NATURE | تحقيق إخباري

مقاومة المضادات الحيوية: الملاذ الأخير

يراقب المسؤولون عن الصحة العامة بِفَزَعٍ كيف أصبحت البكتيريا تقاوم المضاد الحيوي القوي (كاربابينيم)، وهو أحد آخر العقاقير الفاعلة المتاحة.

مارين مَكِّينا

Nature (2013) doi:10.1038/499394a | Published online | English article

كبر الصورة

كقاعدة عامة، يحاول كبار المسؤولين بمجال الصحة العامة تجنُّب استخدام الأوصاف الكارثية. لذلك.. كان مقلقًا سماع توماس فريدن، وسالي ديفيز يحذِّران من «كابوس» صحي، و«تهديد كارثي» قادِمَيْن خلال أيام قليلة. كان هذان التحذيران في شهر مارس الماضي.

وكان رؤساء الوكالة يتحدثون عن زيادة مضطردة لفئة مغمورة من البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية، هي البكتيريا المعوية المقاومة لكاربابينيم (CREs). وتشبِّه ديفيز ـ المسؤول الصحي الأول بالمملكة المتحدة ـ خطورة هذه البكتيريا المعوية بخطورة الإرهاب (انظر: Nature 495, 141; 2013). يقول فريدين، مدير مراكز مكافحة الأمراض ومنعها (CDC) بأتلانتا، جورجيا: «لدينا مشكلة خطيرة جدًّا، ونحتاج إلى دق ناقوس الخطر».

كان لأسلوبهم المخيف مسوِّغاته.. فهذه البكتيريا تسبب عدوى بالمثانة والرئة والدم، وقد تتحول إلى صدمة إنتانِيَّة تهدد الحياة. تتجنب هذه البكتيريا تأثير جميع المضادات الحيوية تقريبًا ـ بما فيها (كاربابينيم) الذي يُعتبر من عقاقير الملاذ الأخير ـ وتسبب وفاة حوالي نصف المرضى المصابين بها. في الولايات المتحدة، وُجِدت هذه البكتيريا في %4 من إجمالي المستشفيات، و%18 من تلك التي تقدِّم رعاية حاسمة طويلة الأمد. ويتنبأ تحليل ـ أُجْرِي بالمملكة المتحدة ـ بأنه إذا أصبحت المضادات الميكروبية غير فعّالة، فقد تنتهي العمليات الجراحية التي تُجْرَى يوميًّا ـ كجراحات استبدال مفصل الورك، مثلًا ـ بالوفاة، بمعدل حالة من بين كل ست حالات1.

قصدت اللغة التي استخدمها ديفيز وفريدين كسر حالة عدم المبالاة التي يستقبل بها الجمهور الأخبار المتعلقة بمقاومة المضادات الحيوية، إلا أنها ـ بالنسبة إلى مراقبين عن كثب ـ أثارت أيضًا مسحة من الغضب. وقد تم التعرف أول مرة على هذه البكتيريا منذ حوالي 15 عامًا، لكنها لم تصبح من أولويات الصحة العامة إلا مؤخرًا، وربما لم يُـقدِّر الأطباء التهديد الذي تطرحه. وحسب آراء المراقبين، فبالنظر إلى الوراء؛ فسنجد دروسًا مستفادة للباحثين والعاملين بالرعاية الصحية حول كيفية حماية المرضى، وللمستشفيات كذلك التي لم تظهر فيها تلك البكتيريا بعد.

يقول ألكسندر كالن، خبير الوبائيات الطبية بمراكز مكافحة الأمراض ومنعها: «لم يفت أوان التدخل ومنع هذه البكتيريا من الانتشار أكثر». وفي الوقت ذاته، يسلم بأن تلك البكتيريا ستكون موجودة بأماكن كثيرة إلى الأبد.

