NATURE | افتتاحيات

مـداواة ضحـايـا الصـدمـات النفسيـة

تحتاج الدول المضيفة إلى التعامل مع ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية التي يعاني منها اللاجئون، إذا كانت تطمح إلى دَمْجهم في المجتمع بشكل جيد، وهو ما يمكن أن يعود بالنفع أيضًا على مجال الرعاية النفسية في الدول الغنية.

Nature (2016) doi:10.1038/538139a | Published online | English article

"نحن نستطيع"، هذا ما أعلنته المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في ذروة أزمة اللاجئين، في شهر أغسطس من العام الماضي، وأكدت قائلة: "سنتغلب على الصعاب".

لقي هذا الوعد إشادة واسعة النطاق، وأبدى الشعب الألماني ـ بدوره ـ "ثقافة الترحيب"، ولكنْ في غضون شهور قليلة، ومع دخول مئات آلاف أخرى من اللاجئين إلى البلاد، تحولت هذه العبارة إلى طوق ثقيل حول عنق ميركل، ربما يَهوِي بها إلى القاع. وأصبح لزامًا على ثقافة الترحيب الدخول في مواجهة شرسة مع موجة كراهية الأجانب المتنامية، التي اندفعت؛ لتسبق وصول موجات النازحين.

كانت عبارة ميركل تشير ـ بطبيعة الحال ـ إلى الشعب الألماني، الذي صار مطالَبًا بتوفير المسكن، والتعليم، والوظائف للاجئين، وتقديم الخدمات الصحية لهم، إلا أن تحقيق هذا النطاق المكلف من التكيف الاجتماعي سيشكل تحديًا، يفوق ذلك الذي واجهته ألمانيا إبان إعادة التوحيد عام 1990؛ حيث تمثِّل ألمانيا الوجهة الأكثر جذبًا للاجئين في أوروبا.

ورغم أن مسؤولية مواجهة الأزمة تقع على عاتق اللاجئين أيضًا، فإن النِّقاش العام المحموم بشأن هذه الأزمة يتجاهل ـ بقدر كبير ـ الحالة النفسية الهشة للاجئين، فضلًا عن بعض التحذيرات السياسية الملتبسة، التي تتناولهم بشكل سافر، وتتهم بعضهم بأنهم خَطِرون.

يجب على اللاجئين التأقلم مع واقعهم الجديد، الناجم عن خروجهم من بلادهم؛ هربًا من العنف والخوف، ووصولهم إلى بلد أجنبي خالي الوفاض؛ مما يجعلهم بحاجة إلى عقول مستقرة، تساعدهم على اتخاذ قرارات سليمة بشأن المستقبل، على المديين القريب والبعيد، وتفكير مرن، يعِينهم على التكيف مع بيئاتهم الجديدة، المحبطة في أغلب الأحيان. كما يحتاجون إلى تعلُّم أشياء جديدة بسرعة ـ مثل لغة البلد المضيف، على أقل تقدير ـ لتلبية طموح الاندماج السريع، لكن الضغوط الوجودية التي يتعرض لها اللاجئون في بلادهم، وعلى مدار رحلاتهم المحفوفة بالمخاطر، تتسبب في إلحاق خسائر كارثية بعقول كثير منهم.

تطوُّر العلاج

في تحقيق إخباري نشرته دورية Nature في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر (بمناسبة احتفال العالم في العاشر من أكتوبر باليوم العالمي للصحة النفسية)، بُحِثَ بعض هذه القضايا، وكان الرقم الذي أبرزه العنوان مخيفًا إلى درجة كبيرة؛ إذ أشارت تقديرات علماء النفس الألمان إلى أن أكثر من نصف اللاجئين الذين وصلوا مؤخرًا إلى ألمانيا قد يكونون مصابين باضطراب كرب ما بعد الصدمة، أو الاكتئاب، أو القلق، أو أي اضطراب نفسي آخر، وهو ما لا يمثل أساسًا جيدًا للتغلب على الصعاب، لا سيما فيما يتعلق باتخاذ القرارات، والتكيف، والتعلم؛ حيث تؤدي هذه الظروف الخاصة بالصحة النفسية إلى الحدّ من القدرات الإدراكية، واستنفاد الطاقة والدافع.

ويمتلك أفراد الطواقم الطبية ـ وغيرهم ممن تعاملوا مع المصابين بصدمات نفسية في المناطق النائية التي كانت مسرحًا للحروب، مثل كمبوديا، وفيتنام، وأفريقيا جنوب الصحراء، والبلقان، والشرق الأوسط ـ خبرات جيدة في التعامل مع هذه الحالات. كما نشرت منظمة الصحة العالمية، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في العام الماضي، مبادئ توجيهية جديدة، تؤكد أهمية ملاحظة قضايا الصحة العقلية، ومعالجتها. ورغم ذلك تميل الدول المضيفة إلى عدم إدراك الأبعاد الحقيقية للمشكلة، أو تتجه إلى التأكيد على أن المشكلات المتعلقة بالصحة النفسية يمكن معالجتها بعد توطين اللاجئين، لكنّ اللحظة المناسبة لتقديم الدعم تحين دائمًا إبان أوقات الاضطراب. ويبدو هذا منطقيًّا لأسباب عملية، وإنسانية أيضًا؛ وذلك لضمان وصول هؤلاء الذين فقدوا كل احتمالات العودة إلى أوطانهم إلى حالة الاندماج الكامل بسلاسة.

