NATURE | أنباء وآراء

علم البيولوجيا الخلوية: التواصل في عملية تضاعف العضيّات

تصوير الخلايا الحيّة يكشف عن حدوث تداخل وظيفي بين عضيّتين مختلفتين، يظهر في صورة مسار تواصُل ضروري بين الشبكة الإندوبلازمية والميتوكوندريا؛ من أجل تضاعف الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا، وانقسامه.

  • إيلينا زيفياني
  • & لوكا سكورانو

Nature (2016) doi:10.1038/538326b | Published online | English article

إنّ الفَرْق الأساسي بين الخلايا بدائية النواة، وحقيقية النواة، هو وجود عضيّات محاطة بغشاء في الخلايا حقيقية النواة. تسمح العضيّات ـ كالميتوكوندريا، وصانعات الكلوروفيل، والشبكة الإندوبلازمية للخلايا حقيقية النواة ـ بتشكيل بيئات دقيقة، يمكن فيها تنظيم العمليات الحيوية مكانيًّا وزمانيًّا1. يرمّز الجينوم النووي معظم بروتينات العضيّات، برغم احتواء بعض العضيّات ـ كالميتوكوندريا، وصانعات الكلوروفيل ـ على بعض المعلومات الجينية الخاصة بها. وبالتالي، ثمة حاجة إلى التنسيق بين جينوم العضيّات، والجينوم النووي؛ للتأكد من صحة محتوى الحمض النووي، وعملية تَضَاعُفه، وعملية ترجمة البروتين. ففي بَحْث نُشر مؤخرًا بدورية "ساينس" Science، بَحَثَ لويس وزملاؤه 2 فيما إذا كان الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا يتضاعف بشكل عشوائي، أم في مواقع محدّدة داخل الخلية، وذلك باستخدام التصوير المجهري للخلايا الحيّة؛ لمراقبة عملية التضاعف تلك في الخلايا البشرية.

تحيط بالعضيّات طبقة دهنية ثنائية تشكِّل حدودها الخارجية، وهي غير نافذة إلى معظم الجزيئات، وذلك شرط أساسي؛ لخلق مساحات متخصصة وظيفيًّا. ولا يزال السؤال الأساسي حول الطريقة التي تتواصل بها العضيّات مع محيطها الخارجي قيد البحث. تحتوي الطبقة الدهنية الثنائية الخاصة بكل عضيّة من العضيات على بروتينات ناقلة، يمكنها السماح بإدخال وإخراج  بروتينات ونواتج استقلاب معيّنة، إلا أنّ التواصل الخلوي لا يقتصر على الإشارات القابلة للذوبان فقط، فالخلايا يمكنها أيضًا استشعار البيئات الدقيقة المحيطة بها، من خلال إشارات فيزيائية وميكانيكية3. وقد ينطبق هذا النوع من الاستشعار أيضًا على العضيّات الموجودة داخل الخلية. وفي هذه الحالة، مِن الممكن أن يؤثر شكل حجيرات العضيّات المتجاورة على تواصل العضيّات، وعلى العمليات الحيوية الأساسية التي تتم داخل الخلية.

وهنا، يقدّم لويس وزملاؤه نظرة عميقة إلى العلاقة بين بِنْيَة العضيّات، وعملية تخليق الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا، ونقل الحمض النووي المضاعف إلى الميتوكوندريا الجديدة الوليدة. فقد تم في السابق تحديد مواقع ارتباط الميتوكوندريا بالشبكة الإندوبلازمية4 في خلايا الخميرة، وخلايا الثدييات، باعتبارها مواقع مرتبطة بانقسام الميتوكوندريا. ومن ثم، أتى لويس وزملاؤه للبحث في عملية تَضَاعُف الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا في الخلايا البشرية الحية باستخدام تقنيات المجهر الفلوري، التي مَكَّنَتهم من مراقبة مواقع العضيّات والمكونات الأساسية داخل الخلايا، بما فيها بروتين بوليميريز الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا، وأحد إنزيمات انقسام الميتوكوندريا. وقد وجدوا رابطًا بين موقع تَضَاعُف شبه النواة (وهي وحدات مستقلة من الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا، موجودة داخلها)، وكذلك مواقع التواصل بين الميتوكوندريا، والشبكة الإندوبلازمية الأنبوبية (الشكل 1-أ).

