NATURE | أخبار

صعود القوميين يثير حيرة الباحثين

المشكلات الاقتصادية التي أحدثتها العولمة ليست سوى مجرد جانب من جوانب القضية.

جيف توليفسون

Nature (2017) doi:10.1038/540182a | Published online | English article

تتحدى مارين لوبان - زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في فرنسا - الأحزاب ذات الشعبية في بلادها.

تتحدى مارين لوبان - زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في فرنسا - الأحزاب ذات الشعبية في بلادها.
Eric Gaillard/Reuters

تعيد موجات المشاعر القومية تشكيل سياسات الديمقراطيات الغربية بطرق غير متوقَّعة، فهي التي منحت دونالد ترامب نصرًا مفاجئًا في نوفمبر الماضي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ودفع المملكة المتحدة للتصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي. ولا تخفى على أحد زيادة شعبية الأحزاب القومية في كافة أنحاء أوروبا.

ويرى العديد من الاقتصاديين أن هذا التحول السياسي جاء نتيجة للعولمة والابتكار التكنولوجي خلال الخمس وعشرين سنة الماضية، مما تسبب في شطب الكثير من الوظائف في الغرب. ويقع على عاتق أساتذة العلوم السياسية تتبُّع تأثير التوتر الثقافي الناجم عن الهجرة، والتنوع العرقي والعنصري والجنسي، لكن الباحثين يسعون لفهم السبب وراء تضافر كل هذه القوى المتباينة؛ للدفع بسياسات شعبية جديدة كليًّا لا يمكن التنبؤ بها.

يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد في كمبريدج بولاية ماساتشوستس، ياشكا ماونك: "علينا أن نبدأ في القلق بشأن استقرار أنظمتنا الديمقراطية"، ويشير إلى أن مسح القيم العالمية (WVS) الممتد يُظْهِر تزايد سخط الشعوب على حكوماتها، بل واستعدادها لتأييد قادة ذوي سلطة، لكن هذا الوضع عفا عليه الدهر بطرق مختلفة في الغرب، حيث رفضت النمسا – على سبيل المثال - المرشح الرئاسي نوربرت هوفر، المنتمي إلى اليمين المتطرف، وفضلت عليه ألكسندر فان دير بيلين، زعيم حزب الخضر السابق، وذلك في الانتخابات الرئاسية التي عُقدت في الرابع من ديسمبر الماضي. وفي اليوم ذاته، انتصرت القوى المناهِضة للمؤسسات في إيطاليا، حيث أعلن رئيس الوزراء ماتيو رينزي أنه سيستقيل، بعد رفض الناخبين إصلاحاته الدستورية المقترحة.

وفي فرنسا، عملت مارين لوبان على تطهير الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة من جذورها المعادية للسامية، وبناء قاعدة أوسع من الطبقة العاملة. وقد تجعل تلك الجهود من الحزب - الذي كان لاعبًا ثانويًّا في السياسة الفرنسية منذ السبعينات - قوة فاعلة رئيسة خلال الانتخابات الرئاسية القادمة. ويأتي الجزء الأكبر من الدعم الجديد للحزب من المناطق قليلة الصناعات في شمال فرنسا، وفقًا لما ذكره دوجلاس ويبر، أستاذ العلوم السياسية بكلية إدارة الأعمال العالمية في فونتينبلو بفرنسا "إنسياد" INSEAD، الذي يرى أن "العديد من العمال الصناعيين تحولوا - على نحو مثير للجدل - من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين".

وفي الولايات المتحدة، أصبحت المناطق الأكثر تضررًا من العولمة هي الأكثر تطرفًا سياسيًّا، وفقًا لورقة العمل التي نشرها في شهر سبتمبر الماضي ديفيد أوتور - الخبير الاقتصادي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كمبريدج - وزملاؤه، حيث وجدوا أن تلك المناطق انتخبت أكثر المرشحين تشددًا من كلا الجانبين لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي بين عامي 2002، و2010؛ أي أنها انتخبت الجمهوريين في المناطق ذات الأغلبية البيضاء، والديمقراطيين في المناطق ذات الأعراق المختلطة. ويشير تحليل منفصل - لم ينشره الفريق بعد - إلى أن الاتجاه نحو المرشحين المتشددين أعطى أفضلية للجمهوريين في الانتخابات الرئاسية منذ عام 2000، حتى عام 2016، وكان كافيًا لإنجاح ترامب في الفوز بالبيت الأبيض.

