NATURE | أخبار

البعوض المصاب يكافح "زيكا"

تستضيف أمريكا الجنوبية أكبر التجارب حتى الآن، التي تستخدم فيها الحشرات المصابة ببكتيريا وُلْبَكْيا لمكافحة الفيروسات.

إوين كالاوي

Nature (2016) doi:10.1038/nature.2016.20878 | Published online | English article

تُجَنِّد اثنتان من المدن الكبرى بأمريكا الجنوبية البعوضَ المصاب بالبكتيريا؛ لمكافحة فيروس "زيكا". ويُعَدّ هذا الجهد أكبر اختبار يُجرى حتى الآن لطريقة غير تقليدية ـ لكنها واعدة ـ للقضاء على الأمراض المنقولة بالبعوض.

أعلن العلماء في يوم 26 أكتوبر الماضي أن البعوض الذي يحمل البكتيريا "وُلْبَكْيا" Wolbachia – التي تعطِّل قدرة الحشرات على نقل فيروسي "زيكا"، وحمى الضنك، وفيروسات أخرى – سيتم إطلاقه على نطاق واسع في ريو دي جانيرو بالبرازيل، وميدِلِن بكولومبيا، وذلك على امتداد العامين المقبلَين. وسوف يستفيد من نشر الحشرات نحو 2.5 مليون شخص في كل مدينة. يقول فيليب ماكول، وهو متخصص في علم الحشرات الطبية، ويدرس مكافحة البعوض في كلية ليفربول لطب المناطق الحارة، بالمملكة المتحدة: "ثمة فرصة جيدة لأنْ يُحدِث هذا الإجراء تغييرًا حاسمًا في مجريات مكافحة مسبِّبات المرض، وربما سيكون الأكبر منذ استخدام المبيد "دي دي تي".

كانت أعداد صغيرة من البعوض المصاب ببكتيريا "وُلْبَكْيا" قد أُطلِقَت بالفعل في كل من ريو دي جانيرو، وميدِلِن، لكن الممولين الكبار للبحوث الطبية الحيوية أعلنوا الآن عن رصد 18 مليون دولار أمريكي؛ للارتقاء بهذه المجهودات. يقول سكوت أونيل، وهو متخصص في علم الأحياء الدقيقة بجامعة موناش، في ملبورن بأستراليا، ورئيس برنامج استئصال حمى الضنك، الذي يقود عمليات نشر البعوض: "نريد أن ننشر البعوض على وجه السرعة في قطاعات كبيرة من هاتين المدينتين". تضم الجهات التي ستتحمل التكلفة، مؤسسة "بيل وميلندا جيتس" في سياتل بواشنطن، ومؤسسة "وِيلْكَم تراست"، التي تتخذ من لندن مقرًّا لها، وحكومتَي الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة. وتسهم حكومة البرازيل بمبلغ إضافي، قيمته 3.7 مليون دولار، حسب قول أونيل.

بعوضة الزاعجة المصرية (Aedes aegypti) التي تنشر

بعوضة الزاعجة المصرية (Aedes aegypti) التي تنشر "زيكا"، وحمى الضنك، وفيروسات أخرى.

iStock/Getty

مانِعَات الفيروس

تصيب البكتيريا المعروفة باسم وُلْبَكْيا بايبِنتِس (Wolbachia pipientis) حوالي 60% من أنواع الحشرات حول العالم، لكنها في الظروف الطبيعية لا تصيب البعوضة المعروفة باسم الزاعجة المصرية (Aedes aegypti)، وهي النوع الذي ينقل فيروس "زيكا"، وحمى الضنك، وفيروسات أخرى. وتستطيع البكتيريا أن تحدّ من خصوبة عائلها، وتؤثر على جنس نسله. وطبقًا لما اكتشفه أونيل وزملاؤه في أواخر تسعينيات القرن الماضي، يمكن للبكتيريا أيضًا أن تمنع تكاثر الفيروسات في ذباب الفاكهة والبعوض المصاب. وقد طوَّر الفريق لاحقًا مجموعات معملية من "الزاعجة المصرية" المصابة بالبكتيريا.

عندما أُطلقت عشرات الآلاف من هذا البعوض بالقرب من مدينة كيرْنز الصغيرة في شمالي أستراليا في عام 2011؛ انتشرت البكتيريا بسرعة كبيرة بين بعوض "الزاعجة المصرية" المحليّ، ففي غضون أسابيع أُصيب 90% من البعوض في المنطقة المستهدَفة. وفي إندونيسيا وفيتنام لاقت الاختبارات نجاحًا مماثلًا. وليس واضحًا بعد ما إذا كانت هذه الاستراتيجية يمكن أن تقلِّل معدلات الإصابة بحمى الضنك في البشر، أَم لا، لكن فريق أونيل بدأ بإجراء تجربة في مدينة يوجياكارتا في إندونيسيا؛ لاستكشاف الأمر.

