تعليقات

عندما يَضِل التعاون الدولي السبيل

ديفيد ساوثوود يستخلص دروسًا من عام مشحون بالأزمات للتعاون الأوروبي في الفضاء.

ديفيد ساوثوود
  • Published online:

جاء اكتشاف المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية ذات الدول العشرين الأعضاء (CERN) لجسيم هيجز (البوزون) مؤخرًا ليبرهن على أهمية التعاون الدولي لتحقيق النجاح في العلوم، وأنَّ بسواه لا يكون ممكنًا.

إن العمل عبر الحدود مليء بالتحديات.. فكما توضح أزمة اليورو الحالية، جاءت وطأة المشكلات السياسية والمالية أشد على بعض الشركاء الأوروبيين منها على البعض الآخر. ففي السنة الأخيرة (2011) من عملي مديرًا للعلوم والاستكشاف بالروبوت في وكالة الفضاء الأوروبية، كان عليَّ أن أواجه انسحاب أمريكا من تمويل بعثتين مشتركين كبريين؛ الأولى تيليسكوب جيمس ويب الفضائي، والثانية البعثة المقررة إلى كوكب المشتري. وواجه خلَفي ألفارو جيمنيس ما هو بالفعل أسوأ، إذ انسحبت الولايات المتحدة من بعثة إكسومارس ضمن برنامج استكشاف المريخ.

تهدف بعثة إكسومارس الأوروبية إلى إنزال مسبار على المريخ في عام 2018؛ للبحث عن آثار حياة.

تهدف بعثة إكسومارس الأوروبية إلى إنزال مسبار على المريخ في عام 2018؛ للبحث عن آثار حياة.

ESA/MEDIALAB

فقدت الحالات الثلاث زخمها بشكل مختلف. وكل مشروع يحمل دروسًا لإدارة الشراكات مستقبلًا، مثل فهم دوافع الشركاء للانضمام، والإشراف على المشروعات، مع مراعاة احتمال انسحاب أي من اللاعبين، والحدّ من تمدد البعثة. وبرغم أن الولايات المتحدة كانت هي التي انسحبت كشريك رئيس في الحالات التي ذكرت، إلا أن الدروس المستخلصة عامةٌ، وستكتسب أهميتها ازديادًا مع بزوغ تحالفات دولية كبرى، تشمل لاعبين جديدين، مثل الصين، والهند، وروسيا.

وطبيعة الحكومات ذات السيادة تعني أنه نادرًا ما يكون اتفاق دولي ملزمًا قانونا للتعاون بشكل كامل، إنما الشعور بالتضامن بين الشركاء عادة ما يحفزهم على أن يظلوا ملتزمين، كما هو الحال بالنسبة لتيليسكوب جيمس ويب مثلاً. بدأ التعاون بين أوروبا والولايات المتحدة على هذا التيليسكوب - ذي الأشعة تحت الحمراء – ليخلف تلسكوب الفضاء هابل في 2002. ووافقت أوروبا على تزويد (المشروع) بجهاز الطيف الأوسط للأشعة تحت الحمراء، ومرسمة الطيف الأدنى للأشعة تحت الحمراء، وصاروخ آريان كمنصة للإطلاق. أما الولايات المتحدة، فكان عليها إمداد (المشروع) بالمركبة الفضائية وتشغيلها وجهاز آخر، فضلاً عن التيليسكوب المعقد القابل للإطلاق. والآن؛ المعدات الأوروبية جاهزة، لكن الجانب الأمريكي شهد ارتفاعًا للتكلفة عن الموازنة المرصودة وتأخرًا. ومن المتوقع الآن إطلاقه في عام 2018، أي بعد ست سنوات مما كان مقررًا.

في يوليو 2011، بعد مزيد من التصعيد في المطالبات بالموازنة لتيليسكوب جيمس ويب، أوصت لجنة مجلس النواب الأمريكي بإلغاء المرصد. أسقط في يد الأوروبيين، إذ وجدوا أنفسهم في وضع غير مريح بعد إنفاق مئة مليون يورو (123 مليون دولار) مع احتمال عدم الانطلاق، ولم يكن لهم من تأثير مباشر سوى الضغط المعنوي. وفي النهاية، أفضت المداولات بين البيت الأبيض والكونجرس و«ناسا»، مع شيء من العون بممارسة بعض الضغوط الدبلوماسية والسياسية من أوروبا، إلى إرجاء المشروع.

