NATURE | افتتاحيات

الحياة على الأرض

يعد أحد أوائل الأدلة على وجود حياة فوق سطح الأرض أمرًا مثيرًا للجدل، لكن من عادة سجل الحفريات أن يكون مفاجئًا.

Nature (2013) doi:10.1038/492153b | Download PDF | Published online | English article

متى ظهرت الحياة فوق سطح الأرض لأول مرة؟ الإجابة على هذا السؤال ـ وهو من الأسئلة الرئيسة في مجال العلوم - تعتمد في الواقع على القيم التي تختارها لتعريف «الحياة»، و«الأرض». هناك بالتأكيد دليل على وجود حياة ببِرَك مياه (عذبة) - الحياة البحرية بالأساس - منذ حوالي مليار سنة (P. K. Strother et al. Nature 473,505-509, 2011)

وعدا ذلك.. فبقية الأدلة غير مباشرة، ويستدل عليها من خلال أثر العوامل الجوية على الصخور غير البحرية، والوجود الواضح للتربة القديمة Palaeosol – أي الرواسب الدالة على التربة المتحجرة التي ـ بحكم التعريف ـ تعرضت للهواء. أما الحفريات الفعلية التي قد تكون دلائل على الحياة البرية التابعة لعصر ما قبل الكمبري (قبل 542 مليون سنة)، فنادرة للغاية، أو كما يقول البعض.. أسطورية.

إن هذا الموضوع مثير للجدل إلى حد كبير. ومن العلماء الذين لم يخجلوا من الاشتباك مع هذا الطرح.. عالمة الحفريات النباتية جين جراي. فبدءًا من عام 1950، طرحت جراي ـ بشكل صاخب في كثير من الأحيان ـ رؤيتها عن وجود حياة على وجه الأرض منذ وقت مبكر جدًّا. ولكونها أنثى شرسة ومُدافِعَة عن وجهة نظر غير شعبية، لم تحصل على الكثير من المنح، لكنها كانت ـ كما وصفها عالم الأحياء ويليام شير في نعيه لها ـ « بارعة في اللعب بسوق الأوراق المالية، بقدر ما كانت بارعة في تفسير جراثيم الحفريات، مستخدمة ثروتها المستقلة في تمويل أبحاثها الخاصة» (Nature 405,34;2000).

جريجوري ريتلاك من جامعة ولاية أوريجون في يوجين، مثل جين جراي، لم يكن خائفًا من أن ينقِّب في مجال هو موضع لجدل طويل. وقد عمل على عينات من التربة القديمة من عصر ما قبل الكمبري لسنوات عديدة. إن المشكلة مع تربة الحفريات هي أنه يتم الاعتراف بها عادة بفضل آثار الكائنات الحية التي تعيش بها، وخاصة جذور النباتات. وهنا يكمن اللغز: كيف يمكنك أن تميز التربة القديمة في الرواسب التي تفتقر إلى الجذور النباتية؟ الجواب يأتي من خلال عمل جيولوجي دقيق، يبين أن التربة القديمة مرتبطة بالصخور التي تشكلت في بيئة غير بحرية، مع الاستعانة ـ جنبًا إلى جنب ـ بالكيمياء الجيولوجية وبيانات النظائر المستقرة. وقد تكون هناك أيضا أدلة مباشرة في تربة الحفريات، تأتي في شكل عقد كربونية، أو كريستالات رملية، أو شقوق ناجمة عن الجفاف، أو وجود الجليد.

وقد أدت هذه الأنواع من الأدلة إلى استنتاج ريتلاك أن التربة القديمة الموجودة بين الصخور تأتي من «الفترة الإدياكارانية» era Ediacaran (قبل 635 إلى 542 مليون سنة) في جنوب أستراليا. وقد يعتقد المرء أن التربة التي تأتي من عصر ما قبل الكمبري الأحدث قد لا تكون مثيرة للجدل، حتى بمعايير مجال علم ديناميكي. هذه الصخور تحتوي على أدلة وفيرة للحياة الماكروسكوبية الأولى، التي كان من المفترض على نطاق واسع ـ حتى الآن ـ أن تكون بحرية.

