NATURE | كتب وفنون

علم الحيوان: المهووسـون بالحيـوانات

يصحبنا هنري نيكولز في جولة عبر التاريخ؛ لنتعرف على كيفية نشأة حدائق الحيوانات على جانبي المحيط الأطلنطي.

هنري نيكولز

Nature (2016) doi:10.1038/539029a | Published online | English article

«حديقة الحيوان: القصة الجامحة والرائعة لنشأة حديقة حيوان لندن»  

إيسوبل تشارمان ,فايكنج: 2016

ISBN: 9781681773568

“لعبة الحيوان: البحث عن البرية في حديقة الحيوان الأمريكية”

دانيال بِنْدر ,مطبعة جامعة هارفارد: 2016

ISBN: 9780674737341

وقع وحيد القرن «أوبيتش» في الأَسْر في عام 1849؛ وأُرسل إلى حديقة حيوان لندن، حيث أثار ضجة؛ وأصبح محط أنظار الجماهير.

وقع وحيد القرن «أوبيتش» في الأَسْر في عام 1849؛ وأُرسل إلى حديقة حيوان لندن، حيث أثار ضجة؛ وأصبح محط أنظار الجماهير.

SSPL/Getty


لم يُهْدِر ستامفورد رافلز الكثير من وقته؛ ففي عام 1825، وبعد مرور ستة أشهر تقريبًا على عودته إلى لندن من جُزُر الهند الشرقية، كان قد وضع البيان التمهيدي الذي أدَّى إلى إنشاء «جمعية علوم الحيوان» في لندن. وكان رافلز ـ بمساره المهني الطويل كرجل أعمال ورجل دولة في بينانج، وجاوة، وسومطرة، وسنغافورة ـ مستعدًا لأنْ يُطْلِق العنان لشغفه بالتاريخ الطبيعي.

لطالما شهدت العلاقة بين البشر وباقي كائنات المملكة الحيوانية تغيُّرات ملحوظة، ولن تنفك عن التغير دائمًا، بيد أن عددًا قليلًا فقط من التحولات يمكن أن يكون سريعًا وجذريًّا، كتلك التي شهدها القرن التاسع عشر. ففي ذلك القرن، الذي شهد ازدهار السفر بحرًا، وكانت السفن الأوروبية فيه تشق عباب بحار الأرض؛ وتعود محملة بصناديق من العيِّنات المختلفة، ظهرت فئة جديدة من علماء الحيوان المتخصصين. وبدأ علماء ـ من أمثال ألكسندر فون هومبولت، وتشارلز داروين، وألفريد راسل والاس ـ في فَهْم التنوع المذهل لحياة الحيوانات. وشهدت الفترة التي يغطيها كتاب إيسوبل تشارمان «حديقة الحيوان» The Zoo,1824-1851 الكثير من العمل الذي أَحْدَثَ طفرة في هذا السياق. وفي غضون ذلك، سَجَّل كتاب «لعبة الحيوان» The animal Game للمؤرخ دانيال بندر تطوُّر حديقة الحيوان الأمريكية من سبعينات القرن التاسع عشر إلى سبعينات القرن العشرين.

وجدت تشارمان بِنْيَة مبهجة لـ"قصتها الجامحة الرائعة"، حيث يمثل كل فصل من فصول الكتاب جولة كاملة. فقد أسلم رافلز الراية إلى دسيموس برتون، المهندس المعماري الطموح، الذي كان آنذاك في العشرينات من عمره، والذي بدأ في تشكيل حدائق الحيوان في ريجنت بارك في عام 1827. وبعد ذلك أتى دور الجَرّاح البيطري تشارلز سبونر، الذي كان كفاحه للحفاظ على حياة الحيوانات في ثلاثينات القرن التاسع عشر مؤشِّرًا مبكرًا على الاهتمام برعاية الحيوانات. وفي الجانب المشرق، كانت الحيوانات النافقة تمثل هدية لجون جولد، المسؤول الرئيس عن حفظ الحيوانات، وإضافة إلى متحف جمعية علوم الحيوان في مايفير، الذي أُضيفت مقتنياته إلى المتحف البريطاني في عام 1855. وما لبث جولد أن ظهر مرةً أخرى في وقت لاحق بمجموعة مختارة من عصافير جالاباجوس، التي ساعدت داروين على استكمال أركان قضية التطور بالانتخاب الطبيعي. وهكذا، أخرجت تشارمان القصة من الأقفاص التي كانت تسجنها، وأطلقتها حرة في شوارع لندن في العصر الفيكتوري، حيث كان يكسوها الدخان والضباب، والصخب في بعض الأحيان، وفي طول البلاد وعرضها، بل وإلى خارج حدودها.

