أخبار

الآبـاء يورّثـون مزيـــدًا من الطفـــرات كلمــا تقدّمـوا في العمر

دراسة الخارطة الوراثية قد تفسر الارتباط بين سنّ الأب وحالات مثل التوحُّد.

إوين كالاوي
  • Published online:

في ثلاثينات القرن الماضي، لاحظ جي بي إس هالدين، وهو رائد في علم الجينات، نمطًا خاصًّا من الوارثة لدى عائلات لديها تاريخ طويل من الإصابة بمرض الناعور («هيموفيليا» heamophilia). فالطفرة الوراثية المسؤولة عن هذا النوع من اضطراب تخثّر الدم تميل إلى الانتقال عبر الصِبغِيّ إكس (كروموزم X) الذي يحدّد نوع الإنسان، ويمرره الآباء لبناتهم، أكثر من انتقاله إليهن من جهة الأمهات. وأَلْمَحَ هالدين1 إلى أن الأطفال يرثون طفرات من آبائهم أكثر مما يتلقونه من الأمهات، رغم إقراره «بصعوبة أن يُثْبَت هذا الأمر أو يُدْحَض خلال السنوات القادمة».

يحتوي الحيوان المنوي للأب المتقدّم في العمر على مزيد من الطفرات، وكذلك يكون الحال لدى أبنائه.

يحتوي الحيوان المنوي للأب المتقدّم في العمر على مزيد من الطفرات، وكذلك يكون الحال لدى أبنائه.

V. PEÑAFIEL/FLICKR/GETTY

ويبدو أن السنة المنتظرة جاءت أخيرًا، إذ أعطى تحليلُ الخارطة الوراثية (الجينوم) الكاملة عند مجموعة من عائلات أيسلندية الدليلَ الذي طالما راوغ هالدين. بل إنْ دراسةٌ نُشِرت بمجلة «نيتشر Nature» مؤخرًا أوردت أن السن التي يصبح بها الذكور آباءً تُحدّد عدد الطفرات التي يرثها الأبناء2. وعند الشروع في بناء أُسَرِهِم في سن الثلاثين والأربعين، أو بعد ذلك، ربما يزداد لدى الرجال احتمال أنْ يُصاب أبناؤهم بمرض التوحّد «Autism»، وداء الفصام «Schizophrenia»، وغيرهما من الحالات المتّصلة بوجود طفرات حديثة. يقول جاري ستيفانسن، المؤلف الرئيس للدراسة، والرئيس التنفيذي لمؤسسة «ديكود جينيتكس» deCODE Genetics بالعاصمة الأيسلندية ريكيافيك: «كلما تقدّم بنا العمر لكي نصبح آباء، ازداد احتمال أن نورِّث طفراتنا لأبنائنا». ويضيف قائلاً: «وكلما ارتفع عدد الطفرات التي نورّثها، ازداد احتمال أن تكون إحداها مؤذية».

وقد أصاب هالدين، الذي أنجز أعمالاً قبل سنوات للتعرّف إلى تركيب الحمض النووي (الوراثي) «دي إن إيه» DNA، ما أراده، إذْ جاهد للتوصل إلى سبب توريث الآباء المزيد من الطفرات لأبنائهم، إذ تبيَّن له أنَّ الحيوانات المنوية تُنتَج باستمرار عبر انقسام أسلافها أي الخلايا التي تولّدها، ما يؤدي إلى اكتساب الحيوانات المنوية مزيدًا من الطفرات مع كل دورة انقسام خلوي. وعلى نقيض هذا، فإن النساء يولدن ولديهن عدّة مكتملة من الخلايا المولّدة للبويضات، ترافقهن طيلة عمرهن.

وقد أجرى ستيفانسن، الذي تحتفظ شركته بمعلومات جينية عن معظم الأيسلنديين، مقارنة بين متتابعات الجينوم بكامله لدى 78 مثلّثًا عائليًّا، حيث يشمل المثلث العائلي: الأب، والأم، والأبناء. بحث فريق ستيفانسن لدى الأطفال عن طفرات جينية، غير موجودة لدى أيٍّ من الأبوين، ما يعني أنها طفرات مستجدّة، من البويضة أو الحيوان المنوي أو الرحم. تعتبر هذه الدراسة الأوسع من نوعها حتى الآن، بحيث شملت العائلة النواة المُكوَّنة من أب وأم وأبناء.