إنّ الإدراك المتأخر هو مفتاح قصة هذه البكتيريا، فقد جاء إدراك وجودها متأخرًا. في عام 2000، كان الباحثون يمحِّصون تحليلات برنامج المراقبة المسمى «وبائيات مقاومة مضادات الميكروبات بالعناية المركزة (ICARE)»، الذي استمر ستة أعوام يراقب وحدات العناية المركزة؛ لاكتشاف أي عوامل مقاومة غير عادية. ومن مجموعة العيِّنات البيولوجية المتراكمة بالبرنامج، تعرّف العلماء على واحدة من العائلة البكتيرية المعوية Enterobacteriacea، المقيمة بالأمعاء. هذه العينة بالتحديد ـ من كليبسيلّا نيومونيا، أحد أسباب العدوى الشائعة بوحدات العناية المركزة ـ تم أخذها من مريض بأحد مستشفيات نورث كارولاينا في عام 1996 (المرجع 2)، وكانت مقاومًا ضعيفًا لمضادات كاربابينيم الحيوية، وهي فئة من المضادات الحيوية القوية واسعة الطيف، تم تطويرها في الثمانينات.

ظلت المضادات الحيوية تتعرض للمقاومة، طالما استخدمها الناس؛ وقد حذَّر ألكسندر فليمنج ـ مكتشِف البنسلين ـ من إمكانية حدوث ذلك لدى تسلمه جائزة «نوبل» في عام 1945. ولإدراكهم ذلك، كان الأطباء يستخدمون الأدوية الأكثر فاعلية باعتدال، فالترشيد الحذر في استخدام ڤانكومايسين مثلاً ـ وهو مضاد حيوي قوي ـ أدى إلى تأخير نشوء مقاومة البكتيريا ضده لثلاثة عقود. ويعتقد الباحثون أن الاستخدام الحصيف للمضادات الحيوية سيحافظ على فاعلية الملاذ الأخير الباقي منها، كعائلة مضادات كاربابينيم، الفاعلة منذ عقود.

هذا.. وقد قلبت سلالة بكتيريا كليبسيلا بنورث كارولاينا الفكرةَ رأسًا على عقب، فأنتجت إنزيم كاربابينيميز كليبسيلّا نيومونيا (KPC)، الذي فكك مضادات كاربابينيم. والأكثر من ذلك.. يقع الجين المُرمِّز للإنزيم في البلازميد، وهو جزء من الحمض النووي يستطيع الانتقال بسهولة من بكتيريا إلى أخرى. وهكذا نشأت المقاومة ضد عائلة كاربابينيم.

ومع ذلك.. اعتبر علماء الأحياء المجهرية أول الأمر تلك البكتيريا حالة وحيدة. يقول جين باتيل ـ عالم الأحياء المجهرية، الذي يعمل حاليًا نائبًا لمدير مكتب مقاومة المضادات الميكروبية بمراكز مكافحة الأمراض ومنعها ـ إنّ العاملين بالمركز تمت طمأنتهم بحقيقة أنّ العينة جُمعت منذ أربعة أعوام وأنّ اختبار ما تبقى في الأرشيف لم يُظْهِر أمثلة مقاوِمة أخرى. يقول باتيل: «لم يكن الأمر عدم وجود اهتمام بالبحث عنها»، بل كان التوجه في ذلك الوقت أنّ «لدينا نظامًا للتعرف عليها، ويعمل بنجاح. وفي حال حدوث المزيد؛ سنقف على الأمر».

لقد كان برنامج المراقبة التابع للمراكز محدودًا، حيث إنه رصد 41 مستشفى فقط من قرابة 6 آلاف، كما أن تحليلاتها تأخرت كثيرًا بعد جمع العينات. لذلك.. عندما ظهرت المقاومة ضد كاربابينيم مرة أخرى، مضت أعوام قبل أن يلاحظها أحد.


اتجاه كارثي

يجتذب مركز «داونستيت» الطبي في بروكلين، التابع لجامعة ولاية نيويورك، المرضى من أفقر المناطق السكنية بمدينة نيويورك. ولهذا.. يميل إلى كونه المكان الذي تظهر فيه الاتجاهات والاحتياجات الصحية الماسّة. ويُجْرِي الأطباء هناك رقابة خاصة بهم على البكتيريا؛ لفحص أي مخاطر عدوى ناشئة، وذلك ليس جزءًا من برنامج (ICARE) التابع لمراكز مكافحة الأمراض ومنعها. ففي عام 2003، رصدت مراجعة لنتائج مختبر الأحياء المجهرية بالمركز ومختبرات أخرى متعاونة بمستشفيات قريبة شيئًا لم يره أطباء المدينة من قبل.. فعلى مدار الأعوام الستة السابقة، تم تشخيص إصابة حفنة من المرضى من سبع مؤسسات بعدوى كليبسيلا، التي كانت مقاوِمة لمضادات كاربابينيم جزئيًّا. يقول جون كويل، الباحث الطبي بمركز داونستيت: «كانت هذه حالات نادرة تحلِّق بعيدًا عن نطاق الملاحظة»، و«بحلول الوقت الذي اكتشفناها فيه، عمَّ انتشارها».

