أخبار

اجتيـاح حمــى الخنــازير للأراضي الروسيّة

فيروس قاتل قد ينتشر في البلاد المجاورة.

إوين كالاوي
  • Published online:

أحرقت السلطات الروسيّة عشرات الآلاف من الخنازير، وأغلقت الطرق في الأسابيع القليلة الماضية إثر انتشار مرض حمى الخنازير الإفريقيّة الذي يسببه فيروس قاتل يصيب الحيوانات، وقد شبه البعض هذا المرض بفيروس إيبولا. ترتّب على انتشار المرض تكلفة اقتصاديّة ثقيلة. ففي العام الماضي تسبب مرض حمى الخنازير بخسارة الاتحاد الروسيّ نحو 300 ألف خنزير من أصل 19 مليون خنزير الموجودة في البلاد بسبب هذه الحمى، وتقدّر الخسائر بحوالي 7.6 مليار روبل (ما يعادل 240 مليون دولار أمريكي).

الدفاع الرئيس المتاح ضد حمى الخنازير هو الإعدامات الجماعية والنظافة اليقظة

الدفاع الرئيس المتاح ضد حمى الخنازير هو الإعدامات الجماعية والنظافة اليقظة

K. CHALABOV/RIA NOVOSTI

كذلك تم اكتشاف مرض حمى الخنازير الإفريقيّة في أوكرانيا للمرة الأولى في شهر يوليه الماضي، وباتت دول الاتحاد الأوروبيّ، والدول الآسيويّة تتأهب لمواجهة اندلاع المرض الذي قد يكبّد صناعة منتجات الخنزير خسائر جسيمة، قد تبلغ مليارات الدولارات. ونظراً لعدم توفّر لقاح أو علاج لهذه الحمى، فإنّ الدفاع الرئيس المتاح ضد المرض هو الإعدامات الجماعية والنظافة اليقظة.

تعود بداية اكتشاف العلماء لمرض حمى الخنازير الإفريقية إلى عشرينات القرن الماضي في الخنازير المحلية بكينيا، حيث قتلت هذه الحمى بنزيفها الدموي الخبيث كل حيوان إصيب بها تقريبا. تنتقل عدوى فيروس حمى الخنازير من خلال الخنازير الوحشيّة والقراد، دون أن يتسبّب بإصابتها بالمرض، لكنه استوطن معظم أفريقيا جنوب الصحراء وبائيا، ممّا يحد من تربيّة الخنازير هناك. يشار إلى أنّ هذه العدوى لا تصيب الإنسان.

في 1957، انتقل الفيروس إلى البرتغال بعد إصابة عدد من الخنازير بالمرض قرب مطار لشبونة إثر تغذيتها على بقايا طعام بشريّ ملوّث بالفيروس (يُذكر أنّ دقائق هذا الفيروس لديها القدرة على البقاء حتى أثناء عملية تقديد اللحوم). ثم انتقلت عدوى المرض إلى أسبانيا وأثّرت سلباً على استيراد منتجات لحم الخنزير المقدّد منها- بما فيها يامون إيبيريكو الشهي- فقد حظرت معظم الدول استيراد لحوم الخنازير، حتى قُضِي على المرض في أسبانيا والبرتغال، بمنتصف تسعينات القرن الماضي.

تتفاقم الإصابات حاليا في روسيا وأوكرانيا وبلاد أخرى بالقوقاز، ويبدو أنّ مصدر هذه الإصابات يعود إلى جائحة عدوى وقعت في 2007 بجمهوريّة جورجيا السوفيتيّة سابقًا، حين حط المرض بها لدى استيراده من أفريقيا. وتقول ليندا ديكسن خبيرة حمى الخنازير الإفريقية بمعهد صحّة الحيوان في پـربرايت بالمملكة المتحدة: «لقد تأخّر تشخيص المرض لعدّة أشهٍر، لأنه لم يكن ضمن توقّعات الخبراء». و قُبَيل انتشاره في روسيا اجتاحت الحمى عدداً من دول الجوار كأذربيجان وأرمينيا والشيشان بشكٍل سريٍع جدًا قبل انتشاره عبر روسيا.

الانتشار الأخير للفيروس يعني أن اندلاعه في أكرانيا، (هو حاليا تحت السيطرة بعد قيام السلطات بإعدام 209 آلاف خنزير وفرض تدابير حجر صحي)، لم يكن مفاجئا، بحسب خوان لوبروث، المسؤول البيطري الأول بمنظمة الغذاء والزراعة- الفاو (FAO)، التابعة للأمم المتحدة ومقرها بروما، والمسؤول بالمنظمة عن الاستجابة لاندلاع المرض.

وقد تكون بعض دول الجوار كجمهوريّات البلطيق وروسيا البيضاء ومولدوفا، في انتظار وصول الجائحة إليها. كما تمّ اكتشاف عدد من الخنازير المصابة شرقاً على تخوم كازاخستان التي تشاطر الصين شريطا حدوديا طويلا وتأوي الصين أكثر من مليار خنزير. ولا زالت الصين معرضة لمخاطر الوباء من اتجاه آخر، ألا وهو التجارة المتناميّة بينها وبين دول إفريقية عديدة.