وتبيّن أن الآباء ورّثوا طفرات جديدة تبلغ أربعة أضعاف ما ورثته الأمهات، بمتوسط 55 مقابل 14. وتسبّب الآباء في جُلّ التغيّر في عدد الطفرات الجديدة في جينوم الطفل، كما ارتفع توريث الطفرات الجديدة بمتوالية هندسية أُسيّة، بالترافق مع التقدّم في عمر الأب. ومثلاً، يورِّث أبٌ عمره 36 عامًا من الطفرات ضعفَيْ ما يورِّثه أبٌ عمره 20 عامًا؛ كما ترتفع هذه النسبة إلى أربعة أضعاف عند الأب البالغ من العمر 70 عامًا، بحسب تقديرات الفريق الذي قاده ستيفانسن.

إن معظم هذه الطفرات غير ضار، لكن فريق ستيفانسن تعرّف إلى طفرات ربطتها بعض الدراسات مع حالات مثل مرضي التوحّد والشيزوفرينيا. لم تُثبِت هذه الدراسة أن الآباء الأكبر عمرًا يورثون جينات (مورثات) متّصلة بأمراض أو جينات مُضرّة، بأكثر مما يورِّثه الآباء الأصغر سنًّا؛ وهذا الأمر هو الخلاصة المُضمَرة الأشد قوة في هذه الدراسة، حسبما ذكر ستيفانسن وغيره من علماء الجينات.

وقد أظهرت دراسات سابقة أن مخاطر ظهور مرض التوحّد في طفل ما، يزيد مع تقدّم سن إنجاب الأب. ونُشِرَت ثلاث دراسات هذه السنة3-5، تقصّت وجود عشرات من الطفرات الجديدة المتّصلة بمرض التوحّد، ووُجدت أنها تأتي من جانب الأب بأربعة أضعاف قدومها من جانب الأم.

ربما تساعد هذه النتائج في شرح التوسّع الواضح فيما يتعلق بمرض التوحّد. ففي هذا العام، أبلغت «المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها» في أتلانتا بولاية جورجيا، أن واحدًا من كل 88 طفلاً أمريكيًّا شُخِّصَ بالإصابة باضطرابات مرض التوحّد؛ ما يمثّل زيادة بحوالي 78 بالمائة عما كان الوضع عليه منذ 2007. وتفسَّر بعض هذه الزيادة بالتحسّن في تشخيص المرض وأعراضه؛ لكن حدوث طفرات جديدة ربما مثّل عنصرًا جديدًا، بحسب قول دانيال جيشْوِند، إخصائي البيولوجيا العصبية بجامعة كاليفورينا، لوس أنجلوس. ويضيف قائلاً: «أعتقد أننا سنعثر، في أمكنة فيها آباء متقدمو السن فعليًّا، على معدل أعلى لانتشار مرض التوحّد».

في المقابل، يذهب مارك دالي، عالم الوراثة بـ «مستشفى ماساشوسيتس العام» في بوسطن، إلى القول بأنه من غير المحتمل أن يكون الارتفاع في سنّ الأب سببًا حصريًّا في تفسير الزيادة في معدل انتشار مرض التوحّد». وهو يشير إلى أن التوحّد قابل للتوارث بقوة، لكن معظم الحالات لا تتسبب بها طفرة مُفردة في الجينات. وهذا يعني ضرورة وجود عناصر مؤهّلة تُتوارث من الآباء، لكنها متمايزة عن الطفرات الجديدة التي تحدث في الحيوان المنوي.

وتشير الدلائل التاريخية إلى أن الآباء المتقدمين في السن ليسوا بالضرورة نذيرًا بحدوث تدهور في الجينات، فخلال القرنين السابع عشر، والثامن عشر، دخل الذكور الأيسلنديون في طور الأبوة في أعمار أكثر تقدّمًا مما هو الوضع لديهم في الوقت الحاضر، حيث تراوحت أعمارهم وقت الإنجاب بين 34 و38 عامًا. بل وبحسب ستيفانسون: «تشكّل الطفرات الجينية أساسًا للانتقاء الطبيعي». ويضيف قائلاً: «باستطاعتك أن تجادل بأنَّ ما يسيء إلى مصلحة الجيل القادم يصبّ في مصلحة مستقبل جنسنا».

  1. Haldane, J. B. S. Ann. Eugen. 13, 262–271 (1947).

  2. Kong, A. et al. Nature 488, 471–475 (2012).

  3. Sanders, S. J. et al. Nature 485, 237–241 (2012).

  4. O’Roak, B. J. et al. Nature 485, 246–250 (2012).

  5. Neale, B. M. et al. Nature 485, 242–245 (2012)