تحتوي حفريات الفترة الإدياكارانية على مجموعة واسعة من هياكل كبيرة واضحة للعيان، لكن يشوب تعريفها الغموض، ويُعتقد عادةً أنها حفريات لكائنات حية. وقد اكتُشفت الصخور الإدياكارانية في جنوب أستراليا في الأصل، ومنذ ذلك الوقت وجدت هذه الحفريات في مناطق نائية وبعيدة، مثل نيوفاوندلاند في كندا، وروسيا ناحية القطب الشمالي، ومنطقة ميدلاند الإنجليزية.

لقد سبّبت الكائنات الإدياكارانية التباسًا.. فعلى الرغم من أن لديها بنية منظمة للغاية، ما زالت طبيعتها غامضة. ولو كانت هذه كائنات حيوانية، فهي لا تشبه بشكل ولو ضئيل ـ أو لا تشبه على الإطلاق ـ أي مخلوقات أخرى حية كانت، أو من الحفريات. وقد أدى ذلك إلى اقتراحات اعتبرت هذه الكائنات إمّا أوليات عملاقة، أو فطريات، أو طحالب، أو أشنات، أو صنفًا من الكائنات المختلفة تمامًا عن أي شيء آخر معروف، أو صنفًا منقرضًا كليًّا.

لعل النقطة الوحيدة المتفَق عليها هي أن الكائنات الإدياكارانية، أيًّا كانت الأماكن الأخرى التي وُجدت بها، قد تركزت في قيعان البحار الرملية الضحلة المضاءة بنور الشمس. وهذه هي النقطة التي يختلف ريتلاك مع الجميع عليها، لأن بعضًا من عيناته للتربة القديمة الإدياكارانية مرتبطة بالحفريات الإدياكارانية. وهذا يعني أن بعض الكائنات الإدياكارانية على الأقل عاشت على الأرض ربما كالأشنات، أو المستعمرات الجرثومية التي تشكل قشور التربة. وبذلك.. لم تعد تُعتَبَر الكائنات الإدياكارانية كائنات نادرة (وليست ـ على الإطلاق ـ أسطورية)، بل هي المخلوقات الأولى التي سكنت الأرض، ليس فقط في بِرَك المياه العذبة، بل أيضًا في تربة الصحراء الجافة والباردة. وهذا طرحٌ بعيد للغاية عن الفكرة الرئيسة المفترضة لتلك الكائنات التي دُوِّنت في ملايين الكتب الترفيهية.

نشرت هذه الاستنتاجات في ورقة على موقع مجلة «نيتشر» (G. J.Retallack, Nature, http://dx.doi.org/10.1038/nature11777; 2012)

وقد تسببت هذه الاستنتاجات في جدل شديد في المجتمع العلمي للحفريات النباتية، لدرجة أننا كلفنا أحد منتديات (أخبار وآراء) ببث هذا الخلاف (S. Xiao & L. P. Knauth Nature http://dx.doi.org/10.1038/nature 11765; 2012).

إن المزيد من العمل ـ المصحوب بالعِلْم ـ سيكون السبيل الوحيد للتحقق من صحة هذا العمل الشاق والمثير، ولكن الدرس من الماضي واضح تمامًا. إن ما ذكرته جين جراي عن وجود حياة برية في فترة الأوردوفيكي الأخيرة نسبيًّا (قبل 485 إلى 443 مليون سنة) ـ الذي كان يُنظر إليه كأمر ساذج ـ أصبح الآن من المسَلَّمات. وليس هناك شيء غير تقليدي من حيث افتراض أن صورةً ما للحياة ـ على تواضعها ـ وُجدت على سطح الأرض منذ وقت مبكر جدًّا: فقصة تطور الحياة من الماء إلى الأرض ليست بالضرورة هي تلك الحكاية الوحيدة البسيطة التي تُذكر على الدوام، حيث إن سجل الحفريات عادةً ما يكون مفاجِئًا.. إذ عندما يعتقد الجميع أنه قد تم معرفة القصة بشكل كامل، يبرز فيها شيء ما جديد؛ يدفع بالحكاية في اتجاه مذهل وغير متوقع.

// script for altemetric donuts