لحماية مزارع الخنازير الضخمة بالاتحاد الأوروبي، تطبق دول الاتحاد إجراءات العزل والأمان الحيوي وممارسات النظافة للحيلولة دون انتشار المرض. وعلى أي حال، تقوم هيئات كوزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفيّة بلندن بمراقبة الأوضاع عن كثب. يقول لوبروث: «كيف ستنجح إجراءات الوقاية هذه، نحن فعلا لا ندري» وتابع: «أنك تطلب مني التنبؤ بالنتائج من خلال كرة الكريستال».

إنّ تعدد طرق انتقال عدوى حمى الخنازير الأفريقية تزيد من عدم اليقين. فعلى سيبل المثال، عند نقل الحيوانات المصابة بعربات النقل تُخلّف وراءها جزئيات الفيروس قد تتعرّض لها حمولة أخرى من الحيوانات السليمة، قد تصاب بالعدوى. ينبغي العناية بتدابير الأمن الحيويّة، كتنظيف عربات النقل وتعقيم المزارعين قبل دخول الحظائر وبعد خروجهم منها، فذلك يحد من انتشار العدوى. ويبقى خطر انتقال العدوى بواسطة الخنازير البريّة المصابة المنتشرة في روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، والسيطرة عليها هي الأكثر صعوبة. يقول لوبروث: «لا تحتاج تلك الخنازير البريّة إلى تأشيرات سفر لتقوم بعبور الحدود بين الدول».

ويمكن لأعلاف الخنازير أيضا أن تحمل الفيروس، إذا احتوت على منتجات خنازير ملوّثة بالفيروس. المعروف أنّ العلف الشائع بين مزارعي المزارع الصغيرة هو بقايا الطعام البشري. وتقول ديكسُن إنّ الحد من هذه الممارسات- المحظورة بدول الاتحاد الأوروبيّ- أو حتى تعقيم الأعلاف المُقدمّة للخنازير حراريا سيحُد من انتشار المرض. وأضافت: «أذكر عندما قمت بزيارة لمزرعٍة صغيرٍة في نيروبي، وكان المزارع يقوم بإجراءات التعقيم الصحيحة. فكان لديه وعاء للطهو يقوم بتعقيم العلف المقدّم لحيواناته فيه بالتسخين وكان يضع صينية لمواد التعقيم خارج حظيرة الخنازير».

وتُحذر منظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو) من استمرار انتشار المرض سيترتب عليها تكاليف باهظة. ورغم أن روسيّا لا تصدر منتجات الخنازير إلى خارج البلاد، لكنّ القيود المفروضة على هذه التجارة تبدو باهظة بالنسبة لدول مصدرة يستوطن فيها المرض.

كبر الصورة

SOURCE: C. NETHERTON/OIE

يذكر دينيس كولباسوف، مدير المعهد الوطني لأبحاث علم الفيروسات والميكروبات البيطرية في بوكروف بروسيا، أنّ قابليّة المسؤولين ضعيفة نحو القيام بالإجراءات المضادّة كالإعدام الجماعي للخنازير، وتدابير الحجر الصحيّ، لتعطيلها عائدات روسيا من صناعة منتجات لحوم الخنازير. في الوقت الراهن، يُحجِم معظم المزارعين عن إبلاغ السلطات بالحالات المشتبه بإصابتها خوفاً من خسارة مواشيهم التي يعيشون منها.

ويقول لوبروث: «إذا كنت مزارعا صغيرا، وفقدت خنازيرك الخمسة جميعها، فهذا مدمر للأسرة». ويضيف: «هذا الوضع نراه في عدة أجزاء من أوروبا وإفريقيا». لقد تسبب مرض حمى الخنازير الإفريقية بخسائر باهظة في منطقة أوسيتيا الجنوبية في 2008؛ أي فترة نزاعها مع جورجيا، حيث لم يتمكن معظم المزارعين من إنتاج المحاصيل، واعتمدوا بشكل أساسي على تربية المواشي للحصول كمصدر للغذاء والدخل.

في الوقت الذي يركّز فيه المسؤولون على احتواء انتشار المرض، يعتقد العلماء والباحثون بإمكانية تطوير لقاح لاجتثاث المرض. ونظرا لأنّ بضعة الخنازير المحظوظة التي تظل على قيد الحياة رغم إصابتها بالمرض، اكتسبت مناعة ضد الإصابة بالمرض، يعمل مختبر ديكسن وباحثون آخرون على تحديد جين الفيروس (الذي يطلق جهاز المناعة) من بين 175 جينا تخص الفيروس. مبدئيا، يمكن للباحثين إنتاج اللقاح بهندسة هذه الجينات المستفزة لجهاز المناعة ووضعها في جينوم فيروس آخر غير مؤذي. أمّا الخيار البديل، أي التعرّف على الجينات المسببّة للمرض وتعطيل عملها، فقد يؤدي لإنتاج مصل لتخفيف الإصابة.

يأمل لوبروث أنه على المدى البعيد، تتيح هذه الخيارات أفضل فرصة لإجهاض تقدم الفيروس. ويقول: «أتمنى لو أن لدينا لقاحا».