NATURE | افتتاحيات

بقع وخطوط

فك رموز الجينات المؤثرة على تشكيل الأنماط الظاهرة على فراء الثدييات.

Nature (2016) doi:10.1038/539005b | Published online | English article

يروي الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس حكاية الكاهن الآزتكي تزيناكان، الذي اعتُقل من قِبَل الفاتح بيدرو دي ألفارادو. في الزنزانة المجاورة له كان يقبع نمر مرقط.. وأصبح تزيناكان مقتنعًا بأن البقع الظاهرة على فراء هذا النمر ليست عشوائية، بل تتضمن رسالة من ربه بأنه إنْ استطاع فك رموزها؛ فستكون مفتاح هروبه من السجن. ويمكن لأي قارئ لأعمال بورخيس أن يتعلم مع الوقت كيف يقدِّر هذا المزج المرح بين الحقيقة والخيال في أعماله. فمِن بين مجموعة الشخصيات الصغيرة في رائعته "La Escritura de Dios"، أو "مخطوطة الرب"، كان ألفارادو شخصًا حقيقيًّا، بينما كان تزيناكان ـ في الغالب ـ شخصًا خياليًّا من بنات أفكاره؛ إلا أنه في أعمال بورخيس لا يمكنك التيقن من شيء كهذا، لكن النمور المرقطة موجودة بالفعل، وكغيرها من الثدييات.. تُظْهِر نمطًا من البقع الفاتنة والجذابة.

إنّ فهْم أصل أنماط النقوش الملونة التي تظهر على فراء الثدييات هو مشكلة دائمة في مجال علم الأحياء. فالحيوانات الأخرى تعتمد في ذلك على مجموعة من الأصباغ، بل وتستخدم تأثيرات بصرية، مثل "التقزُّح اللوني"؛ لإظهار لمعة لونية، على الرغم من أن فراء الثدييات هو ـ في الأساس ـ أحادي اللون. وقد تحتوي رقعة جلد على خلايا ميلانية، وقد تخلو منها.

في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر الماضي، نشر باحثون تقريرًا في دورية Nature حول التقدم المحرَز في حل المشكلة المتعلقة بالفأر الأفريقي المخطط Rhabdomys pumilio (R. Mallarino et al. Nature http://dx.doi.org/10.1038/nature20109; 2016).

يَظهر على جلد هذا المخلوق خطّ على كل من جانبي عموده الفقري، يبدو كل منهما كخط من الشعر ذي اللون الفاتح بين خطين متاخمين من الشعر شديد السواد، بينما باقي جسد الفأر له لون متوسط الدرجة، فيما عدا بَطْنه باهت اللون. ويبدأ هذا التمثيل اللوني في الظهور قبل مولد الفأر بفترة طويلة.

ويرجع الاختلاف في ذلك إلى التعبير الجيني. فالخطوط البيضاء غنية بنتاج عملية النسخ بعامل النسخ Alx3، الذي يحدّ من أنشطة جين يُدعى Mitf. وفي حالة عدم إعاقته، يسمح هذا الجين للخلايا الميلانية بالتمايز؛ وإنتاج صبغة داكنة.

وكما هو الحال دائمًا مع الكائنات النموذجية، نجد أن R. pumilio يختلف اختلافًا كبيرًا عن فئران المختبرات، بل وحتى النوع المخطط من السناجب "الصيدناني المخطط" Tamias striatus مستبعَد أكثر. يتصل "الصيدناني المخطط" أكثر بفصيلة السناجب عن الفئران، فقد كان آخِر جد مشترك بينه وبين الفئران يعيش في عصر الديناصورات. ورغم ذلك.. فإن تشكيل الخطوط على فراء هذا الحيوان محكوم ـ في الأساس ـ بالعملية نفسها التي تشكِّل النمط الظاهر على جلد الفئران، رغم أن الآليات ربما تكون قد تطوَّرَت بشكل مستقل في كل حالة على حدة.