القفز من السفينة

في فبراير 2011، انسحبت الولايات المتحدة من بعثة مشتركة لكوكب المشتري، تاركةً أوروبا لتذهب وحدها. كانت هذه البعثة هي الأوفر حظًّا بين مجموعة من مشروعات مماثلة قيد المداولة من قبل مجموعات العلوم الاستشارية لوكالة الفضاء الأوروبية. ولحسن الحظ، لم تنفق أوروبا عليها إلا حوالي خمسة ملايين يورو فقط. ولأن أكثر البعثات تدخل مرحلة الدراسة ولا تطير بالفعل، لم يكن ذلك الأمر بالكارثة، ولكن عدم التثبت من مشاركة الولايات المتحدة انتهى بإلقاء تخطيط الأوروبيين لمدى طويل في حالة من الفوضى. ولم تكن هناك اقتراحات بديلة، سوى قيام أوروبا بالمهمة وحدها.

ESA

عاد الأوروبيون مرة أخرى عن طريق إعادة عقارب الساعة للدخول إلى حلبة المنافسة؛ بإعادة التفكير وبإعادة تنظيم البعثات من جديد لتحرز أهدافًا أقل. وأعطيت وكالة الفضاء الأوروبية الضوء الأخضر للقيام ببعثة كوكب المشتري في مايو 2012. وبتكلفة قدرها  830 مليون يورو، تهدف بعثة «مستكشف أقمار المشترى الثلجية» (JUICE) المقررة أن تطير لما بعد القمرين أوروبا، وكاليستو؛ لتصل إلى القمر جانيميد في 2030، وتدور حوله لتدرس أسفل سطح محيطه. وفيما يتوق العلماء الأمريكيون للعودة إلى المشروع، لم تجد وكالة «ناسا» سوى 250 مليون يورو لتؤمن بها تمويل شيء من المشاركة. 

أما بعثة إكسومارس، التي تكلف أوروبا وحدها مليار يورو، فهي قصة مختلفة. ففي فبراير الماضي انسحبت أمريكا، تاركة لأوروبا فجوة تمويلية تبلغ 250 مليون يورو، وكانت أوروبا قد أنفقت بالفعل أكثر من مئة مليون يورو. ونظرًا إلى العقود الصناعية الملزمة، فإن إلغاء البعثة كان سيكلفها نحو 400 مليون يورو. 

كانت البعثة الرائدة هي إرسال مسبار إلى المريخ بحلول 2018 ليدور حوله ويحط على سطحه، وبدأت بطموح أوروبي خالص في 2005 - لتطوير خبرات إقليمية في مجال تقنيات الاستكشاف، وتطبيق أساليب البحث عن الحياة على الكوكب الأحمر. في هذه الحالة، أضر الانسحاب الأمريكي بموقف أوروبا بشكل واضح، وإنْ لم يكن كل الخطأ واقعًا على عاتق الولايات المتحدة التي تدخلت للمساعدة فقط في عام 2009 (انظر الخط الزمني لبعثة إكسومارس).

تمدد نطاق البعثة

إن تعبئة الموارد اللازمة لبرنامج ضخم يجعل منه مهمة شاقة طويلة مصحوبة بمطبات عديدة. وتبدأ المشروعات من خلال بناء توافق في الآراء. وعندما يكون الحل الوسط هو الحالة السائدة في أيامنا هذه، يطل الخطر الأول؛ إذ تضاف ميزات للفوز بمزيد من دعم الدول المشاركة. كان مشروع بعثة إكسومارس هشة من البداية. فالمشاركة الاختيارية للدول الأعضاء بالوكالة الأوروبية للفضاء، مع عدم وجود صيغة لتحديد حصة كل عضو، جعل كل دولة تريد دورًا يضمن لها مكانة قبل أن تلتزم بالمشاركة.

هكذا خرج برنامج إكسومارس للوجود ونما. وأدى توسيع نطاق البعثة وهدفها لتحسينها من منظور علمي وتقني، بيد أنها صارت صعبة المنال (لثقلها)، ولا طاقة لنا بها. زاد التعقيد المضاف من خطر عدم نجاح بعض المكونات، أو أنها قد لا تكون متاحة في الوقت المحدد أو خارج نطاق الموازنة. وضجت أصوات المتفائلين عندما أراد المديرون العقلاء إسقاط بعض الوحدات لضمان إنجاز أكثر. وبدلًا من ذلك، سعت وكالة الفضاء الأوروبية  إلى ضم شركاء جدد.

تم الاتصال بالولايات المتحدة وروسيا، لكنها لم تنضما للمشروع، وذلك جزئيا بسبب حاجة أوروبا إلى الالتزام بالوعود التي قطعت بالفعل داخل الاتحاد الأوروبي الأصلي، وبسبب عدم وجود هدف مشترك لشريك محتمل يدفعه للمشاركة.