وبِفَضْل وجود شبكة هائلة من المسافرين والتجار، وموظفي ومحصلي الجمارك، والوسطاء والدبلوماسيين، الذين كانوا جميعًا يرسلون عيِّنات السلالات الحيوانية التي يعثرون عليها إلى لندن، حظيت حديقة الحيوانات الوليدة بتنوع مذهل للحيوانات منذ نشأتها. وفي غضون العقود الأولى لها، ظلت حدائق الحيوان مقصورة نسبيًّا على فئات بعينها، حيث كان مرتادوها من المتأملين في الفسيولوجيا، والبِنْيَة، والسلوكيات الفريدة للحيوانات المودعة فيها، مثل شمبانزي أطلقوا عليه اسم «تومي». وفي الوقت نفسه، أشبع عموم الناس فضولهم بحدائق حيوانات أخرى ذات قيمة كبيرة، ولكن لا تحيط بها الهالة العلمية، مثل «إكسيتر إكستشانج» في شارع ستراند بلندن. وسرعان ما بات من الصعب الإبقاء على رؤية رافلز الأصلية، التي تنصَبّ على الحيوانات كموضوع للبحث العلمي، وتَخَلَّت «جمعية علوم الحيوان» في لندن عن مزرعتها خارج موقع كينجستون أبون تايمز، الذي كان موقعًا لتربية الحيوانات وإجراء التجارب، وفتحت أبواب حدائق الحيوان للعامة في أربعينات القرن التاسع عشر. كما بدأت أيضًا في إحضار الحيوانات المحبَّبة إلى الجمهور، مثل الزراف، ووحيد القرن.

ربما يكون أكثر ما يثير الدهشة في كتاب «حديقة الحيوان» هو أسلوبه. فقد كتبت تشارمان في الوقت الذي كانت فيه خطط رافلز تتحول إلى واقع ملموس، تقول: "أصبح بوسعه الآن أن يرى الأمر بعينَي عقله. ها هي كل هذه الحيوانات، القادمة من كافة أرجاء الأرض، من أرجاء المملكة مترامية الأطراف، تجتمع هنا! إنه يسمع زئيرها يتردد في أذنيه". ويبدو أن قَدْرًا ضخمًا من البحث قد أُجري من أجل هذا العمل، بيد أن جزءًا كبيرًا منه قد فُقد وسط هذا القدر من المشاعر والأفكار المتخيَّلة. فعند كتابة الأدب غير القصصي بأسلوب قصصي، لا تتمكن تشارمان من الاستفادة بشكل كامل من مواطن القوة الكامنة في أيٍّ من النوعين الأدبيين.

كان «ويليام مان» ـ المدير الخامس لحديقة الحيوان الوطنية في واشنطن العاصمة ـ كثير الأسفار؛ لجَمْع الحيوانات.

كان «ويليام مان» ـ المدير الخامس لحديقة الحيوان الوطنية في واشنطن العاصمة ـ كثير الأسفار؛ لجَمْع الحيوانات.

Tony Linck/The LIFE Picture Collection/Getty

أمّا بِنْدر، فقد اتبع منهجًا أكثر تحفظًا في كتابه «لعبة الحيوانات». ونظرًا إلى الأساس الإمبريالي الذي يحتاج إليه اقتناء مجموعة هائلة من الحيوانات، فمن المنطقي تمامًا أن يرتبط ظهور حدائق الحيوان الأمريكية بسطوع نجم الولايات المتحدة كقوة عالمية بقرب نهاية القرن التاسع عشر. وقد تأسست جمعية علوم الحيوان في فيلادلفيا - أقدم جمعية علوم حيوان في أمريكا – في عام 1859، غير أنها حازت أول مجموعة دائمة من الحيوانات (ومن بينها الفيل الآسيوي جيني) بعد ذلك بحوالي 15 عامًا. ومن بين حدائق الحيوانات الأخرى: حديقة حيوان متنزه لينكولن (شيكاغو، إلينوي، 1868)، وحديقة الحيوان الوطنية (واشنطن العاصمة، 1889)، وحديقة حيوانات برونكس في مدينة نيويورك (1899). إنّ قصص تلك المؤسسات تشبه ـ إلى حدّ كبير ـ قصة جمعية علوم الحيوان في لندن. وكما كان الحال مع رافلز، كَتَبَ برندر يقول: "تَوَهَّمَت تلك النخب الحضرية ـ التي كانت تحلم بمتنزهات ذات علاقة بعِلْم الحيوان ـ أن عرض النظام البيولوجي سيتمخض عن خَلْق نظام اجتماعي"؛ حيث يقدِّم التسلسل الهرمي للطبيعة نموذجًا لعامة الشعب. وعلى غرار جمعية علوم الحيوان في لندن أيضًا، ناضلت جمعيات علوم الحيوان الأمريكية؛ لتميِّز نفسها عن أماكن التسلية العامة محدودة الثقافة، مثل معارض الحيوانات، والسيرك، والمعارض العالمية.