الشكل 1 | موقع تَضَاعُف الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا في الخلايا. باستخدام التقنيات المجهرية لفحص الخلايا البشرية الحية، راقب لويس وزملاؤه2 عملية تضاعف بِنَى الحمض النووي، التي تُسمى أشباه النوى في الميتوكوندريا. أ- لاحظ الباحثون أن مواقع تَضَاعُف الحمض النووي، التي يمكن التعرف عليها من التموضع المشترك لأشباه النوى، إما مع بروتين بوليميريز الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا، أو أحد إنزيمات انقسام الميتوكوندريا، كانت متموضِعة في مناطق من الميتوكوندريا، وثيقة الارتباط بالبِنَى الأنبوبية للشبكة الإندوبلازمية (ER). ب- عندما قام الباحثون بالتلاعب بالشبكة الإندوبلازمية، بحيث اتخذت شكل شبه مسطح، بدلًا من الشكل الأنبوبي؛ لاحظوا تناقصًا في تَضَاعُف أشباه النوى.
الشكل 1 | موقع تَضَاعُف الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا في الخلايا. باستخدام التقنيات المجهرية لفحص الخلايا البشرية الحية، راقب لويس وزملاؤه2 عملية تضاعف بِنَى الحمض النووي، التي تُسمى أشباه النوى في الميتوكوندريا. أ- لاحظ الباحثون أن مواقع تَضَاعُف الحمض النووي، التي يمكن التعرف عليها من التموضع المشترك لأشباه النوى، إما مع بروتين بوليميريز الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا، أو أحد إنزيمات انقسام الميتوكوندريا، كانت متموضِعة في مناطق من الميتوكوندريا، وثيقة الارتباط بالبِنَى الأنبوبية للشبكة الإندوبلازمية (ER). ب- عندما قام الباحثون بالتلاعب بالشبكة الإندوبلازمية، بحيث اتخذت شكل شبه مسطح، بدلًا من الشكل الأنبوبي؛ لاحظوا تناقصًا في تَضَاعُف أشباه النوى.


خلص الباحثون إلى أنه كي يتم توزيع أشباه النوى بالتساوي بين الميتوكوندريا الجديدة الوليدة، سيكون من الضروري أن تتضاعف أشباه النوى في موقع انقسام الميتوكوندريا، أو بالقرب منه. وقد أشاروا إلى أن التضاعف حدث على مقربة من نقطة الاتصال بين المتوكوندريا، والشبكة الإندوبلازمية، وهو ارتباط سبق وصفه في الأصل في خلايا الخميرة5.

تشكِّل الدراسة التي قام بها لويس وزملاؤه قفزة إلى الأمام في فَهْمنا للأمر، من خلال إظهار أيضًا أن بِنْية الشبكة الإندوبلازمية تصطدم بقواعد تنظيم توازن الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا. قام الباحثون بالتلاعب في مستويات بروتينات معينة خاصة بالشبكة الإندوبلازمية، لتحويل بِنْيَتها من الشكل الأنبوبي إلى الشكل شبه المسطح، وقد لاحظوا ـ بواسطة المجهر ـ أن عدد أشباه النوى الخاضعة لعملية تضاعف الحمض النووي قد تَراجَع، على الرغم من عدم حدوث تغيّرات في إجمالي محتوى الميتوكوندريا من الحمض النووي (الشكل 1-ب). وفي رأْينا، يشير هذا العمل ـ للمرة الأولى ـ إلى أن شكل إحدى العضيّات يلعب دورًا في تحديد وظيفة أساسية لعضيّة أخرى مجاورة ومختلفة. ومع ذلك لم توضح بعد هذه الدراسة ما إذا كانت التأثيرات الملاحَظة تحدث نتيجة وساطة مباشرة من مركّب بروتيني يربط الشبكة الإندوبلازمية بالحمض النووي المتضاعف الخاص بالميتوكوندريا، أم أن التأثيرات تحدث نتيجة وساطة غير مباشرة، عن طريق مراسيل غير معروفة.