في عام 2008، ورثتُ قيادة البرنامج من دائرة أخرى. وعدت للحديث مع وكالة ناسا. كان الهدف بعيد المدى لاستكشاف المريخ بالروبوت، وأبرزه بعد سنوات قليلة في 2011 المسح العشري لأكاديمية العلوم الوطنية الأمريكية (NSF)، هو عودة البعثة بعينات. كان هذا مكلفا للغاية، ولم يكن بوسع أمريكا تحقيقه وحدها. اتفقت أنا ونظيري من ناسا، إد وايلر، على حتمية التعاون في مرحلة ما من العقد القادم. وما إنْ تم قبول هذا، كان من المنطقي البدء في العمل معًا في أقرب وقت ممكن.

تم تعديل تصميم بعثة إكسومارس ليتناسب مع الأهداف الأوروبية الأمريكية المشتركة وليتيح عودتها بعينة. بدا الأمر كاتفاق لتبادل المنفعة، إذ إن برنامج بعثة إكسومارس كان قادرًا على الاستمرار، ولاح احتمال عودة عينة من المريخ أقرب لعلماء أمريكا وأوروبا. وقد شعرتُ ـ كممثل للجانب الأوروبي ـ بالثقة أن إكسومارس انتقلت إلى مرحلة التطوير في أوائل عام 2011. ولم يتوقع أحد أن تنهار الأولوية الأمريكية المعطاة لبرنامج استكشاف مشترك للمريخ حالما تحل دورة الموازنة السنوية الجديدة.

ورغم أن خذلاناً كهذا نادر الحدوث لحسن الطالع، إلا أن شيئا مماثلا حدث منذ نحو 30 عاما في الأشهر الأولى لإدارة الرئيس رونالد ريجان. إذ واجهت «ناسا» أزمة تمويل، واضطرت لكي تختار بين تيليسكوب هابل الفضائي، ومسبار جاليلو الدوار حول كوكب المشترى، وبعثة دولية لاستكشاف قطبية الشمس. وانسحبت «ناسا» من الأخيرة. على مضض، أخذت أوروبا زمام المبادرة في البعثة الشمسية المخفضة، واتخذت تسمية جديدة: «عوليس» Ulysses. أحرزت المركبة الفضائية نجاحًا هائلاً، ودارت في ثلاثة مدارات قطبية حول الشمس، وظلت تعمل لمدة 18 عامًا، قبل إنهاء مهمتها في 2009.

كانت بعثة «عوليس» علامة فارقة؛ حيث كانت أول بعثة تقودها أوروبا، وتأتي الولايات المتحدة خلفها كتابع. ومن وقتها، تم إطلاق عديد من البعثات، بما في ذلك كوكبةُ الأقمار الاصطناعية التي رسمت خريطة أنظمة التيار الكهربي للغلاف المغناطيسي حول الأرض، ومرصد هيرشيل ذو الأشعة تحت الحمراء. وعلى منوالها كنموذج مخفض، أرسلت الوكالة الأوروبية للفضاء بعثة إلى أحد أقمار المشترى، واضطلعت بالذهاب إليه وحدها.

بدا الحل لمشكلة بعثة إكسومارس بمثابة علامة فارقة أخرى، إذ ظهر لأوروبا شركاء بدلاء. ويَمَّمَتْ أوروبا وجهها شطر روسيا؛ لسد العجز الذي خلفته أمريكا. إنها ليست المرة الأولى التي تتعاون فيها هذه الدول في الفضاء، لكن هذا هو المشروع الأكثر طموحًا الذي تم اقتراحه حتى الآن. ويجب على علماء الفضاء الأوروبيين أن يتمنوا الخير للمشروع المشترك، لأن المستقبل يحمل في طياته – على الأرجح – نسقًا متنوعًا من الشركاء الدوليين. وفي السنوات الأخيرة، باشرت أوروبا مشروعات مشتركة في علوم الفضاء مع الصين والهند، وشرعت في تعاون ضخم مع اليابان على بعثة «بيبي كولومبو» BepiColombo التي تضم مسبارين دوارين حول كوكب عطارد.

دروس قيمة

يمكن استخلاص خمسة دروس من هذا العام المشحون بالأزمات الذي عانى فيه مسؤولو برامج الفضاء بالدول الأعضاء (انظر خطوات للنجاح).

أولاً: من المهم أن نفهم دافع كل شريك للانضمام إلى بعثة.. فلا يمكن الاعتماد على التعاون عندما تكون أجندات الشركاء غير متوافقة. وإذا كان المقصود أساسًا من برنامج عرض قدرة مجموعة واحدة، كما هو الحال مع الخطط الأصلية لإكسومارس، فإنه يجب على هذه المجموعة أن تكون مستعدة للذهاب وحدها. الأهداف المشتركة - مثل أن تكون العودة بعينة أولوية جمعية - يمكنها تشجيع الآخرين للوثب على متن منصة العمل للبعثة.

تعتزم وكالة الفضاء الأوروبية إيصال مستكشف أقمار المشترى الثلجية إلى القمر جانيميد في 2030.

