NATURE | افتتاحيات

تصفية الحسـاب الوراثـي

يحتاج الباحثون إلى إعادة تقييم العديد من الروابط المُسَلَّم بها بين الطفرات والأمراض.

Nature (2016) doi:10.1038/538140a | Published online | English article

تتمثل إحدى النتائج الرئيسة لرابطة تجميع الإكسوم "ExAC" ـ وهي أكبر فهرس للتنوع الوراثي في مناطق ترميز البروتين للجينوم البشري ـ في أن طفرات وراثية عديدة تمت إساءة تصنيفها كطفرات ضارة (M. Lek et al. Nature 536, 285–291; 2016). استنتج الباحثون القائمون على هذه الدراسة أن في جينوم كل شخص ما متوسطه 54 طفرة من الطفرات التي تُعَدّ حاليًّا مسبِّبة للأمراض، ولكن من غير المحتمل أن تتسبب حوالي 41 من هذه الطفرات البشرية الشائعة في أمراض خطيرة بالفعل. وستنعكس آثار تلك النتيجة بصورة كبيرة على بعض الناس الذين لديهم مثل هذه المتغيرات، بما يرفع عنهم أحكام الإعدام الوراثية.

يثير ذلك تَحَدِّيَين أمام الباحثين، هما: تمييز الطفرات التي تُعَدّ حاليًّا مُمْرِضة، وهي في الواقع حميدة، وتطبيق اختبارات أكثر صرامة في البحوث المستقبلية، الهادفة إلى البحث عن الأسباب الوراثية للأمراض.

وسيكون العمل على تحديد أيٍّ من الطفرات مرتبطة فعليًّا بالمرض مهمةً طويلة وشاقة. على سبيل المثال، وجد الطبيب ليزلي بيسيكر ـ اختصاصي علم الوراثة من المعهد الأمريكي الوطني لأبحاث الجينوم البشري في بيثيسدا بولاية ميريلاند ـ أن مريضًا أُحيل إليه للتشخيص، لامتلاكه متغيرًا جينيًّا، تم ربطه بالفشل الكلوي. ومع ذلك اتضح أن المتغير كان شائعًا جدًّا في قاعدة بيانات رابطة تجميع الإكسوم، بما يُستبعد معه تَسَبُّبه واقعيًّا في مرض نادر في الكُلى. فحص بيسيكر تتابعات الجينوم من 950 شخصًا من الأشخاص الذين كان قد سبق له أن قام بفك تَتَابُعاتهم في دراسة تُسمى 

 "K. L. Lewis et al. PLoS ONE 10, e0132690; 2015.) "ClinSeq) وكان لدى خمسة أشخاص منهم المتغير نفسه، وليس لهم تاريخ طبي للإصابة بمرض الكُلى، مما يشير إلى أن المتغير ربما لا يسبِّب فعلًا هذا المرض. وللتقصي حول الأمر بشكل أكبر، بدأ بيسيكر في التواصل مجددًا مع الخمسة مشاركين الذين يحملون المتغير، ليطلب منهم أن يشاركوا في اختبارات متابَعة؛ للتحقق مما إذا كان لديهم وظائف كُلى طبيعية، أم لا، بما يتضمنه ذلك من جمْع عيِّنات متعددة من البول خلال فترة 24 ساعة.

ولإعادة تقييم الروابط بين الأمراض والطفرات، يجب أن تكون لدى الباحثين حرية الوصول إلى مجموعة من الأشخاص الذين لديهم معلومات وراثية وإكلينيكية معروفة بشكل مفصل، وهذا أمر نادر الوجود، كما أنه يستغرق وقتًا طويلًا، وبعض التكاليف. وتصبح التكلفة مضاعَفة عند تطبيق ذلك على أعداد هائلة من المتغيرات "المُمْرِضة" المشكوك في مصداقيتها، ناهيك عن الضغط الهائل الذي يتعرض له الباحثون في هذا المجال؛ فالمسألة بالغة الحساسية، لا سيما أن علماء الوراثة يُطلب منهم يوميًّا إصدار أحكام حول الأضرار التي يمكن أن تُسَبِّبها الطفرات الموجودة في جينومات المرضى. يأمل بيسيكر في أن تساعد المشروعات القائمة، أو المخطَّط لها، لربط جينومات الناس بسجلاتهم الصحية التفصيلية، في تحقيق هذا الهدف. ومِن بين هذه المشروعات مبادرة الرئيس الأمريكي للطب الدقيق، التي تهدف إلى وضع التسلسل الجيني لمليون أمريكي على الأقل، ومشروع المئة ألف جينوم البريطاني.


«هناك كثيرون لم يَجمعوا ما يكفي من الأدلة، قبل القَطْع بأنّ متغيرًا معينًا ضار».

تُظْهِر إعادة التفكير في قدرة الطفرات على الإمراض أنّ الباحثين الذين يبحثون عن الطفرات الوراثية المحتمَل تَسَبُّبها في المرض بحاجة إلى توخي الحذر. ويبدو أن كثيرين لم يجمعوا ما يكفي من الأدلة، قبل القَطْع بأنّ متغيرًا معينًا ضار.

بدأت الجهود المبكرة لاكتشاف الأسباب الوراثية للمرض مع العائلات التي تكررت فيها حالة مرضية معينة، جيلًا بعد جيل. ومِن خلال دراسة سجلات الأنساب الممتدة الخاصة بهم، يمكن أن يرصد الباحثون دليلًا قويًّا على أن هناك طفرات تتسبب في المرض. وفي السنوات الأخيرة، استخدم الباحثون أساليب جديدة، مثل البحث عن أدلة على المتغيرات المُمْرِضة، عن طريق البحث عن الطفرات الأكثر شيوعًا في الأشخاص الذين يعانون من مرض ما، ومقارنتها بالطفرات الموجودة لدى الأصحاء. وبات من الواضح أن هناك اختلافات وراثية بشرية عديدة نادرة نسبيًّا، وعندما لا يدرس الباحثون مجموعات كبيرة بما يكفي من الأشخاص المصابين بالمرض، وغير المصابين به، وذلك عند البحث عن الطفرات المُمْرِضة، فمن المرجَّح أن يستنتجوا ـ عن طريق الخطأ ـ أن متغيرات معينة ستظهر فقط في الأشخاص المصابين بالمرض، بينما قد يتبين أنهم لم يبحثوا عنها بما فيه الكفاية عند أشخاص آخرين.

تنعكس هذه الاستنتاجات على أناس حقيقيين، ولذا يجب على الباحثين التصرف على نحو مختلف. فعندما يشتبهون في أن متغيِّرًا مرتبط بالمرض؛ يجب عليهم أن يتحققوا من مدى شيوعه أولًا، وذلك بالاطلاع على قواعد بيانات مثل التي تملكها رابطة تجميع الإكسوم. والأهم من ذلك.. ينبغي عليهم البحث عن أدلّة على أن للطفرة دورًا وظيفيًّا في المرض، قبل الإعلان عن أنها مُمْرِضة. لقد حان وقت تصفية الحساب.

// script for altemetric donuts