة الجسيمات الأثقل.

لكن مصادم الميون يواجه عقبات كبيرة خاصة به، ليس أقلها حقيقة تحلل الميونات إلى إلكترونات ونيوترينات بمتوسط عمر قدره 2.2 ميكروثانية. وهذا يعتبر وقت طويل جدا في دنيا ما دون الذرة، حيث غالبا ما يتم قياس أعمار الجسيمات في أجزاء من التريليون من النانوثانية. ولكن من وجهة نظر المفاهيم الهندسية، هو عملية آنية. يتم إنتاج الميونات اللازمة للمعجل عن طريق قذف حزمة من البروتونات إلى هدف معدني ثم يبرد، أو يتم تصفيفه إلى حزمه منتظمة، وفي النهاية يتم تسريعه للطاقة اللازمة، يحدث كل ذلك في إطار زمني أقصر بكثير من طرفة عين. يتم تناول هذا التحدي بتجربة تبريد تأين الميون في مختبر رذرفورد أبليتون قرب أوكسفورد بالمملكة المتحدة. ويتوقع أن تختتم النتائج المستفادة من هذة التجربة بحلول عام 2016، وعند هذه النقطة قد تكون تكنولوجيا التبريد قد تقدمت بما فيه الكفاية لاستخدامها لدى سيرن لبناء مصنع النيوترينو- كنقطة انطلاق إلى مصادم الميون- من شأنها أن تطلق حزمة من نيوترينات الميون إلى كاشف يبعد مسافة كبيره تقدر بآلاف الكيلومترات، كالمسافة بين سيرن وفنلندا.

مع ذلك، يتشكك عديد من الفيزيائيين. يقول براين فوستر، فيزيائي بجامعة أكسفورد «أشك في أنني سوف أرى مصادم الميون يعمل في حياتي». ويضيف: «لقد حاولنا أن نبرد الميونات لأكثر من عشر سنوات، ولكنها عملية صعبة للغاية».

فوستر هو المدير الإقليمي الأوروبي للفكرة المنافسة لمصادم الإلكترون - بوزيترون الخطي. هذا النوع من الأجهزة سيكون معجلا إلكترونيا مستقيما ممتدا، يقذف باتجاه معجل بوزيتروني مستقيما ممتدا أيضا، بحيث تتصادم الحزمتان معا في الوسط. سيزيل عدم وجود انحناء في مسار الجسيمات الفقد في إشعاع السنكروترون. ومن الممكن دائما أن نزيد فى مجال طاقة المعجلات عن طريق جعلها أطول في النهايات الخلفية.

بدأت أفكار المصادمات الخطية ذات الطاقة العالية في الظهور في ثمانينات القرن الماضى، وتقاربت بنهاية المطاف إلى مفهومين. المصادم الخطي الدولي (ILC) الذي تم تطويره من قبل الجمعية العالمية للمختبرات والجامعات، والذي سيكون طوله نحو 30 كيلو مترا، وسوف يتم استخدم تكنولوجيا المعجلات فائقة التوصيل للوصول إلى طاقات نصف تريليون إلكترون فولت، مع إمكانية الترقي إلى تريليون إلكترون فولت. فريق المصادم الخطي الدولي (ILC) سينشر قريبا تقرير التصميم الفني وتقدر حاليا تكلفة المشروع بنحو 6.7 مليار دولار. أما المصادم الخطي المدمج (CLIC)، الذي يتبناه سيرن CERN، سيكون طوله ما يقرب من 50 كيلو مترا، لكنه سيستخدم تقنيات غير مسبوقة لتعجيل الجسيمات للوصول إلى طاقات 3 تريليون إلكترون فولت. تكاليف المصادم الخطي المدمج أقل وضوحا من تكاليف المصادم الخطي الدولي بسبب أن المتوفر حاليا هو التقرير الخاص بالتصميم المبدئي فقط، لكن نطاق طاقاته العالية سيفتح مجالات جديدة للاكتشاف وكذلك لقياسات عالية الدقة.

تم دراسة أداء كل من التصميمين على نطاق واسع ومكثف من الناحية النظرية، لكن من الناحية العملية هو «سؤال مفتوح على مصراعيه» بحسب بلونديل المتحدث الحالي باسم تجربة تبريد تأين الميون (MICE). مشيرًا إلى أداء مصادم ستانفورد الخطى (SLC) في مينلو بارك، بكاليفورنيا، الذي حقق طاقات تقارب 100 مليار إلكترون فولت. «وأخيرا عمل مصادم ستانفورد بشكل جيد للغاية، لكنه لم ينتج أبدا اللمعان الذي يريدون. كان جهازا صعبا للغاية، والآن مع المصادم الخطي ILC أو المصادم المدمج (CLIC) فإننا نناقش ما هو أكثر صعوبة بكثير».

