أخبار

بحيرات التجارب تواجه خطر الإغلاق

يهدد نقص التمويل بإغلاق موقع فريد للتجارب حول المياه العذبة في كندا.

هانّا هواج
  • Published online:

تبدو البحيرة رقم 239 جذابة، حيث تغطي أشجار السرو والصنوبر حدود الشاطئ، وتندفع موجات خفيفة نحو نتوءات من الجرانيت المعرض للعوامل الجوية. وفي هذا المساء الحار من شهر أغسطس في شمال غرب أونتاريو (انظر شكل: التكوينات مائية) هنالك ملمح واحد متميز. وفي الطرف الأقصى من البحيرة، التي يبلغ طولها 800 متر، تنحدر مجموعة من الحاويات البلاستيكية ذات الشكل العمودي من رصيف عائم نحو القاع الطيني للبحيرة بعمق مترين. وهذه إشارة على أن الظروف الهادئة لهذه البحيرة تخفي في طياتها تجربة علمية حول التلويث البيئي المنضبط.

تواجه تجربةٌ، مدتها ثلاث سنوات، لرصد تأثيرات الفضة النانوية على بيئة البحيرات خطرَ الإلغاء.

تواجه تجربةٌ، مدتها ثلاث سنوات، لرصد تأثيرات الفضة النانوية على بيئة البحيرات خطرَ الإلغاء.

H. HOAG

تركع جينيفر فنسنت ـ وهي طالبة دراسات عليا في جامعة ترنت في بيتربره، أونتاريو ـ على ركبتيها إلى جانب إحدى الحاويات البلاستيكية العمودية، وتقوم بتفريغ قارورة من جزيئات الفضة النانوية فيها. وتظهر غمامة أرجوانية متقزحة في المياه لمدة دقيقة، قبل أن تندمج جزئيات المعدن مع بعضها وتتناثر. وتعتبر هذه التجارب هي المرحلة الأولى من مشروع مدته 3 سنوات، وبموازنة قدرها 728 ألف دولار أمريكي، بهدف فهم التأثيرات البيولوجية والبيئية لمادة (الفضة النانوية)، وهي مادة مضادة للبكتيريا، تضاف بشكل شائع إلى المنتجات التجارية. وأظهرت دراسات سابقة أن هذه المادة الكيميائية تؤدي إلى تغيير بنية المجتمعات البكتيرية والطحالب، وقد تؤدي إلى تغيير في دورة الفوسفور. ويهدف المشروع في العام المقبل إلى إضافة الفضة النانوية إلى بحيرة كاملة (البحيرة 222)، وقياس تأثيرها عبر مجمل النظام الإيكولوجي.

وبوجود 58 بحيرة مماثلة تعمل معًا كمواقع بحثية لإجراء العديد من الدراسات ذات النطاق الواسع، تعتبر منطقة بحيرات التجارب الكندية حالة فريدة في العالم. يقول كريس ميتكالف، وهو عالم في السموم البيئية من جامعة ترنت، وأحد قياديي المشروع: «لا أتعامل بقلة اكتراث مع حقيقة أننا نقوم بتلويث بحيرة»، ويضيف قائلاً: «يمكن في منطقة بحيرات التجارب أن يظهر بطريقة موسعة جغرافيًّا ما يحدث في مجمل النظام الإيكولوجي للبحيرة».

ومنطقة بحيرات التجارب ـ بكل ما تحتويه من مختبرات، ومساكن، وورشات عمل ـ قد تختفي سريعًا. لقد أعلنت كندا ـ في وقت سابق من هذه السنة ـ أنها ستوقف التمويل المقدم لمنطقة بحيرات التجارب بعد مارس 2013، وهذا تطور أدى إلى امتعاض العلماء الذين استخدموا هذه المرافق لمدة 44 عامًا لعدة دراسات، تتراوح ما بين التلوث الكيميائي، إلى تأثيرات تغير المناخ.

لقد كان القرار غير متوقع، ففي 17 مايو تم استدعاء العاملين في منطقة بحيرات التجارب في معهد المياه العذبة في وينيبيج إلى اجتماع عاجل، حيث تم إعلامهم بأن الحكومة لم تعد مهتمة بالتجارب التي تتطلب تغييرات على مستوى البحيرات ككل. وتم إعلام 17 موظفًا في المرافق المختلفة ـ ومنهم أربعة علماء موظفين في دائرة المحيطات ومصائد السمك ـ بأن وظائفهم سوف يتم إلغاؤها في إبريل 2013.