ويقول جاستن جيست - أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج ميسون في أرلينجتون بولاية فيرجينيا – إنّها "كانت مسألة وقت، قبل أن يسعى شخص ما للاستفادة من القدرة الانتخابية العالية لمجموعة هائلة من الناس، مثل الطبقة العاملة البيضاء"، حيث أشار استطلاع الرأي الذي أجراه في عام 2016 إلى أن 65% من الناخبين الأمريكيين ذوي البشرة البيضاء سيؤيدون حزبًا افتراضيًّا جديدًا، داعمًا لمنطق الحماية، وكارهًا للأجانب. ويضيف جيست قائلًا إن نصر ترامب يعود جزئيًّا إلى أنه أعطى للناخبين "شماعة" يعلقون عليها مشكلاتهم الاقتصادية.

وبحث بعض الأكاديميين أوجه التشابه المحتملة بين جذور التحول السياسي العالمي الحالي، وصعود الحركات الشعبية خلال الفترة التي عُرفت بالكساد الكبير، بما في ذلك ما حدث في ألمانيا النازية، لكن هيلموت أنهاير - رئيس كلية هيرتي للحوكمة في برلين - يحذر من أن المعاناة الاقتصادية للمواطنين من الطبقة المتوسطة في الغرب اليوم تختلف كثيرًا عن تلك الحقبة، لا سيما في البر الأوروبي الرئيس.

فقد استفاد النازيون من الأوضاع الاقتصادية القاسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى والكساد العالمي، لكن الحركات الشعبية اليوم تزداد نفوذًا في الدول الأوروبية الغنية، التي تمتلك برامج اجتماعية قوية. ويتساءل أنهاير: "لماذا تنشأ حركة يمينية، دون أن تكون لها أسباب وجيهة؟"

في الولايات المتحدة، يرى البعض أن العنصرية كانت الدافع لعدد كبير من ناخبي ترامب، "لكن هذا التفسير ساذج جدًّا"، كما تقول ثيدا سكوكبول، أستاذة علم الاجتماع في جامعة هارفارد، التي تضيف: "لقد تَصَدَّر ترامب عناوين الأخبار لأكثر من عام، وفعل ذلك من خلال التصريحات الاستفزازية التي كان مِن المفترَض أن تؤدي إلى تفاقم كل التوتر في الولايات المتحدة".

ويعود انتصار ترامب - جزئيًّا - إلى أن هيكل المجمع الانتخابي الأمريكي يعطي وزنًا للمناطق الريفية التي تميل إلى الجمهوريين، أكبر من وزن المراكز الحضرية الديمقراطية، إضافة إلى أن بعض مؤيدي ترامب من ذوي البشرة البيضاء كانوا قد صوتوا للرئيس باراك أوباما – الديمقراطي - في الانتخابات السابقة.

توقعات ضبابية

وصفت لوبان فوز ترامب بأنه "بارقة أمل" لحملتها الانتخابية، لكن ويبر يشكك في ذلك. وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن لوبان ستحصل على أقل من ثلث الأصوات في جولة الإعادة مع رئيس الوزراء السابق فرانسوا فيون، المرشح تحت راية الحزب الجمهوري، المنتمي إلى يمين الوسط، وإلى أن الاقتصاد في فرنسا مستقر إلى حد ما. يقول ويبر: "لست متشائمًا مثل البعض"؛ فقد بدأ صعود التيار القومي في فرنسا منذ وقت أطول، ويبدو أنه قد تَقَدَّم بصورة أبطأ، مقارنةً بالطفرات المماثلة في بلدان أخرى عديدة، حسب رأيه.

أمّا ماونك، فيقول إن التوجه الأوسع نحو القومية أثار حيرة أساتذة العلوم السياسية، لأن تركيزهم  غالبًا ما ينصب على إيجاد طرق جديدة للإجابة عن الأسئلة القديمة. ويضيف قائلًا إنه يجب على الأكاديميين مضاعفة جهودهم؛ لفَهْم الموجة القومية، ومساعدة واضعي السياسات على التعامل معها.

يقول ماونك: "في زمن الحرية والرخاء، كان من المقبول أن نتراخى وندَّعِي أننا علماء، لكن الآن، سيكون من غير الأخلاقي أن نهدر وقتنا في بناء وتحليل نماذج إحصائية، بدلًا من التفكير في كيفية إنقاذ ديمقراطيتنا الليبرالية".


// script for altemetric donuts