كانت حالات العدوى خطيرة جدًّا. فقد توفي 9 من 19 مريضًا لدى انتشار العدوى بأحد مستشفيات بروكلين. وفي مستشفى آخر، تضاعفت حالات الإصابة بالعدوى من حالتين إلى أكثر من 30 في ستة أشهر فقط، رغم اتخاذ تدابير صارمة لمكافحة العدوى. وانتشر الكائن الحي في المدينة، من مستشفى هارلم بالطرف الشمالي لمانهاتن إلى مستشفى ماونت سيناي بأعلى الجانب الشرقي، ثم إلى مستشفى سانت فنسنت بقرية جرينيتش بالجنوب، حيث توفي مريض بعدوى كليبسيلا، رغم استخدام الأطباء ما بجعبتهم من عقاقير لمكافحتها.

ويُعَدّ أحد أسباب الانتشار السريع جدًّا للسلالات البكتيرية المقاوِمة صعوبة اكتشافها. فمعظم مختبرات الأحياء المجهرية الإكلينيكية لم تعد تبذل جهدًا في زراعة البكتيريا أيامًا؛ لتحديد العقاقير التي تؤثر فيها، وعوضًا عن ذلك.. هناك أنظمة آلية تُعَرِّض البكتيريا لتركيزات متدرجة من العقاقير، وتستطيع إعطاء نتائج خلال ساعات. أدرك كويل وزملاؤه أن هذه الاختبارات كانت تعطي نتائج مضللة، وتسبِّب وصف الأطباء لجرعات أو عقاقير غير فعّالة للمرضى. وبسبب عدم القضاء على العدوى، يمكن أن تنتقل السلالة المقاوِمة من شخص إلى آخر. وبحلول عام 2007، وصلت نسبة بكتيريا كليبسيلا الحاملة للبلازميد المقاوِم لمضادات كاربابينيم بمدينة نيويورك إلى %21، بينما يبلغ متوسط نسبتها %5 بباقي الولايات المتحدة3.

يشير هذا الانتشار السريع إلى أن البكتيريا المعوية المقاومة لكاربابينيم كانت تنتقل من شخص إلى آخر، بدلًا من الظهور بشكل مستقل في كل موقع. وكان هذا منطقيًّا. وهناك الكثير من فصيلة البكتيريا المعوية، بما فيها كليبسيلا، يقيم في الأمعاء ويمكن بسهولة أن يحملها مريض، دون ظهور أعراض. ولدى إصابة المرضى بالإسهال، مثلما يحدث غالبًا بعد إعطاء المريض أدوية أثناء الرعاية المركزة، قد تنتشر البكتيريا المعدية أكثر، ملوثةً الأجهزة، أو أيدي مقدمي الرعاية داخل المستشفى وخارجها. لهذا.. كان سهلًا تصوّر ركوب البكتيريا المُعدية مترو الأنفاق من بروكلين إلى مانهاتن، إلا أن الأمر تطلَّب بضع سنوات، ومستوى أوسع لتتفشى. ولتوضيح مدى انتقال البكتيريا، (انظر: «حركة المقاومة»).


انتشار سريع

في نهاية عام 2005، تم تشخيص إصابة مريض بمركز سوراسكي الطبي بتل أبيب ببكتيريا كليبسيلا تحمل الجين الذي ينتج إنزيم KPC، وكانت وثيقة الصلة بسلالة نيويورك. وفي خلال أشهر، عصفت عدوى هذه البكتيريا بالمستشفى، ثم بنظام الرعاية الصحية المحكم الصغير بإسرائيل. وبحلول مارس 2007، كانت هناك 1275 حالة إصابة على مستوى الدولة4. وكانت الحالات تصل بدورها عبر شبكة من المستشفيات، ودور النقاهة، وعيادات الغسيل الكلوي، ومراكز إعادة التأهيل.