ومع ذلك، وبالنسبة للكثير، إن لم يكن معظم فيزيائيي الجسيمات، فإن بعض إشكال المصادم الخطي تبدو أفضل رهان. في يونيه، جعلت «اللجنة الدولية لمعجلات المستقبل»، ومقرها في فيرميلاب في باتافيا بولاية إلينوي المصادمين الخطي والمدمج معا تحت مشروع مصادم خطي واحد، برئاسة المدير السابق لمصادم هادرون الكبير، لين إيفانز. كان هدفه تقديم اقتراح لمصادم خطي واحد بحلول نهاية 2015.

يعتقد إيفانز أن خطة معقولة تقوم على بناء مصادم خطي تبدأ طاقته بنحو 250 مليار إلكترون فولت لاستكشاف هيجز، ومن ثم يتم زيادة طاقته على مراحل حتى تصل إلى 500 مليار إلكترون فولت. عند هذه الطاقة يمكن أن تنتج أزواج من بوزونات هيجز، مما يتيح للباحثين التعرف على كيفية ازدواج جسيمات هيجز، وكذا تفاعله مع أثقل الجسيمات المادية، الكوارك الأقصى. الذهاب إلى أعلى الطاقات ممكن من الناحية التقنية، كما يقول إيفانز، ولكنه يتطلب كهرباء أكثر- بقدر إنتاج محطة توليد كهرباء متوسطة. يستطرد إيفانز قائلا: «عمليا أعتقد أن الحد الأعلى للقدرة (في الموقع الجديد الافتراضي) هو الحد الأقصى الذي يمكن توفيره لموقع سيرن، والذي هو 300 ميجاوات».

بوضع التكنولوجيا جانبا، فإن سؤال المليارات (من الدولارات) الآن هو: من الدولة التي ستستضيف مصادم لبتون المزمع إنشاؤه؟ وبحكم التجربة فإن البلد المضيف عادة ما تتحمل نصف تكلفة الإنشاء كعائد اقتصادي طويل الأجل، كما يقول فوستر. لكننا في فترة اقتصادية غير جيدة لاتخاذ قرارات بشأن هذا الموضوع، وخاصة لمشروع ليس له من وجهة نظر الساسة فائدة قصيرة الأجل للناخبين.

التوجه نحو العالمية

إذا تمت الموافقة على مصادم خطي فى السنوات القليلة القادمة، كما يقول إيفانز، فمن المحتمل أن لا يكون في سيرن. بالرغم من امتلاك ذلك المختبر الأوروبي ثروة في البنية التحتية التقنية والسياسية، فهم مشغولين بشدة في سيرن بمصادم الهادرون الكبير، لدرجة أنهم لم يحددوا حتى الآن متى يصلون إلي الطاقة التي صمم على أساسها المصادم، وهي 7 تريليون إلكترون فولت لكل حزمة، والمقرر لها حتى عام 2014، ومن المقرر أيضا أن يخضع المصادم لعملية «ارتقاء اللمعان»، وذلك لزيادة نطاق اكتشاف الجسيمات الناتجة من التصادمات بزيادة معدل التصادمات بحلول عام 2022. «أراهن على أن الأولوية القصوى لورشة العمل الإستراتيجية الأوروبية ستستمر في استغلال وتطوير مصادم الهادرون الكبير»، بحسب جون وَمَرسلي، الرئيس التنفيذي للمجلس البريطاني لمنشآت العلوم والتكنولوجيا، والمتحكم بالإنفاق على فيزياء الجسيمات ببريطانيا.

الولايات المتحدة هي أيضا غير مرجحة لاستضافة المصادم الجديد، بحسب بيير أودون مدير فيرميلاب ورئيس «اللجنة الدولية لمعجلات المستقبل». ويستطرد قائلا: «شيء ما جذري لا بد أن يتغير». بعد غلق مصادم التيفاترون ذي التريليوني إلكترون فولت في فيرميلاب، انتقلت ريادة أبحاث الطاقات العالية من الولايات المتحدة إلى أوروبا. وبالتالي فإن الإستراتيجية الأمريكية الحالية هو التركيز على «أبحاث الطاقات العالية ذات الطبيعة الكثيفة»، دراسة التفاعلات النادرة للجسيم والناتجة– مثلا- من حزم كثيفة من النيوترينات. حتى الآن، كما يقول أودون، «كان لدينا استقطاع كبير من الموازنة في بداية هذا العام، بالإضافة إلى ما نعانيه من مشاكل في تركيب تجهيزات تجربة لقياسات النيوترينو، والتي تتكلف عشر تكلفة المصادم الخطي». يضيف أودون أيضا أنه سيكون صعبا للغاية في هذا الوقت بالنسبة للولايات المتحدة أن تسهم بشكل كبير في بناء مصادم لبتون في أي مكان.