تُظْهِر دراسة حيوان "الصيدناني المخطط" جينات أخرى معنيّة بالأمر أيضًا.. فالتعبير عن جين يُدعى Asip في المناطق ذات اللون الفاتح، وآخَر يُدعى Edn3 في المناطق الداكنة أكثر، يبيِّن أن تشكيل الأنماط اللونية لا يرجع إلى تفاعل جيني مفرد. وكما نعلم.. يشكِّل نشاط الجين Edn3 وغيره من الجينات خطة تمثيل البقع والخطوط اللونية في القطط، بدءًا من القط العتابي، حتى الفهود (C. B. Kaelin et al. Science 337, 1536–1541; 2012)؛ وبالتالي من المفترَض أيضًا أن يكون كذلك في فراء النمر المرقط، الذي تاق تزيناكان إلى فك رموزه.

ويظل أمامنا الكثير لنتعلمه.. فالخطوط الظاهرة على فراء الفئران وحيوان الصيدناني المخطط لا تظهر في الأماكن نفسها، وما زال يستعصي على العلماء فَهْم سبب ظهور خط واحد فقط على فراء فأر العشب Lemniscomys rosalia، بينما يظهر على فراء سنجاب الأرض Ictidomys tridecemlineatus ثلاثة عشر خطًّا.. فمخطوطة الرب تأتي بلهجات متعددة.

"شذوذ اصطباغ الجلد قد يكون أحيانًا مؤشرًا على وجود اعتلال أعمق".

إنّ اصطباغ الجلد سطحيٌّ – بالمعنى الحرفي – إلا أن الجينات التي تشكِّل هذه الأنماط غالبًا ما تكون لها أغراض أخرى أكثر تعمقًا.. فجِلْد وشَعْر الفقاريات مستمدّان من العرف العصبي، وهو نوع من الأنسجة الجنينية التي تتفرد بها الفقاريات، والتي تنتقل من حافة الصفيحة العصبية، وتُطوى لأعلى؛ لتشكِّل الحبل الشوكي، وتتفاعل في أثناء ذلك مع الأنسجة في كافة أنحاء الجسد؛ لتشكِّل هياكل لا يوجد لها مثيل في مملكة الحياة. ولا يقتصر عمل العرف العصبي على تكوين الشَّعْر، والأسنان، والجلد، بل يمتد ليشمل قائمة طويلة من الأشياء الأخرى، بدايةً من عظام الوجه، حتى الأعصاب التي تبطِّن الأمعاء، وأجزاء من القلب والغدد الكظرية، وغيرها من المكونات المهمة الأخرى لأعضائنا الحسية. ويفسِّر ذلك السبب وراء كون شذوذ اصطباغ الجلد أحيانًا مؤشرًا على وجود اعتلال أعمق، ويشرح السبب وراء كون القطط البيضاء أكثر عرضة ـ عادةً ـ لأنْ تكون صماء.

 وبالتالي، فقد اتضحت أمور كثيرة حول Alx3. وتُظْهِر الفئران التي تعاني من نقص في هذا الجين مجموعة من العيوب في عملية انغلاق الأنبوب العصبي، التي يتم الحدّ منها باستخدام حمض الفوليك (S. Lakhwani et al. Dev. Biol. 344, 869–880; 2010). وقد يفسِّر ذلك السبب وراء تعرُّض الأمهات اللاتي لديهن نقص في هذا الفيتامين لخطر ولادة أطفال مصابين بالسِّنْسِنَةُ المَشْقُوقة (‎spina bifida). وقد لُوحِظ مرة أخرى في البشر أنّ الطفرات المرتدة في ALX3 تنتِج سلسلة من تشوهات الوجه، تُدعى "frontorhiny"، وترتبط كذلك بفشل عظام الوجه في التلاحم بشكل سليم (S. R. F. Twigg et al. Am. J. Hum. Genet. 84, 698–705; 2009). إنّ مخطوطة الرب تمتد بعمق عبر كثير من الطبقات.

والسؤال الآن، هل تَمَكَّن تزيناكان في النهاية من فك رموز مخطوطة الرب؟ الإجابة هي: نعم؛ فقد تَضَمَّن فراء النمر المرقط تعويذة؛ إذا ما تمت قراءتها بصوت عال؛ فستجعل السجن يتلاشى، لكن تزيناكان اختار عدم استخدامها، لأنه في أثناء عملية فك الترميز، أصبح هو ذاته إلهًا.

// script for altemetric donuts