يوضح ميتشيل شوابر ـ طبيب مكافحة العدوى بفريق سوراسكي لدى ظهور وباء بكتيريا كليبسيلا الحاملة لجين إنزيم (KPC) ـ كيف أن إسرائيل كانت تعاني نقصًا في الأسِرَّة المخصصة لرعاية العدوى الحادّة. ويضيف: «كلما أمكن صرف مريض، خاصة من قسم الباطنة، يتم صرفه فورًا؛ مما يؤدي إلى كثرة تنقل المرضى من مُرافِق رعاية العدوى الحادة إلى مُرافِق الرعاية طويلة الأجل، ثم عودته مرة أخرى إلى المستشفى نفسه، أو غيره».

واستجابةً لذلك.. أنشأت وزارة الصحة الإسرائيلية فرقة عمل خاصة؛ للتعامل مع تلك البكتيريا، برئاسة شوابر. وطلبت تلك الفرقة تقارير مراقبة يومية بالبريد الإلكتروني، ووضعت تدابير عزل احتياطية صارمة، تتضمن عنابر ومعدات وأطقم تمريض مخصَّصة لذلك. وتم دعم القواعد الجديدة بالتفتيش المفاجئ، وتحليلات مخبرية إلزاميّة؛ للتحقق من مصدر العدوى الجديدة.

وبحلول منتصف عام 2008، كانت إسرائيل قد عكست الاتجاه المتصاعد لبكتيريا كليبسيلا المقاومة للمضادات، إلا أن هذه المكافحة تأخرت كثيرًا؛ فلم تمنع الميكروب من الهجرة، فقد جَلَب المرضى والأطباء والممرضون بكتيريا كليبسيلا الحاملة لجين إنزيم KPC إلى إيطاليا، وكولومبيا، والمملكة المتحدة، وأبعد من ذلك.


نداء تحذيري

في يناير 2008، تم التعرف على سلالة بكتيريا كليبسيلا نيومونيا المقاومة لعدة عقاقير، بينها مضادات كاربابينيم، في مزرعة بول لعينة أخذت من رجل عمره 59 عامًا، يتلقى العلاج بمستشفى بالسويد5. وبدلًا من استخدام إنزيم KPC، فككت البكتيريا المضادات الحيوية باستخدام إنزيم مختلف، هو ميتالّو–β–لاكتاميز. وخلال ثلاثة أعوام، تم التعرف على حالات أخرى مصابة ببكتيريا حاملة لهذا الإنزيم ببريطانيا وأمريكا. تطلَّب هذا الأمر تحذيرًا فوريًّا: فهذه البكتيريا كانت أكثر مقاومة للمضادات الحيوية كاربابينيم من بكتيريا كليبسيلا الحاملة لإنزيم KPC، كما تضمنت أنواعًا أخرى من البكتيريا المعوية، كالإشريكية القولونية.

في البداية، كان لمعظم الأشخاص الحاملين للبكتيريا ذات العامل المقاوم الجديد علاقة بعيادات في الهند، عبر سياحة علاجية، أو رعاية طبية مطلوبة أثناء السفر. وطبقًا لأعراف التصنيف، سمى الأطباء الإنزيم الجديد: ميتالو–β–لاكتاميز نيودلهي (NDM)، نسبةً إلى ما يُعتقد أنه مكان إصابة المريض السويدي الأول. وقد أثار ذلك الاسم جدلًا غير متوقع، فالإعلام والبرلمان الهنديان أدانا التسمية، لكونها وصمة لصناعة السياحة العلاجية بالهند. أدى العمل التالي للفريق الذي اكتشف إنزيم نيودلهي إلى زيادة الغضب، عندما أكّدَ وجود بكتيريا حاملة للإنزيم بمياه الصرف ومياه البلدية بجنوب آسيا6. (انظر: Nature http://doi.org/dgcs33; 2011).

حجب ذلك الجدال الدلالة الحقيقية لإنزيم نيودلهي، فلم يعد يقتصر الأمر على ظهور آلية جديدة للمقاومة، بل كانت البكتيريا المعوية المقاوِمة لكاربابينيم تزدهر خارج أسوار المستشفيات.