بحيرات لها تاريخ

يجادل منتقدو هذا القرار بأنه يعكس عدائية واسعة تجاه علوم البيئة من قِبَل الحكومة الفيدرالية الكندية، لكن ديف جيليس ـ المدير العام لعلوم الأنظمة الإيكولوجية في دائرة المحيطات ومصائد السمك ـ يشير إلى أن قرار إنهاء التمويل لمنطقة بحيرات التجارب تم لإعادة تحديد الأولويات التمويلية في سياق تقليل النفقات المالية. وأظهرت موازنة الحكومة الفيدرالية التي تم إعلانها في مارس 2012 أن كافة المديريات واجهت تراجعًا في المخصصات المالية. وسوف تتراجع الموازنة الأساسية لدائرة المحيطات ومصائد السمك من 1.36 مليار دولار كندي بنسبة 5.8%، أي بقيمة 79.3 مليون دولار كندي بحلول عام 2015. وفي المقابل، يشير مؤيدو منطقة بحيرات التجارب إلى أن الموازنة الصغيرة لهذه المرافق، مقارنةً بقيمتها العلمية الكبيرة، يجب أن تسمح باستمرار العمل، وألا تكون ضحية لإجراءات التقشف.

وتصل النفقات التشغيلية السنوية لمنطقة بحيرات التجارب إلى 600 ألف دولار كندي، يتم تغطية نصفها من مؤسسة البيئة الكندية، وهي دائرة حكومية مستقلة قامت أيضًا بإلغاء تمويلها، بينما تتم تغطية الرواتب، التي تبلغ 1.2 إلى 1.5 مليون دولار كندي، من قبل دائرة المحيطات ومصائد السمك.

وتعود أصول منطقة بحيرات التجارب إلى الستينات من القرن الماضي، حيث تَسَبَّبَ انتشار الطحالب الزرقاء المخضرة إلى تغطية كافة مساحة بحيرة «إيري Erie»، حيث بدأت نشاطات الرياضات المائية والصيد التجاري في الانهيار. وبناء على ذلك، قام عالمان رِيادِيَّان ـ وهما والي جونسون، المدير الأول لمعهد المياه العذبة، ورونالد هايز، رئيس مجلس أبحاث المصائد السمكية في كندا ـ بإخبار حكومة أونتاريو والحكومة الفيدرالية أنهما قادران على فهم تفاصيل وأسباب ظاهرة انتشار الطحالب، في حال قاما بإحداث تلويث متعمد لبحيرة كاملة بالمخصبات الزراعية (الأسمدة)، التي من المتوقع أن تكون السبب وراء النمو الزائد للطحالب، الذي كان يستنزف الأكسجين من البحيرة.

وفي عام 1969 تحقق طلبهما، وبدآ في تنفيذ خطة الإثراء الغذائي المبرمج للبحيرة 227، وهي واحدة من البحيرات الصغيرة العديدة والمنعزلة، التي تتميز بطبقات صخرية غير قابلة لإنفاذ المياه في القاع؛ مما يؤدي إلى احتواء المياه والملوثات، وعدم انتقالها إلى بحيرات ومناطق أخرى.

استمرت هذه الدراسة الطويلة حتى منتصف السبعينات، وتضمنت ـ في نهاية الأمر ـ سبع بحيرات. وظهرت أكثر النتائج إثارة من البحيرة 226، حيث وضع العلماء ستارة بلاستيكية على امتداد الممر الضيق الذي يفصل بين الجزءين الأكبر من البحيرة، وبدأوا بإضافة الكربون والفوسفور والنيتروجين إلى إحدى الجهات والكربون والنيتروجين فقط إلى الجهة الأخرى. وكانت النتيجة أن الجهة التي احتوت على الفوسفور ظهر فيها انتشار لغطاء كثيف من الطحالب ذات اللونين الأخضر، والأصفر. ويقول ديفيد شندلر، وهو باحث إيكولوجي في جامعة ألبرتا في إدمونتون، وأحد العلماء المؤسسين لمنطقة بحيرات التجارب: «مثل هذه التجارب في البحيرات هي التي أقنعت السياسيين بأن هناك حاجة ماسة إلى تقليل وجود الفوسفات في المنظفات والمياه العادمة». وبناء على ذلك، قامت كندا، وعدة ولايات أمريكية بمنع وجود الفوسفات في المنظفات المستخدمة لغسل الملابس والصحون.

ومنذ ذلك الحين، قام العلماء في منطقة بحيرات التجارب بنشر ملوثات ـ مثل الزئبق، والإستروجين الصناعي، وحامض السلفوريك ـ إلى البحيرات؛ بهدف معرفة تأثيراتها الكيميائية، وقاموا أيضًا ببناء السدود ومزارع السمك، وتجفيف البيئات الرطبة لدراسة التأثيرات البيئية لبناء السدود، وصناعة مزارع السمك، وتغير المناخ. وقد ساعدت النتائج المشرِّعين في كندا والولايات المتحدة لتنظيم انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت، والزئبق. وفي هذا الصدد يقول ميتكالف: «من السهل على الحكومات أن ترفض نتائج البحث الذي يتم في المختبر، ولكنها لا تستطيع أن تتجاهل نتائج تجربة تتم في بحيرة كاملة، لأن الأشخاص يتأملون ويأخذون العِبَر».