«تَوَهَّمَت تلك النُّخَب الحضرية - التي كانت تحلم بمتنزهات تتعلق بعِلْم الحيوان - أن عرض النظام البيولوجي سيتمخَّض عن خَلْق نظام اجتماعي».

وفي حين يتعرَّض كتاب «حديقة الحيوان» بشكل ضمني لقضية تجارة الحيوانات بوضوح، فإن كتاب بِنْدر يناقشها بشكل جَلِيّ، من خلال شخصيات محددة، مثل فرانك بوك - تاجر الحيوانات، والممثل الاستعراضي، والنجم السينمائي - وويليام مان ذي القبعة، مدير حديقة الحيوان الوطنية من عام 1925 إلى 1956. وفي عام 1937، سافر مان إلى الشرق الأقصى؛ لشراء نمور (بسعر 100 دولار أمريكي للزوج)، وقرد الجيبون السومطري، وطيور الشبنم، وإنسان الغاب، وغير ذلك. وفي أفريقيا، كان عليه أن يدير عملية جمع الحيوانات بنفسه، واضطر في إحدى المرات إلى توظيف 500 من سكان المنطقة المحليين، في محاولة فاشلة لاصطياد زرافة. وحين أبحر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كانت معه شحنة بها 1500 حيوان، ولكن كان العديد منها يحتضر؛ فقد أُلقي صندوق به 14 من أفاعي البايثون من على متن السفينة.

وأثناء الكساد العظيم، الذي أسهم في حله بعض الصناديق الفيدرالية، بدأت حدائق حيوان عديدة في إدخال بعض التعديلات، من خلال تقديم بعض العروض الجديدة، مثل «جُزُر القرود» المحاطة بالخنادق. وفي نهاية المطاف، ظهرت تربية واستيلاد الحيوانات في الأَسْر، وهو أمر فرضته الضرورة، وليس ما كان مخططًا له؛ حيث إنه بحلول ستينات القرن العشرين تمخضت قرون من الاستغلال عن تقويض أعداد الحيوانات البرية. وكانت الطريقة الوحيدة التي يمكن لحدائق الحيوان أن تظل موجودة بها هي بَذْل المزيد من الجهد في الاستيلاد من الحيوانات التي تمتلكها بالفعل.

ويجوب بِنْدر سريعًا في كتابه بين المؤسسات، فينتقل من مؤسسة إلى أخرى، ويصحب القراء في رحلات اصطياد الحيوانات مع التجار، ومع الزوار الذي يطعِمون الحيوانات الوجبات الخفيفة (وفي بعض الأحيان الزجاجات المكسورة، والمسامير)، ويبني على المادة الأرشيفية الثرية، بما فيها من أفكار الشخصيات الرئيسة، مثل عالِم الحيوان ويليام تيمبل هورناداي، ومذكرات الإدارة، ومجموعة هائلة من القصاصات من الصحافة الجماهيرية. وفي القرن الذي يغطيه كتابه، واجهت حدائق الحيوان الأمريكية تحديات معينة، تنوعت ما بين الاضطرابات الاقتصادية، والحيوانات المارقة، وحالات السخط والغضب بين العاملين، والجمهور المتطلِّب.

وما يتجلَّى واضحًا للعيان هو قصة تكيُّف ونجاح من أجل البقاء على قيد الحياة، حيث تُظهِر هذه القصة حدائق الحيوانات الحديثة في صورة "طبيعة ثالثة"، و"كيف بَنَى الإنسان الإمبراطوريات وعاش فيها، وكيف تنافست تلك الامبراطوريات. لقد توقفت برية وتوحُّش تلك الحيوانات في لحظة وقوعها في الأسر، حيث كان هناك الكثير من الحيوانات التي يمكن أَسْرها". وسَيَجِد مَن يعارضون حدائق الحيوانات من منظور أخلاقي الكثيرَ من الحجج التي تدعم قضيَّتهم. ونظرًا إلى قدرة حدائق الحيوانات على التجديد والإحياء، يبدو أن هذه "الطبيعة الثالثة" ستكون لصالحنا لبعض الوقت.

// script for altemetric donuts