ظل الباحثون يجاهدون لمعرفة كيفية انتشار البكتيريا المنتجة لإنزيم نيودلهي تحديدًا. وفي النصف الثاني من عام 2012، اكتشف باحثون بمستشفى جامعة كولورادو في أورورا أن مستشفاهم استضاف ـ بغير علم ـ ثمانية مرضى مصابين ببكتيريا كليبسيلا المنتجة لإنزيم نيودلهي، وهو أكبر تجمع بالولايات المتحدة آنذاك. وتم اكتشاف الحالات الثلاث الأولى ـ وكان جميعها مرضى التهاب رئوي ـ أثناء مراجعة روتينية لعينات طبية. وعندما صَعَّدت المستشفى البحث، وجدت خمسة آخرين حاملين للبكتيريا، دون ظهور أعراضها عليهم.

تتذكر ميشيل بارون ـ وهي طبيبة مكافحة العدوى بالمستشفى ـ قائلة: «لم يكن هناك نمط واضح مشترك»، فقد «بقي المرضى بالمستشفى فترة طويلة، وبوحدات مختلفة، وليس هناك جهاز واحد بالمستشفى استخدموه جميعًا».

وحتى عندما قامت مراكز مكافحة الأمراض ومَنْعها بدراسة تسلسل جينوم البكتيريا المأخوذة من المرضى الثمانية، لم تكن المعلومات كافية لتفسير كيفية انتشار البكتيريا. افترضت بارون وجود «مريض شبح» بالمستشفى في ذلك الوقت، وأفلت من اكتشاف شبكة المراقبة. وما زالت بارون تبحث عن ذلك الشخص، وتحاول المستشفى استدعاء المرضى الذين عولجوا خلال تلك الفترة الحاسمة (1,700 مريض)؛ لأخذ عينات منهم.

انتهت الحادثة بسلام، حيث لم يمرض الخمسة الحاملون للبكتيريا، وشُفِيَ المرضى الثلاثة الآخرون. وبمجرد إحاطة المستشفى بعنقود العدوى هذا؛ لم تنتشر العدوى أكثر. وقد لا يحالفهم الحظ هكذا في المرة القادمة.

وهناك تهديدات جديدة في الطريق. فقد اكتشف الباحثون عوامل مقاومة أخرى لمضادات كاربابينيم، تنتقل عبر الكوكب؛ ظهر أحدها فعلًا بالولايات المتحدة، وأخرى متجمعة بجنوب أوروبا وأمريكا الجنوبية. ويُتوقع أن يشكل اكتشافها تحديًا جديدًا، لاختلافها جينيًّا عن بعضها. يقول خبراء الأمراض المُعْدِية إنهم تعلموا دروسًا مهمة من البكتيريا المعوية المقاوِمة لكاربابينيم، فالبكتيريا المقاومة للعقاقير يمكنها أن تظهر وتنتشر بأسرع من أن تلتقطها أنظمة رقابة الصحة العامة غير المُحْكَمة وأساليب الاكتشاف المخبرية القديمة، كما أنّ الإجراءات التي تبدو كافية لمكافحة العدوى لا يمكنها دائمًا احتواء انتشارها.

وتحاول دول عديدة الاستفادة من تلك الدروس.. فالمستشفيات في إسرائيل الآن تمارس «رقابة نشطة»، أي أنه إذا كان مريض جديد قد عولج بأي مؤسسة علاجية خلال الستة أشهر السابقة، يتم فحصه وإجراء تحاليل الـبكتيريا المعوية المقاومة لكاربابينيم له. ولَدَى ظهور نتائج تحاليل موجبة لأي شخص، يتم تصنيفه كحامل لتلك البكتيريا في سجلات الصحة الوطنية التي يمكن للمستشفيات ودور النقاهة والأطباء الوصول إليها. اتبعت فرنسا والمملكة المتحدة قواعد مشابهة، لكنّ دولًا كثيرة ـ للأسف ـ لا تفعل ذلك. وكان المركز الأوروبي لمنع الأمراض ومكافحتها في استوكهولم قد نشر ـ في شهر يوليو الماضي ـ تقييمًا ذاتيًّا صريحًا لتسع وثلاثين دولة أوروبية حول العبء الذي تمثله تلك البكتيريا، وقدرتها على مواجهة هذه الكائنات7. قالت 21 دولة فقط إنها حققت ذلك التنسيق الوطني، الذي أتاح لإسرائيل احتواء وبائها.