وقد أصبحت مثل هذه الدراسات في خطر كبير الآن، حيث كان العلماء في المنطقة يخططون في فصل الخريف لإطلاق المرحلة الثانية من التجربة التي تم تصميمها لدراسة التأثيرات الإيكولوجية الناجمة عن إطلاق السمك المعدل وراثيًّا، الذي من المحتمل استخدامه في مزارع السمك مستقبلاً. وكان سيتم استعمال أنواع من السمك المحلي المعرَّضة لكميات من هرمون النمو، كتراكيب مماثلة للسمك المعدل وراثيًّا، لدراسة تأثير أي هروب محتمل لهذه الأسماك في البيئات الطبيعية. وبعد إنهاء هذه التجربة، كان العلماء يخططون لأول إطلاق حقيقي منظم للسمك المعدل وراثيًّا بحلول عام 2015. ويعلق أحد العلماء من دائرة المحيطات ومصائد السمك على ذلك قائلا: «يجب أن تحظى الحكومة بمجموعة من الأشخاص الذين يقومون بالتجارب العلمية التي تقوم بإنتاج أدلة تقود صناعة السياسات البيئية».

وتَسَبَّبَ توقيت هذا الإعلان في إرباك العلماء في منطقة بحيرات التجارب، حيث حصلت تجارب حالية عديدة على مخصصات مالية من مصادر داخلية، قبل إعلان إيقاف التمويل الحكومي، ومنها مختبر البيولوجيا الجديد، الذي تَكَلَّف 850 ألف دولار كندي، مدفوعة من الحكومة الفيدرالية، ولم يمض على عمله إلا موسم ميداني واحد.

ويضع جيليس ـ المطلوب منه البحث عن فاعل خير لتمويل المشروع من جديد ـ نصب عينيه الجامعات. وتعتقد دائرة المحيطات ومصائد السمك أن الجامعات أكثر استعدادًا وتَمَكُّنًا من إجراء دراسات على الأنظمة البيئية للبحيرات. لقد أسهم جورج ديكسون، وهو عالم سموم مائية، ونائب الرئيس للبحث العلمي في جامعة واترلو في أونتاريو، في عدة نقاشات مع دائرة المحيطات ومصائد السمك في يونيو 2012، ويقول إن الجامعات تقوم حاليًا بمراجعة وتصنيف المشاريع التي تتم في منطقة بحيرات التجارب، وتأمين موازنات لها، مضيفًا: «كيف سنستخدم هذه المرافق، وما هي مصادر التمويل لها؟ يجب أن نكون واثقين بأننا سنحصل على منافع من هذا الدور في المستقبل». وفي هذا السياق تم عقد اجتماع مهم مع دائرة المحيطات ومصائد السمك في سبتمبر 2012.

ويشكك الكثيرون في إمكانية وجود إدارة جديدة في أبريل القادم، عندما يتوقف التمويل الحكومي، ولا يؤمن البعض الآخر بإيجاد أية إدارة وتمويل من جديد على الإطلاق. يقول جون سمول، وهو عالم مياه عذبة في جامعة كوينز في كنجستون، أونتاريو: «من أين ستأتي الأموال؟ الجامعات بالكاد تدير أمورها المالية». وهنالك عنصر آخر يسهم في تعقيد الاحتمالات، وهو أن أية إدارة جديدة للمنطقة سوف تكون مساءلة بتنظيف المنطقة والبحيرات من التلوث المتراكم. وتشير الوثائق القانونية إلى أن مسؤولية إعادة تأهيل وتنظيف كافة البحيرات والمساقط المائية والجداول والأراضي في المنطقة تقع على الحكومة الفيدرالية. ويقول جيليس إنه لا توجد تقديرات لدى دائرة المحيطات ومصائد السمك لكلفة هذا الجهد، ولكن دايان أوريهيل ـ وهي باحثة دراسات عليا في الإيكولوجيا من جامعة ألبرتا، وقائدة تحالف يهدف إلى إنقاذ منطقة بحيرات التجارب ـ تقول إن أبحاثها تشير إلى فاتورة تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، وتضيف ـ فيما يتعلق بالمساءلة القانونية ـ قائلة إن الجامعات ليست مهتمة أبدًا».

يقول ميتكالف ـ ونحن نحتسي القهوة في عنبر الدراسات ـ إنه لا يعلم إذا كان عليه أن يقوم بتحضير البحيرة (222) للتجارب المبرمجة في الصيف القادم، أم لا، ولكنه مفعم بالتفاؤل، بالرغم من ذلك، ويقول أيضًا: «آمُلُ في وجود نوع من التسوية ما بين المؤسسات الحكومية، والجامعات والمنظمات المعنيَّة».