إن الفكرة القائلة إن شكل العضيّة يمكنه التأثير على وظيفتها فكرة واسعة الانتشار في علم الأحياء، وهي محلّ تصديق عام في حالة الميتوكوندريا1. ومع ذلك لم تسبق الإشارة ـ ولو تلميحًا ـ إلى أن الحفاظ على عمل الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا ونقله ـ وهي عمليات أساسية وضرورية من أجل قيام الميتوكوندريا بوظيفتها، ومن أجل بقاء الخلية ـ يمكنها أن تتأثر بالمدخلات الفيزيائية عند واجهة التفاعل بين الميتوكوندريا، والشبكة الإندوبلازمية. وإضافة إلى وجود علاقة بالأمراض الخاصة بالميتوكوندريا، قد يكون من المهمّ أن يثير هذا العمل تساؤلات حول دور التفاعلات الفيزيائية في "الحوار" المتبادَل بين العضيّات.

هناك أسئلة لا تزال مفتوحة. فمثلًا، من غير الواضح كيف يتحكم الشكل في الوظيفة، وكيف يمكن للقوى الفيزيائية أن تُتَرجم إلى استجابات بيولوجية. أحد الاحتمالات هو أن التغيرات البنيوية في الشبكة الإندوبلازمية قد تعزِّز إعادة تشكيل شبكة الخيوط البروتينية الخاصة بالخلية، التي يُطلق عليها اسم هيكل الخلية، وقد تؤدي بدورها إلى استقدام مكوّنات خلوية معينة، مثل الدهون، أو البروتينات؛ لتشكيل نطاقات دقيقة متخصصة على سطح العضيّة. أما الاحتمال الآخر، فهو أنه ـ اعتمادًا على البنية شبه المسطحة، أو الأنبوبية للشبكة الإندوبلازمية ـ يمكن موضعيًّا استشعار القوى الخارجية والقيود الفيزيائية المتولدة على السطح الخارجي للميتوكوندريا؛ من أجل تعزيز تفعيل برنامج جيني يؤثر على تضاعف الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا. وقد يساعد تحليل الجينات المعبَّر عنها بشكل تفاضلي بالاشتراك مع تغيّرات شكل الشبكة الإندوبلازمية على تمهيد الطريق لدراسات تسعى لتحديد الآليات الكامنة وراء العلاقة بين التواصل مع الشبكة الإندوبلازمية، وعملية تضاعف الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا.

ومن غير الواضح ما إذا كانت جزيئات الربط تشارك في هذه العملية، أم لا. وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الجزيئات المسؤولة؟ إذ إنّ ثمة ربط بين الشبكة الإندوبلازمية والميتوكوندريا في خلايا الخميرة6، وخلايا الثدييات7. ويقتضي إثبات أن تَضَاعُف الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا يحدث في مواقع ربط العضيّات إجراء تجارب جينية لحذف هذه البِنَى الرابطة.

لقد وَسَّع لويس وزملاؤه نطاق فهْمنا لدور الحوار المتبادل بين العضيّات، ليشمل التحكّم في عملية تَضَاعُف الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا من قِبَل الشبكة الإندوبلازمية. ويفتح عملهم مجالات جديدة للبحث؛ من أجل استكشاف كيف يمكن لعضيّة واحدة أن تكون ذات  تأثير قوي وعميق على عضيّة أخرى مجاوِرة.

  1. Pernas, L. & Scorrano, L. Annu. Rev. Physiol. 78, 505–531 (2015).

  2. Lewis, S. C., Uchiyama, L. F. & Nunnari, J. Science 353, aaf5549 (2016).

  3. Jaalouk, D. E. & Lammerding, J. Nature Rev. Mol. Cell Biol. 10, 63–73 (2009).

  4. Friedman, J. R. et al. Science 334, 358–362 (2011).

  5. Murley, A. et al. eLife 2, e00422(2013).

  6. Kornmann, B. et al. Science 325, 477–481(2009).

  7. de Brito, O. M. & Scorrano, L. Nature 456, 605–610 (2008).

// script for altemetric donuts