وهناك مُدُن ألمانية تشرع حاليًّا في تنفيذ بعض البرامج الرائدة والبسيطة؛ لتقديم الدعم النفسي، وسوف تحذو السويد هذا الحذو، ولكن أعداد المصابين بالصدمة تتطلب استثمارًا أكبر في جميع أنحاء أوروبا؛ حيث تشير التقديرات الألمانية إلى أن الاتحاد الأوروبي قد سجل 1.4 مليون حالة طلب لجوء إلى دول الاتحاد على مدار ثمانية عشر شهرًا، حتى شهر يونيو الماضي. وربما تَمَكَّن عدد آخر من اللاجئين ـ يُقَدَّر بمئات الآلاف ـ من الدخول إلى دول أوروبا، دون تسجيل.

وفي وقت يجد فيه كثيرٌ من المواطنين أنفسهم صعوبة في الحصول على خدمات الصحة النفسية، يصعب الترويج لفكرة إعطاء الوافدين الجدد الأولوية. ولذا.. فمن المهم مراعاة مردود ذلك على المجتمع بوجه عام.

«يجب على اللاجئين التأقلم مع واقعهم الجديد، الناجم عن خروجهم من بلادهم؛ هربًا من العنف والخوف».

تعيش أعداد هائلة من اللاجئين المصابين بصدمات نفسية من الشرق الأوسط وأفريقيا داخل مخيمات، في دول تعاني من ندرة في الأطباء النفسيين، إضافة إلى أعداد أخرى لا تزال عالقة في مناطق يشكِّل الوصول إليها خطرًا على عمال الإغاثة. وقد أدى الخوف على مصيرهم إلى تسارع الجهود الرامية إلى تطوير علاجات بسيطة وغير مكلفة، يعتمد بعضها على الإنترنت، أو التطبيقات الحاسوبية، كبدائل (أو مكملات) للعلاجات التقليدية المعتمِدة على الاتصال المباشر. ويقوم أفراد عاديُّون مدرَّبون بإدارة هذه العلاجات؛ لضمان وصولها على نطاق واسع.  

ويرغب علماء النفس الإكلينيكي والأطباء النفسيون الآن في إجراء اختبارات ـ على نحو سليم ـ على هذه العلاجات الجديدة، القائمة على أحدث فهْم للعقل والإدراك، التي يتم تطبيقها على اللاجئين في أوروبا. وبغَضّ النظر عن الإغاثة الفورية التي يمكنهم تقديمها، وما يترتب عليها من إتاحة فرص الاندماج بسرعة أكبر، يوجد سببان رئيسان يشجِّعان على اتخاذ هذا الإجراء، أولهما: أن هذه الجهود ستساعد على تحسين العلاجات، وجعْلها أكثر قابلية للتطبيق في جميع مراكز إيواء اللاجئين في أي وقت، وفي أي مكان تندلع فيهما الحروب. أمّا السبب الآخر، فإن هذه الجهود ستساعد على كسر الحواجز التي تَحُول دون تطبيق مناهج علم النفس الإكلينيكي الحديثة في أوروبا، حيث أصبح هذا التخصص يتسم بالمحافظة الشديدة، وعدم نقد الذات. ويُحْجِم كثيرٌ من علماء النفس عن التفكير في قدرة الأجهزة المحمولة، والمناهج القائمة على الإنترنت على إكمال الدور الذي تقوم به العلاجات التقليدية، ويقاومون بشدة أي تصوُّر عن قدرة الآخرين ـ من غير علماء النفس المؤهلين ـ على تقديم المساعدة. ويمكن أيضًا أن تلهم تجربة اللاجئين بإدخال بعض التحسينات على إمكانات الوصول إلى خدمات الصحة النفسية المحلية؛ وذلك عن طريق تفعيل ـ في ظروف الضرورة ـ نظام جديد يعمل بشكل أسرع، ويواجه عوائق أقل.

يمكن أيضًا تعلُّم الكثير من "التوظيف بنظام الزمالة" المعمول به في ألمانيا، المعروف باسم "Wir zusammen"، أو "معًا"؛ إذ يمثل الدخول إلى سوق العمل أقوى دليل على الاندماج الناجح، لكن هذا النظام يمكن أن يكون محفوفًا بمشكلات متنوعة، وغير متوقعة. ويتألف هذا النظام من مديرين تنفيذيين مسؤولين عن توفير الوظائف، أو المواقع التدريبية للاجئين، الذين يأتون إلى العمل برفقة مرشدين من طاقم العمل (أي متطوعين يشرفون على اللاجئين، ويساندونهم في إنجاز المهام الموكلة إليهم، ويمكنهم مرافقتهم في المواعيد الرسمية). ويمكن لهذا الدعم العملي أن يقلِّل من الضغوط المدمِّرة التي تقوِّض الصحة النفسية للاجئين.

إنّ كلمات مثل "معًا"، و"سنتغلب" تمنح المستمعين شعورًا جيدًا، لكنْ يجب عدم وَسْمها بالابتذال؛ فعندما يتعلق الأمر بالصحة النفسية، تصبح هذه مثل هذه الكلمات مكونًا جوهريًّا.

// script for altemetric donuts