بدأ فريق استئصال حمى الضنك بإطلاق البعوض المصاب ببكتيريا "وُلْبَكْيا" في اثنين من أحياء مدينة ريو دي جانيرو في عام 2014، وفي إحدى ضواحي ميدِلِن في عام 2015. تُوقِفُ البكتيريا تكاثرَ فيروس "زيكا"، وفيروس شيكونجونيا (الذي تَسَبَّب في تفشِّي المرض على نطاق واسع في أمريكا اللاتينية ومناطق الكاريبي في عامي 2013، و2014). ويأمل فريق أونيل أن يتمكن عبر النشر المكثف للبعوض من مكافحة تلك الأمراض، بما فيها حمى الضنك، التي أصابت عددًا يُقَدَّر بحوالي 1.6 مليون شخص في البرازيل العام الماضي. ويخطِّط هؤلاء الباحثون لإطلاق البعوض في موجات، وفحص الحشرات؛ لمعرفة مدى إصابتها، وتتبُّع حدوث المرض في المناطق التي يوجد بها بعوض مصاب، وتلك التي تخلو من البعوض المصاب.

ويبحث علماء آخرون أيضًا استخدام بكتيريا "وُلْبَكْيا" لمكافحة البعوض. ففي سنغافورة، يخطط المسؤولون لإطلاق ذكور "الزاعجة المصرية" المصابة بسلالة من "وُلْبَكْيا" تؤدي إلى جعل نسل البعوضة عقيمًا. وتسعى شركة أمريكية للتقنية الحيوية إلى الحصول على الموافقة على استخدام طريقة مشابِهة في مكافحة بعوض قريب من "الزاعجة المصرية"، يُسمى بعوض النمر الآسيوي (Aedes albopictus)، الذي ينقل فيروسي حمى الضنك، وشيكونجونيا. وفي مدينة جوانزو بالصين يُطْلِق العلماء بعوض النمر الآسيوي المصاب بوُلْبَكْيا كلَّ أسبوع، في تجارب حقلية واسعة النطاق. ويُجرِّب علماءٌ في جُزُر بولينيزيا الفرنسية الاستراتيجية نفسها على نوع آخر من بعوض النمر.

الحاجة إلى أدِلَّة إضافية

يقول ماكول إنّ "وُلْبَكْيا" تملك قدرةً مُبهِرة على التغلغل السريع في مجموعات البعوض، لكنّ إثبات أن ذلك يحدّ من إصابات البشر سوف يكون مطلبًا ضروريًّا، قبل أن يتسنى استخدام هذه الطريقة على نطاق واسع. ويضيف قائلًا إنه إذا قُدِّر لبكتيريا "وُلْبَكْيا" أنْ تُحْدِث انخفاضًا ملحوظًا في الأمراض التي ينقلها البعوض، فإنّ التقنية يجب أن تصبح أيضًا معقولة التكلفة، وممتدة التأثير، "وإذا نجحت الطريقة؛ فسوف تكون حدثًا بارزًا حقًّا، ولكنْ قد يتحتم أن تظل فعّالة بعد عشر سنوات".

تتمثل العقبة الأخرى التي تواجه الاختبارات في ريو دي جانيرو، وميدِلِن في حجم المدينتين، وخصوصًا مدينة ريو، بأحيائها المكتظة بالسكان، التي يصعب الوصول إليها، وذلك حسب قول ماكول، لكنّ مايك تيرنر ـ المدير التنفيذي للعلوم في صندوق "وِيلْكَم تراست" ـ يقول إنه إذا تبين أن "وُلْبَكْيا" تستطيع مكافحة "زيكا"، وحمى الضنك، وشيكونجونيا في مثل تلك البيئات، "فسيكون هناك حافز قوي جدًّا لعمل الإجراء نفسه في عدد من المدن الكبرى الأخرى". ويضيف قائلًا إنّ النشر الموسَّع للبعوض المصاب ببكتيريا "وُلْبَكْيا" يُحتمل أيضًا أن يتوقف على دعم منظمة الصحة العالمية للأمر.

يقول أونيل، الذي أمضى فريقُه سنواتٍ في التعامل مع المجتمعات في أستراليا قبل نشر البعوض هناك، إنّ الدعم الجماهيري يمكن أن يصنع – مثلما يمكن أن يحطِّم – طريقة "وُلْبَكْيا". ويشير أيضًا إلى أن "وُلْبَكْيا" واسعة الانتشار بالفعل بين الحشرات، وهي لا تستطيع إصابة البشر. وفي أستراليا، وَظَّفَ الباحثون تلاميذ المدارس، وأطلقوا عليهم لقب "محاربي وُلْبَكْيا"، لكي يُربُّوا بيض البعوض في المنازل، ويتعلموا الكثير عن كيفية نموه، ثم ليُطْلِقوه بعد ذلك.

وفي كولومبيا، عمِلَ فريق استئصال حمى الضنك مع عائلاتٍ عُرفت بعائلات "كاسا وُلْبَكْيا" Casa Wolbachia، التي ساعدت في عمليات إطلاق البعوض، حتى إنّ الفريق كَتَبَ أغان عن "وُلْبَكْيا"، تُغَنَّى على أنغام موسيقى "السالسا"، حسب قول الباحث الرئيس المشارك، جورج أوسوريو، المتخصص في علم الأمراض بجامعة ويسكونسن ماديسون، الذي يضيف قائلًا: "لقد جعلنا تلك المجتمعات تطلب منا نشر المزيد من البعوض".

// script for altemetric donuts