وتدير الولايات المتحدة أنظمة رقابية متنوعة.. فمراكز مكافحة الأمراض ومنعها تبحث عن الـبكتيريا المعوية المقاومة لكاربابينيم، من خلال ثلاث شبكات بيانات منفصلة، لكنّ أيًّا منها لا يغطي كل البلاد. وكانت تسع ولايات ـ على الأقل ـ قد فرضت إبلاغ وزارات الصحة بها عن أي حالات إصابة بالبكتيريا. وأعدت مراكز مكافحة الأمراض ومنعها حقيبة أدوات قوية تضم أفضل الممارسات لوزارات الصحة والمستشفيات، كتقييد مهام الموظفين، واستخدام المعدات بالمستشفيات، وتحديد حالات العدوى بالرعاية طويلة الأمد، التي تغذي المستشفيات بالمرضى. وقد ساعدت تلك التدابير مؤسسات الرعاية الصحية بولايتي إلينوي، وفلوريدا على منع تفشي العدوى في عامي 2008، و2009.


خيارات محدودة

في الوقت نفسه، تحسنت أساليب الكشف المخبري؛ فاستخدام مراكز مكافحة الأمراض للتتابع الجينومي الكامل لحل حادثة كولورادو، كان أول مرة تنشر فيها المراكز هذه التقنية لتناول العدوى بمستشفى. وتعززت قدرة إدارات الصحة العامة على رصد التهديدات بجرعات مالية فيدرالية، بعد الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في سبتمبر من عام 2001، وهجمات الجمرة الخبيثة لاحقًا، وفي حزمة تحفيز 2009، إلا أن هذه الاستثمارات قد تتراجع خلال الخفض الراهن للميزانية الفيدرالية.

ولسوء حظ الأطباء المنخرطين في حالات انتشار العدوى أنه لا تتوفر لديهم أدوية أفضل من تلك المتاحة لدى أول ظهور للبكتيريا المعوية المقاوِمة لكاربابينيم. تستجيب بعض البكتيريا لعقارين: تايجسَيْكلاين tigecycline، وكوليستين colistin (يسمى بوليمِكسِن إي polymyxin E)، لكنهما لا ينفعان مع كل المرضى، ويُعْرَف عن كوليستين إتلاف الكلى. ويَجِد الأطباء أنفسهم حائرين بين استخدام أدوية سيئة، وعدم استخدام أدوية مطلقًا.

لا يُتوقع توفّر أدوية جديدة سريعًا، بل إنّ اضطراد مقاومة البكتيريا، والحاجة إلى استخدام هذه الأدوية باعتدال أقنعا شركات الدواء بأنّ المضادات الحيوية لا تستحق الاستثمار. وهذا يعني أنْ تظل ـ كما يقول خبراء الأمراض المعدية ـ أفضل أدواتهم للدفاع عن المرضى تلك التي تعتمد على أداء العاملين بالصحة: غسل الأيدي، وارتداء القفازات والزي الطبي، والتنظيف البيئي الصارم، لكنْ لم يُهْتَمّ بالأبحاث التي يمكن أن تؤدي إلى تحسين أفضل الممارسات، حسب قول إيلي بيرينسيفيتش، طبيب الأمراض المعدية، وخبير الوبائيات بجامعة أيوا، أيوا سيتي، الذي يدرس كيف تتحرك البكتيريا المقاوِمة حول المستشفيات. ويضيف قائلًا: «لم نستثمر في أبحاث تتناول كيفية الوصول إلى أمثل الممارسات المعيارية لمكافحة العدوى. ونكتفي بِلَوْم العاملين بالرعاية الصحية عندما يخطئون».

  1. Smith, R. & Coast, J. Br. Med. J. 346, f1493 (2013).

  2. Yigit, H. et al. Antimicrob. Agents Chemother. 45, 11511161 (2001).

  3. Hidron, A. I. et al. Infect. Control Hosp. Epidemiol. 29, 9961011 (2008).

  4. Schwaber, M. J. et al. Clin. Infect. Dis. 52, 848855 (2011).

  5. Yong, D. et al. Antimicrob. Agents Chemother. 53, 50465054 (2009).

  6. Kumarasamy K. K. et al. Lancet Infect. Dis. 10, 597602 (2010).

  7. Glasner, C. et al. Eurosurveillance 18, 28, art. 3 (2013).

// script for altemetric donuts