يعتقد العديد من المراقبين أن المرشح الأقوى لاستضافة المشروع القادم حتى الآن هو اليابان. بالرغم من كل الظروف السابقة، يلاحظ إيفانز أن اليابان قد ساهمت بشكل عظيم في مصادم الهادرون الكبير بمنتصف التسعينيات، عندما كان المشروع يعاني ضغوطا مالية. وبحسب إفانز، «ربما حان الوقت لأوروبا أن ترد الجميل». وقد أبدى رئيس الوزراء الياباني إشارات إيجابية بخصوص المصادم الخطي الدولي (ILC) في ديسمبر 2011، مباشرة بعد الإعلان عن المشاهد الأولية لجسيم بوزون الجديد. هناك رائحة دعم إضافي، لأن المعجل الجديد كان قيد المناقشة كجزء من خطة اقتصادية أوسع نطاقا لتعزيز المناطق التي دمرها زلزال مارس 2011، والفكرة هنا هي جعله مركز «مدينة عالمية» تضم مختبرات البحوث الأخرى، ومناطق صناعية ومراكز تعليم. هذا العام يقوم علماء فيزياء الجسيمات اليابانيون بتحديث خريطة الطريق للخمس سنوات القادمة، ولا يزال المصادم الخطي العالمي على رأس قائمة رغباتهم كمشروع جديد. ويوضح تحديدا أتسوتو سوزوكي، المدير العام لمختبر KEK في تسوكوبا باليابان أن هناك رغبة مجتمعية بأنه «يتعين على اليابان أن تأخذ على عاتقها قيادة تنفيذ مصادم الإلكترون- بوزيترون الخطي مبكرًا للتأكد من وجود جسيم مثل بوزون هيجز في مصادم الهادرون الكبير».

لذلك هل يبدو أن المصادم الخطي العالمي أخيرا مراهنة آمنة؟ «يا إلهي، لا!» كما يقول فوستر، «لكن هذه هي أفضل فرصة لدينا منذ وقت طويل». بينما وَمَرسلي يعطي احتمالات بناء المصادم الخطي العالمي نسبة 50% في أحسن الأحوال. ويقول: «لا ينبغي افتراض توافر المال لمجرد اكتشاف جسيم هيجز»، مشيرا إلى أن هناك أيضا موضوعات قوية تتعلق بجسيم نيوترينو مثلا، تحتاج للجيل الثاني من التجارب. سيستغرق الأمر حوالي عشر سنوات بداية من ارتياد الآفاق إلى تشغيل المصادم الخطي العالمي، كما يقدر أودون، هذا بالإضافة إلى الوقت المستهلك في تحضير المصادم للتجربة. «إنك تتحدث عن 2025 على أقرب تقدير، لكن هل نبدأ مثل هذا المشروع الكبير قبل أن نعرف ماذا يمكن أن يجد مصادم الهادرون الكبير من جسيمات أخرى؟ فقد يكون هناك أشياء أكثر غرابة بكثير من جسيمات هيجز».

بالنسبة لكثيرين من علماء فيزياء الجسيمات، سيناريو أحلامهم أن يكون مصادم الهادرون الكبير لاستكشاف حدود فيزياء الطاقات العالية في أوروبا؛ وأن تكون تجارب النيوترينات المتعددة لاستكشاف التفاعلات المرتبطة بالكثافة العددية للجسيمات في الولايات المتحدة؛ وأن يميط مصادم اللبتون الجديد باليابان اللثام عن تفاصيل جميع الجسيمات الغريبة التي لم تظهر حتى الآن في تصادمات مصادم الهادرون الكبير. «أتمنى أن نرى أنفسنا نسير في هذا الاتجاه، وذلك إذا وضعت تلك البلدان ثقلها وراء هذه البرامج في كل منطقة»، هكذا يقول تيري وَيَات، الفيزيائي بجامعة مانشستر البريطانية، ويعمل على كاشف أطلس ATLAS في مصادم الهادرون الكبير.

كما هو الحال دائما في عالم العلوم الشاسع، الأمر الذي يجعل هذه الأحلام تخرج للحقيقية هو أن نروج لمطالبنا خارج نطاق الفيزيائيين. يقول أودون: «ربما هذه الأمور يمكن حلها خارج نطاق فيزياء الجسيمات»، ويضيف: «قد تكون مكالمة هاتفية بين رئيس ورئيس وزراء تقرر ذلك».