تعتزم وكالة الفضاء الأوروبية إيصال مستكشف أقمار المشترى الثلجية إلى القمر جانيميد في 2030.

ESA/AOES

الثاني: أن التعاون يعني التوافق، وسيادة الحلول الوسط، وهذا يؤدي إلى النماء والتطور. ونادرًا ما تضمحل البعثات متعددة الشركاء. كذلك، ما من طرف مهتم سيخفض أو يحد من مدى أولوية مشروعه عندما يبدأ البرنامج. لنكن على استعداد لإلغاء وحدات في المراحل التحضيرية إذا كانت المطالب في ازدياد بينما الموارد تتشتت.

وقد يؤدي التأخير والتفكير إلى ولادة جديدة لبعثة أكثر فعالية. لقد كان مقررًا أن تنطلق البعثة الأوروبية جايا (GAIA) العام المقبل، لكي ترسم خريطة النجوم بالمجرة وتتتبعها، واستهدفت للإلغاء بسبب الأزمة المالية في 2001 بعد وقت قصير من تعييني في وكالة الفضاء الأوروبية. وجرت تخفيضات واسعة لها، لكن البرنامج صمد ونجا من الإلغاء. وأنا على ثقة من نجاحه.

الثالث: يحتاج المرء لضمان تقليل المخاطر الإدارية داخل البرامج لأدنى حد بجعل الشركاء يقدمون إسهاماتهم على شكل وحدات عاملة مستقلة قدر الإمكان. وإذا فشل جزء واحد، فلا يلزم أن يعوق الكل. حينئذ تتوالى تحسينات الكفاءة، ويحتفظ البرنامج بإمكان تغيير الشركاء. بطبيعة الحال، فإن الفجوات في الوفاء بالجدول الزمني للبرنامج ستترك الباب مفتوحا لوضع يدخل فيه شريك مكان آخر، كما في مشروع تيليسكوب جيمس ويب، لكن نهج الوحدات المستقلة يجنب البرنامج ورطات عديدة.

الرابع: أن ندرك أنه حتى أكثر الاتفاقات التي وضعت ببراعة بين الدول يمكن أن تتهاوى. فقد بدا أنه لا يعقل أن «ناسا» يمكنها الانسحاب من بعثة للمريخ تعود بعينة، واعتبرها مسح عشري أمريكي كأولوية قصوى، لكنه قد حدث. ويجب على المديرين دائمًا أن يأخذوا في اعتبارهم إمكانية انهيار تعاون كخطر وارد. وإذا حدث مثل هذا الانهيار أو التصدع، فإن من يحمل العمل على عاتقيه في النهاية هم أولئك الذين يتحلون بالدبلوماسية، ويمارسون الإقناع السياسي لإدارات الفضاء الوطنية، جنبا إلى جنب مع الضغط المعنوي من المجتمع العلمي.

الخامس: في الأوقات الصعبة، يحتاج علماء الفضاء إلى معرفة فضائل التعاون، وأن يكونوا على استعداد لنشر تلك الحجج من خلال قناة ما. وفي رأيي أن التعاون يتجاوز المسائل الاقتصادية ببساطة، لأنه يتجاوز الاختلافات الثقافية، ويبني الثقة المتبادلة، ويتيح الإمكانات العلمية، بحيث تكون مفتوحة في جميع أنحاء العالم، ويشيع الاستلهام عالميًّا، وبالتالي تستفيد البشرية جمعاء. والضرر الناجم عن كسر التفاهمات، مهما كان قانونيًّا من الناحية التقنية، يمكن تجنبه من خلال هذه الأسباب.


  • فهم دوافع كل شريك.
  • الاستعداد للتخلي عن جوانب من المشروع، مقابل إكماله.
  • جعل الإسهامات في شكل وحدات عاملة مستقلة، لتقليل الخطر، إذا فشلت إحداها.
  • الاستعداد لاحتمال انهيار الاتفاقات الدولية.
  • تقديم الحجة السياسية لضرورة التعاون في الأوقات الصعبة.

في نهاية المطاف، تفوق المزايا الاقتصادية للتعاون الدولي - بشكل واضح - المخاطر المتزايدة. وفي حالات كثيرة، كما هو الحال مع تيليسكوب جيمس ويب، والاستكشاف الأوروبي للمريخ، قد لا يكون هناك بديل عن الشريك المنسحب. والمشاركات الدولية الكبيرة أصبحت هي القاعدة في المجالات الأخرى، من تيليسكوب الكيلومتر المربع المزمع بناؤه في أستراليا وجنوب أفريقيا، إلى مشروع الانصهار النووي الدولي (ITER) قيد الإنشاء في فرنسا. إن تجميع الموارد يخلق مرافق لا يمكن أن تبنى إلا به. والتعلم مما قد ضل السبيل في الماضي هو أمر حيوي، إذا كانت هذه المجموعات تريد النجاح.